اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَأَنِ احْكُم﴾ : فيه أربعةُ أوجه :
أحدها : أنَّ محلَّها النَّصب عَطْفاً على " الكِتَاب "، أي :" وأنزلنا إليكم الحكم ".
والثاني : أنَّها في محلِّ جرٍّ عَطْفاً على " بالحقِّ "، أي :" أنزلناه بالحق وبالحكم " وعلى هذا الوجْهِ فيَجُوزُ في محلِّ " أنْ " النَّصْب والجرّ على الخلافِ المَشْهُور.
والثالث : أنَّها في محلِّ رفع على الابتداء، وفي تقدير خَبَرهِ احتمالان :
أحدهما : أن تقدِّره مُتَأخِّراً، أي : حكمك بما أنْزَل اللَّه أمْرُنا أو قولنا.
والآخر : أن تقدِّره متقدِّماً أي : ومِن الواجِبِ أن احكُم أي : حُكْمُك.
والرابع : أنَّهَا تَفْسِيريَّة.
قال أبُو البقاء(١) :" وهو بعيدٌ ؛ لأنَّ " الواو " تَمْنَع من ذلك، والمعنى يفسد ذلِك ؛ لأنَّ " أن " التَّفْسِيريَّة يَنْبَغِي أن يَسْبِقَها قولٌ يُفسَّر بِهَا "، أما ما ذَكَرَهُ من مَنْع " الواو " أن تكُون " أنْ " تَفسيريَّة فَوَاضِحٌ.
وأمَّا قوله :" يَسْبِقُها قوْل " إصلاحُهُ أن يقول :" مَا هُو بمعنى القَوْل لا حُرُوفه "، ثم قال : ويمكن تَصْحِيحُ هذا القول بأن يكون التَّقدير : وأمَرْنَاك، ثم فسَّر هذا الأمْر ب " احْكُمْ "، ومنع الشَّيْخ من تصحيح هذا القَوْل بما ذكرهُ أبو البقاء، قال : لأنَّه لم يُحْفَظ من لِسَانهم حذف الجُمْلَة المُفسَّرَة ب " أن " وما بعدها، وهو كما قال. وقراءتَا ضمِّ نُونِ " أن " وكَسْرِهَا واضحتَان ممَّا تقدَّم في البَقَرَة : الضمَّة للإتبَاع، والكَسْر على أصْل التِقَاء السَّاكِنَيْن.
والضَّمِير في " بَيْنَهُم " : إمَّا لليهُود خَاصَّة، وإمَّا لِجَمِيع المُتَحَاكِمين.
فإن قيل : قالوا : هذه الآية نَاسِخَةٌ للتَّخْيِير في قوله :﴿فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]، وأعَادَ ذِكْر الأمْر بالحُكْمِ بعد ذِكْرِهِ أوَّلاً : إما للتَّأكيد، وإمَّا لأنَّهما حُكْمَان أمَر بهما جَمِيعاً ؛ لأنَّهمُ احْتَكموا إليه في زِنَا المُحْصَن، ثُمَّ احْتَكَمُوا إليه في قتلٍ كائنٍ فيهِم.
قوله تعالى :﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ قال ابن عبَّاس - رضي الله تعالى عنهما - : يردُّوكَ إلى أهْوائِهِم(٢).
وقد ذكرنا أنَّ اليهُود اجْتَمَعُوا وأرادُوا إيقاعَهُ في تَحْرِيفِ دينهِ فعصمَهُ اللَّه عن ذلك، فإن كلَّ من صُرِفَ من الحقِّ إلى الباطِلِ فقد فُتِن، ومنه قولُهُ تعالى :﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] والفِتْنَةُ هاهنا : المَيْلُ عن الحقِّ والإلْقَاء في الباطِل، وكان - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - يقول :" أعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا " (٣)، قال : هو أن يَعْدِلَ عن الطَّرِيق.
قال العُلَمَاءُ(٤) - رضي الله عنهم - : هذه الآية تَدُلُّ على أنَّ الخَطَأ والنِّسْيَان جائِزٌ على الرُّسُل ؛ لأن الله قال :﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾، والتَّعَمُّد في مثل هذا غير جائز على الرُّسل فلم يَبْقَ إلا الخَطَأ والنسيان(٥).
قوله تعالى :" أن يفْتِنُوكَ " فيه وجهان :
أظهرهما : أنَّهُ مفعول من أجلِهِ، أي : احْذَرْهُمْ مخافةَ أن يَفْتِنُوك.
والثاني : أنَّها بدل من المفعُول على جهة الاشْتِمَال، كأنَّه [ قال ] : واحذرهُم فِتْنَتَهُمْ، كقولك :" أعجَبني زَيْدٌ عِلْمُه ".
وقوله تعالى :" فإن تَوَلَّوْا ".
قال ابنُ عطيَّة(٦) : قبله محذُوفٌ يَدُلُّ عليه الظَّاهِر، تقديره :" لا تَتَّبعْ واحْذَر، فإن حكَّمُوك مع ذَلِك، واسْتقامُوا لك فَنِعمَّا ذلك وإن تولَّوا فاعْلَمْ ".
ويحسُنُ أن يقدَّر هذا المحذُوف المعادل بعد قوله :" لَفَاسِقُون "، والذي يَنْبَغِي ألاَّ يُقَال : في هذا النَّوْع ثَمَّ حذف ؛ لأنَّ ذلك من بَابِ فَحْوَى الخِطَابِ، والأمْر فيه واضِحٌ.

فصل


المعنى :" فإن تَولَّوْا " : أعرضوا عن الإيمَان ولَمْ يَقْبَلُوا حُكْمَكَ، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم﴾ أي : فاعْلَم أن إعْراضهم من أجْلِ أن يُرِيد الله أن يعجِّل لهم العُقُوبَة في الدُّنْيَا، بأن يُسَلِّط عَلَيْهِم ويُعذِّبَهُم في الدُّنْيَا [ بالقَتْلِ والجَلاَء ](٧)، وخصَّ تعالى بَعْضَ الذُّنُوب ؛ لأنَّ القَتْل جُوزُوا به في الدُّنْيَا بِبَعْضِ ذُنُوبهم، وكانت مُجَازَاتهم بالبعض كَافِياً في إهلاكهم، ﴿وإن كثيراً من النَّاسِ﴾، يعني : اليَهُود. " لفاسقون " لمتمردّون في الكُفْرِ ومُعْتَدُون فيه.
١ ينظر: الإملاء ١/٢١٨..
٢ ينظر: تفسير الرازي ١٢/١٣..
٣ تقدم..
٤ ينظر: تفسير الرازي ١٢/١٣..
٥ في أ: والرسل..
٦ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٢٠٢..
٧ في أ: بالعلل والجلد..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى