جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿إِنّآ أَنزَلْنَا التّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النّبِيّونَ الّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلّذِينَ هَادُواْ وَالرّبّانِيّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلاَ تَخْشَوُاْ النّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلََئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. .
يقول تعالى ذكره : إنا أنزلنا التوراة فيها بيان ما سألك هؤلاء اليهود عنه من حكم الزانيين المحصنين، ونُورٌ يقول : وفيها جلاء ما أظلم عليهم وضياء ما التبس من الحكم. يَحْكُمُ بها النّبِيّونَ الّذِينَ أَسْلَمُوا يقول : يحكم بحكم التوراة في ذلك : أي فيما احتكموا إلى النبيّ ﷺ فيه من أمر الزانيين النبيون الذين أسلموا، وهم الذين أذعنوا الحكم الله وأقرّوا به. وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك نبينا محمدا ﷺ في حكمه على الزانيين المحصنين من اليهود بالرجم، وفي تسويته بين دم قتلى النضير وقُريظة في القصاص والدية، ومَنْ قبل محمد من الأنبياء يحكم بما فيها من حكم الله. كما :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : إنّا أنْزَلْنا التّوْرَاةَ فِيها هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِها النّبِيّونَ الّذِينَ أسْلَمُوا يعني النبيّ ﷺ.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول لما أنزلت هذه الآية :«نَحْنُ نَحْكُمُ على اليَهُودِ وَعلى مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أهْلِ الأدْيانِ ».
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الزهري، قال : حدثنا رجل من مزينة ونحن عند سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال : زنى رجل من اليهود بامرأة، فقال بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى هذا النبيّ فإنه نبيّ بعث بتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله وقلنا : فتيا نبيّ من أنبيائك قال : فأتوا النبيّ ﷺ وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا : يا أبا القاسم ما تقول في رجل وامرأة منهم زنيا ؟ فلم يكلمهم كلمة، حتى أتى بيت المِدْراس، فقام على الباب، فقال :«أَنْشُدُكُمْ باللّهِ الّذِي أنْزَلَ التّوْرَاةَ على مُوسَى ما تَجِدُونَ فِي التّوْرَاةِ على مَنْ زَنى إذَا أُحْصِنَ ؟ » قالوا : يُحَمَّم ويُجَبّهُ ويجلد والتجبيه : أن يحمل الزانيان على حمار تقابل أقفيتهما، ويطاف بهما وسكت شاب، فلما رآه سكت ألظّ به النّشْدة، فقال : اللهمّ إذ نَشَدْتنا، فإنا نجد في التوراة الرجم. فقال النبيّ ﷺ :«فَمَا أوّلُ ما ارْتُخِصَ أمْرُ اللّهِ ؟ » قال : زنى رجل ذو قرابة من ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم، ثم زني رجل في أسرة من الناس، فأراد رجمه، فحال قومه دونه، وقالوا : لا ترجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم. قال النبيّ ﷺ :«فإني أحْكُم بِمَا فِي التّوْرَاةِ ». فأمِر بهما فرجما. قال الزهري : فبلغنا أن هذه الاَية نزلت فيهم إنّا أنْزَلْنا التّوْرَاةَ فِيها هُدّى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِها النّبِيّونَ الّذِينَ أسْلَمُوا فكان النبيّ منهم.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله : يَحْكُمُ بِها النّبِيّونَ الّذِينَ أسْلَمُوا النبيّ ﷺ ومن قبله من الأنبياء يحكمون بما فيها من الحقّ.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن عوف، عن الحسن في قوله : يَحْكُمُ بِها النّبِيّونَ الّذِينَ أسْلَمُوا يعني النبيّ ﷺ. لِلّذِينَ هادُوا يعني اليهود، فاحكم بينهم ولا تخشهم.
القول في تأويل قوله تعالى : وَالرّبانِيّونَ وَالأحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللّهِ وكانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ.
يقول تعالى ذكره : ويحكم بالتوراة وأحكامها التي أنزل الله فيها في كلّ زمان على ما أمر بالحكم به فيها مع النبيين الذين أسلموا، الربانيون والأحبار. والربانيون : جمع ربانيّ، وهم العلماء الحكماء، البصراء بسياسة الناس وتدبير أمورهم والقيام بمصالحهم. والأحبار : هم العلماء. وقد بينا معنى الربانيين فيما مضى بشواهده، وأقوال أهل التأويل فيه. وأما الأحبار : فإنهم جمع حبر، وهو العالم المحكم للشيء، ومنه قيل لكعب : كعب الأحبار. وكان الفرّاء يقول : أكثر ما سمعت العرب تقول في واحد الأحبار : حِبر بكسر الحاء.
وكان بعض أهل التأويل يقول : عُنى بالربانيين والأحبار في هذا الموضع : ابنا صوريا اللذان أقرّا لرسول الله ﷺ بحكم الله تعالى في التوراة على الزانيين المحصنين. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : كان رجلان من اليهود أخوان يقال لهما ابنا صوريا، وقد اتبعا النبيّ ﷺ ولم يسلما، وأعطياه عهدا أن لا يسألهما عن شيء في التوراة إلا أخبراه به. وكان أحدهما رِبّيّا، والآخر حبرا، وإنما اتبعا النبيّ ﷺ يتعلمان منه. فدعاهما فسألهما، فأخبراه الأمر كيف كان حين زنى الشريف وزنى المسكين، وكيف غيروه. فأنزل الله : إنّا أنْزَلْنا التّوْرَاةَ فِيها هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِها النّبِيّونَ الّذِينَ أسْلَمُوا للّذِينَ هادُوا يعني : النبيّ ﷺ والربانيون والأحبار : هما ابنا صوريا. لِلّذِينَ هادُوا. ثم ذكر ابني صوريا، فقال : وَالرّبانِيّونَ وَالأحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللّهِ وكانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ.
والصواب من القول في ذلك عندي، أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر أن التوراة يحكم بها مسلمو الأنبياء لليهود والربانيون من خلقه والأحبار. وقد يجوز أن يكون عُني بذلك ابنا صوريا وغيرهما، غير أنه قد دخل في ظاهر التنزيل مسلمو الأنبياء وكلّ رباني وحبر، ولا دلالة في ظاهر التنزيل على أنه معنىّ به خاصّ من الربانيين والأحبار، ولا قامت بذلك حجة يجب التسليم لها، فكلّ رباني وحبر داخل في الاَية بظاهر التنزيل.
وبمثل الذي قلنا في تأويل الأحبار قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سلمة، عن الضحاك : الربانيون والأحبار : قرّاؤهم وفقهاؤهم.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا حفص، عن أشعث، عن الحسن : الربانيون والأحبار : الفقهاء والعلماء.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : الربانيون العلماء الفقهاء، وهم فوق الأحبار.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : الربانيون : فقهاء اليهود، والأحبار : علماؤهم.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا سُنيد بن داود، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة : والرّبّانِيّونَ والأَحْبَارُ كلهم يحكم بما فيها من الحقّ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : الربانيون : الولاة، والأحبار : العلماء.
وأما قوله : بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللّهِ فإن معناه : يحكم النبيون الذين أسلموا بحكم التوراة، والربانيون والأحبار يعني العلماء بما استودعوا علمه من كتاب الله الذي هو التوراة. والباء في قوله : بِما اسْتُحْفِظُوا من صلة الأحبار.
وأما قوله : وكانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فإنه يعني أن الربانيين والأحبار بما استودعوا من كتاب الله يحكمون بالتوراة مع النبيين الذين أسملوا للذين هادوا، وكانوا على حكم النبيين الذين أسلموا للذين هادوا شهداء أنهم قضوا عليهم بكتاب الله الذي أنزله على نبيه موسى وقضائه عليهم. كما :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : وكانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ يعني الربانيين والأحبار هم الشهداء لمحمد ﷺ بما قال أنه حقّ جاء من عند الله، فهو نبيّ الله محمد، أتته اليهود فقضى بينهم بالحقّ.
القول في تأويل قوله تعالى : فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بآياتِي ثَمَنا قَلِيلاً.
يقول تعالى ذكره لعلماء اليهود وأحبارهم : لا تخشوا الناس في تنفيذ حكمي الذي حكمت به على عبادي وإمضائه عليهم على ما أمرت، فإنهم لا يقدرون لكم على ضرّ ولا نفع إلا بإذني، ولا تكتموا الرجم الذي جعلته حكما في التوراة على الزانيين المحصنين، ولكن اخشوني دون كلّ أحد من خلقي، فإن النفع والضرّ بيدي، وخافوا عقابي في كتمانكم ما استحفظتم من كتابي. كما :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاخْشَوْنِ يقول : لا تخشوا الناس فتكتموا ما أنزلت.
وأما قوله : وَلا تَشْتَرُوا بآياتِي ثَمَنا قَلِيلاً يقول : ولا تأخذوا بترك الحكم بآيات كتابي الذي أنزلته على موسى أيها الأحبار عوضا خسيسا، وذلك هو الثمن القليل. وإنما أراد تعالى ذكره نهيهم عن أكل السحت على تحريفهم كتاب الله وتغييرهم حكمه عما حكم به في الزّانيين المحصنين، وغير ذلك من الأحكام التي بدّلوها، طلبا منهم للرشا كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : وَلا تَشْتَرُوا بآياتِي ثَمَنا قَلِيلاً قال : لا تأكلوا السحت على كتابي. وقال مرّة أخرى، قال : قال ابن زيد في قوله : وَلا تَشْتَرُوا بآياتِي ثَمَنا قال : لا تأخذوا به رشوة.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَلا تَشْتَرُوا بآياتِي ثَمَنا قَلِيلاً : ولا تأخذوا طُعْما قليلاً على أن تكتموا ما أنزلت.
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ.
يقول تعالى ذكره : ومن كتم حكم الله الذي أنزله في كتابه، وجعله حكما بين عباده فأخفاه، وحكم بغيره، كحكم اليهود في الزانيين المحصنين بالتجبيه والتحميم، وكتمانهم الرجم، وكقضائهم في بعض قتلاهم بدية كاملة وفي بعض بنصف الدية، وفي الأشراف بالقصاص وفي الأدنياء بالدية، وقد سوّى الله بين جميعهم في الحكم عليهم في التوراة فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ يقول : هؤلاء الذين لم يحكموا بما أنزل الله في كتابه، ولكن بدّلوا وغيروا حكمه وكتموا الحقّ الذي أنزله في كتابه. هُمُ الكَافِرُونَ يقول : هم الذين ستروا الحقّ الذي كان عليهم كشفه وتبيينه وغَطّوه عن الناس وأظهروا لهم غيره وقضوا به لسحت أخذوه منهم عليه.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل الكفر في هذا الموضع. فقال بعضهم بنحو ما قلنا في ذلك، من أنه عنى