جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿يََأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنّصَارَىَ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلّهُمْ مّنكُمْ فَإِنّهُ مِنْهُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾. .
اختلف أهل التأويل في المعنىّ بهذه الآية وإن كان مأمورا بذلك جميع المؤمنين، فقال بعضهم : عنى بذلك : عبُادة بن الصامت وعبد الله بن أُبَىّ ابن سَلُول في براءة عبادة من حلف اليهود، وفي تمسك عبد الله بن أبيّ ابن سلول بحلف اليهود بعد ما ظهرت عداوتهم لله ولرسوله ﷺ، وأخبره الله أنه إذا تولاهم وتمسك بحلفهم أنه منهم في براءته من الله ورسوله كبراءتهم منهما. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : سمعت أبي، عن عطية بن سعد، قال : جاء عبادة ابن الصامت من بني الحرث بن الخزرج إلى رسول الله ﷺ، فقال : يا رسول الله، إن لي موالي من يهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود وأتولى الله ورسوله فقال عبد الله بن أبيّ : إني رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية مواليّ. فقال رسول الله ﷺ لعبد الله ابن أبيّ :«يا أبا الحُبابِ مَا بَخِلْتَ بِهِ مِنْ وِلايَةِ يَهُودَ على عُبادَةَ بنِ الصّامِتِ فَهُوَ إلَيكَ دُونَهُ ». قال : قد قبلت. فأنزل الله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا اليَهُودَ والنّصَارَى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ. . . إلى قوله : فَتَرى الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ.
حدثنا هناد، قال : حدثنا يونس بن بكير، قال : ثني عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري، قال : لما انهزم أهل بدر قال المسلمون لأوليائهم من يهود : آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر فقال مالك ابن صيف : غرّكم أن أصبتم رهطا من قريش لا علم لهم بالقتال، أما لو أسررنا العزيمة أن نستجمع عليكم لم يكن لكم يد أن تقاتلونا. فقال عبادة : يا رسول الله إن أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم كثيرا سلاحهم شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم، ولا مولى لي إلا الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبيّ : لكني لا أبرأ من ولاء يهود، إني رجل لا بدّ لي منهم. فقال رسول الله ﷺ :«يا أبا حُبابِ أرأيْتَ الّذِي نَفَسْتَ بِهِ مِنْ وَلاءِ يَهُودَ على عُبادَةَ، فَهُوَ لَكَ دونَهُ ». قال : إذن أقبل. فأنزل الله تعالى ذكره : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا اليَهُودَ والنّصَارَى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلياءُ بَعْضٍ. . . إلى أن بلغ إلى قوله : وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ.
حدثنا هناد، قال : حدثنا يونس، قال : حدثنا ابن إسحاق، قال : ثني والدي إسحاق بن يسار، عن عبادة ابن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال : لما حاربت بنو قَينُقاع رسول الله ﷺ، تشبث بأمرهم عبد الله بن أبيّ، وقام دونهم. ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ، وكان أحد بني عوف بن الخزرج من له حلفهم مثل الذي لهم من عبد الله بن أبيّ، فخلعهم إلى رسول الله ﷺ، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وقال : يا رسول الله أتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم ففيه وفي عبد الله بن أبيّ نزلت الآيات في المائدة : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا اليَهُودَ والنّصَارَى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضً. . . الاَية.
وقال آخرون : بل عُنى بذلك قوم من المؤمنين كانوا هموا حين نالهم بأُحد من أعدائهم من المشركين ما نالهم أن يأخذوا من اليهود عِصَما، فنهاهم الله عن ذلك، وأعلمهم أن من فعل ذلك منهم فهو منهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا اليَهُودَ والنّصَارَى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَولّهُمْ مِنْكُمْ فإنّهُ مِنْهُمْ قال : لما كانت وقعة أُحد، اشتدّ على طائفة من الناس وتخوّفوا أن يُدال عليهم الكفار، فقال رجل لصاحبه : أما أنا فألحقُ بدَهْلَكَ اليهودي فآخذ منه أمانا وأتهوّد معه، فإني أخاف أن تدال علينا اليهود. وقال الآخر : أما أنا فألحق بفلان النصرانيّ ببعض أرض الشام فآخذ منه أمانا وأنتصر معه. فأنزل الله تعالى ذكره ينهاهما : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا اليَهُودَ والنّصَارَى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلّهُمْ مِنْكُمْ فإنّهُ مِنْهُمْ إنّ اللّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالَمِينَ.
وقال آخرون : بل عُني بذلك أبو لبابة بن عبد المنذر في إعلامه بني قريظة إذ رضوا بحكم سعد أنه الذبح. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا اليَهُودَ وَالنّصَارَى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلّهُمْ مِنْكُمْ فإنّهُ مِنْهُمْ قال : بعث رسول الله ﷺ أبا لبابة بن عبد المنذر من الأوس، وهو من بني عمرو بن عوف، فبعثه إلى قريظة حين نقضت العهد، فلما أطاعوا له بالنزول أشار إلى حلقه الذبح الذبح.
والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين جميعا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارا وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأخبر أنه من اتخذهم نصيرا وحليفا ووليا من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنّه منهم في التحزّب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان. وقد يجوز أن تكون الاَية نزلت في شأن عُبادة بن الصامت وعبد الله بن أبيّ ابن سلول وحلفائهما من اليهود، ويجوز أن تكون نزلت في أبي لُبابة بسبب فعله في بني قريظة، ويجوز أن تكون نزلت في شأن الرجلين اللذين ذكر السدّيّ أن أحدهما همّ باللحاق بدهلك اليهودي والآخر بنصراني بالشأم، ولم يصحّ من هذه الأقوال الثلاثة خبر يثبت بمثله حجة فيسلم لصحته القول بأنه كما قيل. فإذ كان ذلك كذلك فالصواب أن يُحْكم لظاهر التنزيل بالعموم على ما عمّ، ويجوز ما قاله أهل التأويل فيه من القول الذي لا علم عندنا بخلافه غير أنه لا شك أن الاَية نزلت في منافق كان يوالي يهودَ أو نصارى، خوفا على نفسه من دوائر الدهر، لأن الاَية التي بعد هذه تدل على ذلك، وذلك قوله : فَتَرى الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أنْ تُصِيبَنا دَائِرَةٌ. . . الاَية.
وأما قوله : بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ فإنه عنى بذلك أن بعض اليهود أنصار بعضهم على المؤمنين، ويد واحدة على جميعهم، وأن النصارى كذلك بعضهم أنصار بعض على من خالف دينهم وملتهم، معرّفا بذلك عباده المؤمنين أن من كان لهم أو لبعضهم وليا فإنما هو وليهم على من خالف ملتهم ودينهم من المؤمنين، كما اليهود والنصارى لهم حرب، فقال تعالى ذكره للمؤمنين : فكونوا أنتم أيضا بعضُكم أولياءُ بعض، ولليهودي والنصراني حربا كما هم لكم حرب، وبعضهم لبعض أولياء لأن من والاهم فقد أظهر لأهل الإيمان الحرب ومنهم البراءة، وأبان قطع ولايتهم.
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَتَوَلّهُمْ مِنْكُمْ فإنّهُ مِنْهُمْ.
يعني تعالى ذكره بقوله : وَمَنْ يَتَوَلّهُمْ مِنْكُمْ فإنّهُ مِنْهُمْ ومن يتولّ اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم، يقول : فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متولّ أحدا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمه حكمه، ولذلك حكم من حكم من أهل العلم لنصارى بني تَغْلب في ذبائحهم ونكاح نسائهم وغير ذلك من أمورهم بأحكام نصارى بني إسرائيل، لموالاتهم إياهم ورضاهم بملتهم ونصرتهم لهم عليها، وإن كانت أنسابهم لأنسابهم مخالفة وأصل دينهم لأصل دينهم مفارقا. وفي ذلك الدلالة الواضحة على صحة ما نقول، من أن كلّ من كان يدين بدين فله حكم أهل ذلك الدين كانت دينونته به قبل مجيء الإسلام أو بعده، إلا أن يكون مسلما من أهل ديننا انتقل إلى ملة غيرها، فإنه لا يقرّ على ما دان به فانتقل إليه، ولكن يقتل لردّته عن الإسلام ومفارقته دين الحقّ، إلا أن يرجع قبل القتل إلى الدين الحقّ، وفساد ما خالفه من قول من زعم أنه لا يحكم بحكم أهل الكتابين لمن دان بدينهم، إلا أن يكون إسرائيليا أو منتقلاً إلى دينهم من غيرهم قبل نزول الفرقان. فأما من دان بدينهم بعد نزول الفرقان ممن لم يكن منهم ممن خالف نسبه نسبهم وجنسه جنسهم، فإنه حكمه لحكمهم مخالف. ذكر من قال بما قلنا من التأويل :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرواسي، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، قال : سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى العرب، فقرأ : وَمَنْ يَتَوَلّهُمْ مِنْكُمْ فإنّهُ مِنْهُمْ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الاَية : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا اليَهُودَ وَالنّصَارَى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ وْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلّهُمْ مِنْكُمْ فإنّهُ مِنْهُمْ أنها في الذبائح، من دخل في دين قوم فهو منهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا حجاج، قال : حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : كلوا من ذبائح بني تَغْلب، وتزوّجوا من نسائهم، فإن الله يقول كتابه : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا اليَهُودَ والنّصَارَى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلّهُمْ مِنْكُمْ فإنّه مِنْهُمْ ولو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا حسين بن عليّ، عن زائدة، عن هشام، قال : كان الحسن لا يرى بذبائح نصارى العرب ولا نكاح نسائهم بأسا، وكان يتلو هذه الاَية : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا اليَهُودَ وَالنّصارَى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلّهُمْ مِنْكُمْ فإنّهُ مِنْهُمْ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن هارون بن إبراهيم، قال : سئل ابن سيرين عن رجل يبيع داره من نصارى يتخذونها بيعة، قال : فتلا هذه الاَية : لا تَتّخِذُوا اليَهُودَ والنّصَارَى أوْلِياءَ.
القول في تأويل قوله تعالى : إنّ اللّهَ لا يَهْدِى القَوْمَ الظّالِمِينَ.
يعني تعالى ذكره بذلك، أن الله لا يوفق من وضع الولاية في غير موضعها فوالَى اليهود والنصارى مع عداوتهم الله ورسوله والمؤمنين على المؤمنين، وكان لهم ظهيرا ونصيرا، لأن من تولاهم فهو لله ولرسوله وللمؤمنين حرب. وقد بين
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بهذه الآية، وإن كان مأمورًا بذلك جميع المؤمنين.
فقال بعضهم: عنى بذلك عبادة بن الصامت، وعبد الله بن أبي ابن سلول، في براءة عُبَادة من حلف اليهود، وفي تمسك عبد الله بن أبي ابن سلول بحلف اليهود، بعد ما ظهرت عداوتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم= وأخبره الله أنه إذا تولاهم وتمسَّك بحلفهم: أنه منهم في براءته من الله ورسوله كَبرَاءتهم منهما.
ذكر من قال ذلك:
١٢١٥٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي، عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج، إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي موالي من يهود كثيرٌ
١٢١٥٧ - حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثني عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري قال: لما انهزم أهلُ بدر، قال المسلمون لأوليائهم من يهود: آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوٍم مثل يوم بدر! فقال مالك بن صيف: غرَّكم أن أصبتم رهطًا من قريش لا علم لهم بالقتال!! أما لو أمْرَرْنَا العزيمة أن نستجمع عليكم، (٢) لم يكن لكم يدٌ أن تقاتلونا! فقال عبادة: يا رسول الله، إن أوليائي من اليهود كانت شديدةً أنفسهم، كثيًرا سلاحهم، شديدةً شَوْكتُهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من وَلايتهم، ولا مولى لي إلا الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبيّ: لكني لا أبرأ من ولاء يهود، إنّي رجل لا بدَّ لي منهم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا أبا حُباب، أرأيت الذي نَفِست به من ولاء يهود على عبادة، فهو لك دونه؟ قال: إذًا أقبلُ! فأنزل الله تعالى ذكره:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعض أولياء بعض" إلى أن بلغ إلى قوله:"والله يعصمك من الناس". (٣)
١٢١٥٨ - حدثنا هناد قال، حدثنا يونس قال، حدثنا ابن إسحاق قال،
(٢) في المطبوعة: "أسررنا العزيمة"، وهو خطأ، والصواب من المخطوطة."أمر الحبل يمره إمرارًا": فتله فتلاً محكمًا قويًا. يعني: أجمعنا عزيمتنا.
(٣) الأثر: ١٢١٥٧-"عثمان بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري"، ضعيف متروك الحديث. مضى برقم: ٥٧٥٤.
* * *
وقال آخرون: بل عُني بذلك قومٌ من المؤمنين كانوا هَمُّوا حين نالهم بأحُدٍ من أعدائهم من المشركين ما نالهم= أن يأخذوا من اليهود عِصَمًا، (٢) فنهاهم الله عن ذلك، وأعلمهم أنّ من فعل ذلك منهم فهو منهم.
ذكر من قال ذلك:
١٢١٥٩ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم"، قال: لما كانت وقعة أحُدٍ، اشتدّ على طائفة من الناس، وتخوَّفوا أن يُدَال عليهم الكفَّار، (٣) فقال رجل لصاحبه: أمَّا أنا فألحق بدهلك اليهوديّ، فآخذ منه أمانًا وأتهَوّد معه، (٤) فإني أخاف أن تُدال علينا اليهود. وقال الآخر: أمَّا أنا فألحق بفلانٍ النصراني ببعض أرض
(٢) "العصم" جمع"عصمة": وهي الحبال والعهود، تعصمهم وتمنعهم من الضياع.
(٣) "أديل عليه" (بالبناء للمجهول) : أي كانت له الدولة والغلبة.
(٤) "دهلك اليهودي" لم أجد له ذكرًا فيما بين يدي من الكتب. وأخشى أن يكون اسمه تحريف.
* * *
وقال آخرون: بل عُني بذلك أبو لبابة بن عبد المنذر، في إعلامه بني قريظة إذ رَضُوا بحكم سعدٍ: أنه الذَّبح.
ذكر من قال ذلك:
١٢١٦٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم"، قال: بعث رسول الله ﷺ أبا لُبابة بن عبد المنذر، من الأوس= وهو من بني عمرو بن عوف= فبعثه إلى قريظة حين نَقَضت العهد، فلما أطاعوا له بالنزول، (١) أشار إلى حلقه: الذَّبْحَ الذَّبْحَ.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهَىَ المؤمنين جميعا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارًا وحلفاءَ على أهل الإيمان بالله ورسوله وغيرَهم، (٢) وأخبر أنه من اتخذهم نصيرًا وحليفًا ووليًّا من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزُّب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان. وقد يجوز أن تكون الآية نزلت في شأن عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي ابن سلول وحلفائهما من اليهود= ويجوز أن تكون نزلت في أبي لبابة بسبب فعله في بني قريظة= ويجوز أن تكون نزلت في شأن الرَّجلين اللذين ذكر السدي أن أحدَهما همَّ باللحاق بدهلك اليهودي، والآخر بنصرانيّ بالشأم= ولم
(٢) في المطبوعة، حذف قوله: "وغيرهم".
فإذْ كان ذلك كذلك، فالصواب أن يحكم لظاهر التنزيل بالعموم على ما عمَّ، ويجوز ما قاله أهل التأويل فيه من القول الذي لا علم عندنا بخلافه. غير أنه لا شك أن الآية نزلت في منافق كان يوالي يهودًا أو نصارى خوفًا على نفسه من دوائر الدهر، لأن الآية التي بعد هذه تدلّ على ذلك، وذلك قوله: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) الآية.
وأما قوله:"بعضهم أولياء بعض"، فإنه عنى بذلك: أن بعض اليهود أنصار بعضهم على المؤمنين، ويد واحدة على جميعهم= وأن النصارى كذلك، بعضهم أنصار بعض على من خالف دينهم وملتهم= معرِّفًا بذلك عباده المؤمنين: أنّ من كان لهم أو لبعضهم وليًّا، فإنما هو وليهُّم على من خالف ملتهم ودينهم من المؤمنين، كما اليهود والنصارى لهم حَرْب. فقال تعالى ذكره للمؤمنين: فكونوا أنتم أيضًا بعضكم أولياء بعض، ولليهوديّ والنصراني حربًا كما هم لكم حرب، وبعضهم لبعض أولياء، لأن من والاهم فقد أظهر لأهل الإيمان الحربَ، ومنهم البراءة، وأبان قطع وَلايتهم. (١)
* * *
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"ومن يتولهم منكم فإنه منهم"، ومن يتولَّ اليهود والنصارى دون المؤمنين، فإنه منهم. يقول: فإن من تولاهم ونصرَهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متولً أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راضٍ. وإذا رضيه ورضي دينَه، فقد عادى ما خالفه وسَخِطه، وصار حكُمه حُكمَه، (١) ولذلك حَكَم مَنْ حكم من أهل العلم لنصارى بني تغلب في ذبائحهم ونكاح نسائهم وغير ذلك من أمورهم، بأحكام نصَارَى بني إسرائيل، لموالاتهم إياهم، ورضاهم بملتهم، ونصرتهم لهم عليها، وإن كانت أنسابهم لأنسابهم مخالفة، وأصل دينهم لأصل دينهم مفارقًا.
* * *
وفي ذلك الدلالةُ الواضحة على صحة ما نقول، من أن كل من كان يدين بدينٍ فله حكم أهل ذلك الدين، كانت دينونته به قبل مجيء الإسلام أو بعده. إلا أن يكون مسلمًا من أهل ديننا انتقل إلى ملّة غيرِها، فإنه لا يُقَرُّ على ما دان به فانتقل إليه، ولكن يقتل لردَّته عن الإسلام ومفارقته دين الحق، إلا أن يرجع قبل القَتْل إلى الدين الحق= (٢) وفسادِ ما خالفه من قول من زعم: أنه لا يحكم بحكم أهل الكتابين لمن دان بدينهم، إلا أن يكون إسرائيليًّا أو منتقلا إلى دينهم من غيرهم قبل نزول الفرقان. فأما من دان بدينهم بعد نزول الفُرْقان، ممن لم يكن منهم، ممن خالف نسبُه نسبهم وجنسه جنسهم، فإنه حكمه لحكمهم مخالفٌ. (٣)
* * *
(٢) قوله: "وفساد ما خالفه"، مجرور معطوف على قوله آنفا: "وفي ذلك الدلالة الواضحة على صحة ما نقول".
(٣) انظر ما سلف ٩: ٥٧٣- ٥٨٧
١٢١٦١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرُّؤَاسي، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى العرب، فقرأ:"ومن يتولَّهم منكم فإنه منهم". (١)
١٢١٦٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم"، أنها في الذبائح. من دخل في دين قوم فهو منهم.
١٢١٦٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كلوا من ذبائح بني تغلب، وتزوّجوا من نسائهم، فإن الله بقول في كتابه:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم"، ولو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم.
١٢١٦٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن هشام قال: كان الحسن لا يرى بذبائح نصارى العرب ولا نكاح نسائهم بأسًا، وكان يتلو هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهودَ والنصارَى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهَّم منكم فإنه منهم". (٢)
١٢١٦٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد، قال، أخبرنا ابن المبارك، عن
(٢) الأثر: ١٢١٦٤-"حسين بن علي بن الوليد الجعفي"، مضى مرارًا، منها: ٢٩، ١٧٤، ٤٤١، ٤٤١٥، ٧٢٨٧، ٧٤٩٩، ١١٤٦٣، وكان في المطبوعة"حسن بن علي"، وهو خطأ، وفي المخطوطة غير منقوط.
و"زائدة"، هو: "زائدة بن قدامة الثقفي"، مضى برقم: ٢٩، ٤٨٩٧، ٧٢٨٧.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: إن الله لا يوفِّق من وضع الولاية في غير موضعها، فوالى اليهود والنصارى= مع عداوتهم الله ورسوله والمؤمنين= على المؤمنين، وكان لهم ظهيًرا ونصيرًا، لأن من تولاهم فهو لله ولرسوله وللمؤمنين حَرْبٌ.
وقد بينا معنى"الظلم" في غير هذا الموضع، وأنه وضع الشيء في غير موضعه، بما أغنى عن إعادته.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾
اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية.
فقال بعضهم: عنى بها عبد الله بن أبي ابن سلول.
ذكر من قال ذلك:
١٢١٦٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي، عن عطية بن سعد:"فترى الذين في قلوبهم مرض"، عبد الله بن أبي="يسارعون
١٢١٦٧ - حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني والدي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت:"فترى الذين في قلوبهم مرض"، يعني عبد الله بن أبي="يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة"، لقوله: إني أخشى دائرةً تُصِيبني! (١)
* * *
وقال آخرون: بل عُني بذلك قومٌ من المنافقين كانوا يُناصِحون اليهود ويغشون المؤمنين، ويقولون:"نخشى أن تكون الدائرة لليهود على المؤمنين"! (٢)
ذكر من قال ذلك:
١٢١٦٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره:"فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم"، قال: المنافقون، في مصانعة يهود، ومناجاتهم، واسترضاعهم أولادَهم إياهم= وقول الله تعالى ذكره:"نخشى أن تصيبنا دائرة"، قال يقول: نخشى أن تكون الدَّائرة لليهود.
١٢١٦٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٢١٧٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"فترى الذين في قلوبهم مرض" إلى قوله:"نادمين"، أُناسٌ من المنافقين كانوا يوادُّون اليهود ويناصحونهم دون المؤمنين.
١٢١٧١ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال،
(٢) في المطبوعة: "أن تكون دائرة"، وأثبت ما في المخطوطة.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن ذلك من الله خبر عن ناس من المنافقين كانوا يوالون اليهودَ والنصارى ويغشُّون المؤمنين، ويقولون: نخشى أن تدور دوائر= إما لليهود والنصارى، وإما لأهل الشرك من عبدة الأوثان، أو غيرهم= على أهل الإسلام، أو تنزل بهؤلاء المنافقين نازلةٌ، فيكون بنا إليهم حاجة.
وقد يجوز أن يكون ذلك كان من قول عبد الله بن أبي، ويجوز أن يكون كان من قول غيره، غير أنه لا شك أنه من قول المنافقين.
* * *
فتأويل الكلام إذًا: فترى، يا محمد، الذين في قلوبهم شكٌّ، (١) ومرضُ إيمانٍ بنبوّتك وتصديق ما جئتهم به من عند ربك (٢) ="يسارعون فيهم"، يعني في اليهود والنصارى= ويعني بمسارعتهم فيهم: مسارعتهم في مُوالاتهم ومصانعتهم (٣) ="يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة"، يقول هؤلاء المنافقون: إنما نسارع في موالاة هؤلاء اليهود والنصارى، خوفًا من دائرة تدور علينا من عدوّنا. (٤)
* * *
ويعني بـ"الدائرة"، الدولة، كما قال الراجز: (٥)
| تَرُدُّ عَنْكَ القَدَرَ المَقْدُورَا | وَدَائِرَاتِ الدَّهْرِ أَنْ تَدُورَا (٦) |
(٢) انظر تفسير"المرض" فيما سلف ١: ٢٧٨- ٢٨١.
(٣) انظر تفسير"المسارعة" فيما سلف ٧: ١٣٠، ٢٠٧، ٤١٨/١٠: ٣٠١ وما بعدها.
(٤) انظر تفسير"الإصابة" فيما سلف ص: ١٣٩٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٥) هو حميد الأرقط.
(٦) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٦٩، ولم أجد سائر الرجز.