اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
اختلفوا في نُزُول هذه الآية، وإن كان حُكمُهَا عامًّا لجميع المؤمنين، فقال قومٌ : نزلت في عبادة بن الصَّامتِ - رضي الله عنه -، وعبد الله بن أبي ابن سلُول - لعنهُ الله -، وذلك أنَّهما اخْتَصَما، " فقال عُبَادة : إن لي أوْلِيَاء من اليَهُود كثير عَدَدَهُم شديدةٌ شوْكَتُهُم، وإنِّي أبرأ إلى الله - تعالى - وإلى رسُوله من ولايتهِم وولايَة اليَهُود، ولا مولى لي إلا الله - عزَّ وجلَّ - ورسوله. فقال عبدُ الله - لعنه الله - : لكنِّي لا أبرأ مِنْ ولايَة اليَهُود لأنِّي أخاف الدَّوَائر ولا بُدَّ لِي مِنْهُم فقال النَّبِيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - : يا أبا الحُبَاب ما نفذت من ولاية اليَهُود على عُبَادة بن الصَّامِت فهو لك دُونه قال : إذْن أقْبَل " فأنزل اللَّه - تعالى -(١) هذه الآية.
وقال السُّدِّيُّ : لمَّا كانت وقعة [ أُحُد ](٢) اشتدَّتْ على طائِفَةٍ من النَّاس، وتَخوَّفُوا أن يُدَال عليهم الكُفَّار، فقال [ رَجُلٌ ](٣) من المُسْلِمين : أنَا ألْحَقُ بِفلانٍ اليهُودِيّ، وآخذ منه أماناً إنِّي أخافُ أن يُدالَ علينا اليَهُود.
وقال رجُل آخَر : أما أنا فألْحَقُ بفُلانٍ النَّصْرَانِيِّ من أهْلِ الشَّام، وآخُذ منه أمَاناً، فأنْزَل الله هذه الآية نَهْياً لَهُمَا(٤).
وقال عكرمة : نزلت في أبِي لُبَابة بن عبد المُنْذِر بَعَثَهُ النَّبِيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - إلى بني قُرَيْظَة حين حَاصَرَهُم، فاسْتَشَارُوه في النُّزول، وقالوا : ماذا يَصْنَعُ بنا إذا نَزَلْنَا فجعل إصْبَعَهُ على حَلْقِه أنَّه الذَّبح، أي : يَقْتُلكُمْ، فنَزَلَتْ هذه الآية(٥) ؛ ومعنى لا تتَّخِذُوهُمْ أي : لا تَعْتَمِدُوا على اسْتِنْصَارِهِم، ولا تتودَّدُوا إلَيْهِم.
قوله :﴿بَعْضُهم أوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ مُبْتَدأ وَخَبَر، وهذه الجُمْلَة لا مَحَلَّ لها ؛ لأنها مُسْتَأنفة، سيقَتْ تعليلاً للنَّهْي المتقدِّم.
وزعم الحوفيّ أنها في محلِّ نصب نعتاً ل " أَولياء "، والأوَّل هو الظّاهر، والضَّمير في " بَعْضِهِم " يعود على اليهُود والنَّصارى على سَبِيل الإجْمَالِ، والقرينة تبين أن بعض اليهود أولياء بعض، وأن بعض النصارى أولياء بعض [ وبهذا التقرير لا يحتاج كما زعم بعضهم إلى تقدير محذوف يصح به المعنى، وهو : بعض اليهود أولياء بعض، وبعض النصارى أولياء بعض ](٦).
قال : لأن اليهود لا يتَوَلَّوْنَ النصارى، والنصارى لا يتولَّوْن اليهود، وقد تقدم جوابه.
قوله تعالى :﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ﴾ فيوافقُهُم ويُعينُهم، " فإنَّهُ مِنْهُم " قال ابن عبَّاس - رضي الله تعالى عنهما - : يعني كانوا مِثْلَهُم(٧) فهذا تَغْلِيظٌ من الله وتشديدٌ في [ وجوب ](٨) مجانبة المُخالِفِ في الدِّين، ونَظِيره قوله تعالى :﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وهذه الآية تدلُّ على مَنْع إثْبَات المِيرَاث للمُسْلِم من المرتَدِّ.
ثم قال تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ رُوِي عن أبي مُوسى الأشْعَري - رضي الله عنه - أنَّه قال : قُلْتُ لعمر بن الخَطّاب - رضي الله عنه - إن [ لي كاتباً ](٩) نَصْرانياً.
قال : مَا لَكَ قاتلَك اللَّه ؟ ألا اتَّخْذَت حَنِيفاً، أما سَمِعْت قول الله - تعالى - :﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾.
قلت : لَهُ دينُهُ ولي كِتَابتُه قال : لا أكرمُهم إذ أهَانَهُم الله، ولا أعزُّهُم إذ أذَلَّهُم، ولا أدْنِيهِمْ إذ أبْعدَهَمُ الله.
قلت : لا يَتِمُّ النُّصْرة إلاَّ به، فقال : مَاتَ النَّصْرَانِيُّ والسَّلام، يعني : هَبْ أنَّهُ مات فَمَا تَصْنَعَ بَعْدَهُ، فما تعمله بعد موْتِهِ فاعْمَلْهُ الآنَ، واستعن عنهُ بِغيْرِه(١٠).
١ أخرجه الطبري في تفسيره" (٤/٦١٥) والبيهقي في "دلائل النبوة"(٣/١٧٥) عن عبادة بن الوليد وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(٢/٥١٥) وزاد نسبته لابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه.
والخبر في "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/٤٢٨-٤٢٩)..

٢ سقط في أ..
٣ سقط في أ..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره"(٤/٦١٦) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٥١٥) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن السدي..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره"(٤/٦١٦) عن عكرمة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٥١٥) وزاد نسبته لابن المنذر..
٦ سقط في أ..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٦١٨) عن ابن عباس..
٨ سقط في أ..
٩ في أ: في كتابنا..
١٠ تقدم في تفسير سورة البقرة وهو في ابن أبي حاتم والشعب..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى