محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٥١ من سورة المائدة في ١١٧ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و١٧ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٥١ من سورة المائدة

١١٧ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿يََأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنّصَارَىَ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلّهُمْ مّنكُمْ فَإِنّهُ مِنْهُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾. .
اختلف أهل التأويل في المعنىّ بهذه الآية وإن كان مأمورا بذلك جميع المؤمنين، فقال بعضهم : عنى بذلك : عبُادة بن الصامت وعبد الله بن أُبَىّ ابن سَلُول في براءة عبادة من حلف اليهود، وفي تمسك عبد الله بن أبيّ ابن سلول بحلف اليهود بعد ما ظهرت عداوتهم لله ولرسوله ﷺ، وأخبره الله أنه إذا تولاهم وتمسك بحلفهم أنه منهم في براءته من الله ورسوله كبراءتهم منهما. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : سمعت أبي، عن عطية بن سعد، قال : جاء عبادة ابن الصامت من بني الحرث بن الخزرج إلى رسول الله ﷺ، فقال : يا رسول الله، إن لي موالي من يهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود وأتولى الله ورسوله فقال عبد الله بن أبيّ : إني رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية مواليّ. فقال رسول الله ﷺ لعبد الله ابن أبيّ :«يا أبا الحُبابِ مَا بَخِلْتَ بِهِ مِنْ وِلايَةِ يَهُودَ على عُبادَةَ بنِ الصّامِتِ فَهُوَ إلَيكَ دُونَهُ ». قال : قد قبلت. فأنزل الله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا اليَهُودَ والنّصَارَى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ. . . إلى قوله : فَتَرى الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ.
حدثنا هناد، قال : حدثنا يونس بن بكير، قال : ثني عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري، قال : لما انهزم أهل بدر قال المسلمون لأوليائهم من يهود : آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر فقال مالك ابن صيف : غرّكم أن أصبتم رهطا من قريش لا علم لهم بالقتال، أما لو أسررنا العزيمة أن نستجمع عليكم لم يكن لكم يد أن تقاتلونا. فقال عبادة : يا رسول الله إن أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم كثيرا سلاحهم شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم، ولا مولى لي إلا الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبيّ : لكني لا أبرأ من ولاء يهود، إني رجل لا بدّ لي منهم. فقال رسول الله ﷺ :«يا أبا حُبابِ أرأيْتَ الّذِي نَفَسْتَ بِهِ مِنْ وَلاءِ يَهُودَ على عُبادَةَ، فَهُوَ لَكَ دونَهُ ». قال : إذن أقبل. فأنزل الله تعالى ذكره : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا اليَهُودَ والنّصَارَى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلياءُ بَعْضٍ. . . إلى أن بلغ إلى قوله : وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ.
حدثنا هناد، قال : حدثنا يونس، قال : حدثنا ابن إسحاق، قال : ثني والدي إسحاق بن يسار، عن عبادة ابن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال : لما حاربت بنو قَينُقاع رسول الله ﷺ، تشبث بأمرهم عبد الله بن أبيّ، وقام دونهم. ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ، وكان أحد بني عوف بن الخزرج من له حلفهم مثل الذي لهم من عبد الله بن أبيّ، فخلعهم إلى رسول الله ﷺ، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وقال : يا رسول الله أتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم ففيه وفي عبد الله بن أبيّ نزلت الآيات في المائدة : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا اليَهُودَ والنّصَارَى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضً. . . الاَية.
وقال آخرون : بل عُنى بذلك قوم من المؤمنين كانوا هموا حين نالهم بأُحد من أعدائهم من المشركين ما نالهم أن يأخذوا من اليهود عِصَما، فنهاهم الله عن ذلك، وأعلمهم أن من فعل ذلك منهم فهو منهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا اليَهُودَ والنّصَارَى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَولّهُمْ مِنْكُمْ فإنّهُ مِنْهُمْ قال : لما كانت وقعة أُحد، اشتدّ على طائفة من الناس وتخوّفوا أن يُدال عليهم الكفار، فقال رجل لصاحبه : أما أنا فألحقُ بدَهْلَكَ اليهودي فآخذ منه أمانا وأتهوّد معه، فإني أخاف أن تدال علينا اليهود. وقال الآخر : أما أنا فألحق بفلان النصرانيّ ببعض أرض الشام فآخذ منه أمانا وأنتصر معه. فأنزل الله تعالى ذكره ينهاهما : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا اليَهُودَ والنّصَارَى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلّهُمْ مِنْكُمْ فإنّهُ مِنْهُمْ إنّ اللّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالَمِينَ.
وقال آخرون : بل عُني بذلك أبو لبابة بن عبد المنذر في إعلامه بني قريظة إذ رضوا بحكم سعد أنه الذبح. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا اليَهُودَ وَالنّصَارَى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلّهُمْ مِنْكُمْ فإنّهُ مِنْهُمْ قال : بعث رسول الله ﷺ أبا لبابة بن عبد المنذر من الأوس، وهو من بني عمرو بن عوف، فبعثه إلى قريظة حين نقضت العهد، فلما أطاعوا له بالنزول أشار إلى حلقه الذبح الذبح.
والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين جميعا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارا وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأخبر أنه من اتخذهم نصيرا وحليفا ووليا من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنّه منهم في التحزّب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان. وقد يجوز أن تكون الاَية نزلت في شأن عُبادة بن الصامت وعبد الله بن أبيّ ابن سلول وحلفائهما من اليهود، ويجوز أن تكون نزلت في أبي لُبابة بسبب فعله في بني قريظة، ويجوز أن تكون نزلت في شأن الرجلين اللذين ذكر السدّيّ أن أحدهما همّ باللحاق بدهلك اليهودي والآخر بنصراني بالشأم، ولم يصحّ من هذه الأقوال الثلاثة خبر يثبت بمثله حجة فيسلم لصحته القول بأنه كما قيل. فإذ كان ذلك كذلك فالصواب أن يُحْكم لظاهر التنزيل بالعموم على ما عمّ، ويجوز ما قاله أهل التأويل فيه من القول الذي لا علم عندنا بخلافه غير أنه لا شك أن الاَية نزلت في منافق كان يوالي يهودَ أو نصارى، خوفا على نفسه من دوائر الدهر، لأن الاَية التي بعد هذه تدل على ذلك، وذلك قوله : فَتَرى الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أنْ تُصِيبَنا دَائِرَةٌ. . . الاَية.
وأما قوله : بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ فإنه عنى بذلك أن بعض اليهود أنصار بعضهم على المؤمنين، ويد واحدة على جميعهم، وأن النصارى كذلك بعضهم أنصار بعض على من خالف دينهم وملتهم، معرّفا بذلك عباده المؤمنين أن من كان لهم أو لبعضهم وليا فإنما هو وليهم على من خالف ملتهم ودينهم من المؤمنين، كما اليهود والنصارى لهم حرب، فقال تعالى ذكره للمؤمنين : فكونوا أنتم أيضا بعضُكم أولياءُ بعض، ولليهودي والنصراني حربا كما هم لكم حرب، وبعضهم لبعض أولياء لأن من والاهم فقد أظهر لأهل الإيمان الحرب ومنهم البراءة، وأبان قطع ولايتهم.

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَتَوَلّهُمْ مِنْكُمْ فإنّهُ مِنْهُمْ.


يعني تعالى ذكره بقوله : وَمَنْ يَتَوَلّهُمْ مِنْكُمْ فإنّهُ مِنْهُمْ ومن يتولّ اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم، يقول : فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متولّ أحدا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمه حكمه، ولذلك حكم من حكم من أهل العلم لنصارى بني تَغْلب في ذبائحهم ونكاح نسائهم وغير ذلك من أمورهم بأحكام نصارى بني إسرائيل، لموالاتهم إياهم ورضاهم بملتهم ونصرتهم لهم عليها، وإن كانت أنسابهم لأنسابهم مخالفة وأصل دينهم لأصل دينهم مفارقا. وفي ذلك الدلالة الواضحة على صحة ما نقول، من أن كلّ من كان يدين بدين فله حكم أهل ذلك الدين كانت دينونته به قبل مجيء الإسلام أو بعده، إلا أن يكون مسلما من أهل ديننا انتقل إلى ملة غيرها، فإنه لا يقرّ على ما دان به فانتقل إليه، ولكن يقتل لردّته عن الإسلام ومفارقته دين الحقّ، إلا أن يرجع قبل القتل إلى الدين الحقّ، وفساد ما خالفه من قول من زعم أنه لا يحكم بحكم أهل الكتابين لمن دان بدينهم، إلا أن يكون إسرائيليا أو منتقلاً إلى دينهم من غيرهم قبل نزول الفرقان. فأما من دان بدينهم بعد نزول الفرقان ممن لم يكن منهم ممن خالف نسبه نسبهم وجنسه جنسهم، فإنه حكمه لحكمهم مخالف. ذكر من قال بما قلنا من التأويل :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرواسي، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، قال : سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى العرب، فقرأ : وَمَنْ يَتَوَلّهُمْ مِنْكُمْ فإنّهُ مِنْهُمْ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الاَية : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا اليَهُودَ وَالنّصَارَى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ وْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلّهُمْ مِنْكُمْ فإنّهُ مِنْهُمْ أنها في الذبائح، من دخل في دين قوم فهو منهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا حجاج، قال : حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : كلوا من ذبائح بني تَغْلب، وتزوّجوا من نسائهم، فإن الله يقول كتابه : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا اليَهُودَ والنّصَارَى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلّهُمْ مِنْكُمْ فإنّه مِنْهُمْ ولو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا حسين بن عليّ، عن زائدة، عن هشام، قال : كان الحسن لا يرى بذبائح نصارى العرب ولا نكاح نسائهم بأسا، وكان يتلو هذه الاَية : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا اليَهُودَ وَالنّصارَى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلّهُمْ مِنْكُمْ فإنّهُ مِنْهُمْ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن هارون بن إبراهيم، قال : سئل ابن سيرين عن رجل يبيع داره من نصارى يتخذونها بيعة، قال : فتلا هذه الاَية : لا تَتّخِذُوا اليَهُودَ والنّصَارَى أوْلِياءَ.

القول في تأويل قوله تعالى : إنّ اللّهَ لا يَهْدِى القَوْمَ الظّالِمِينَ.


يعني تعالى ذكره بذلك، أن الله لا يوفق من وضع الولاية في غير موضعها فوالَى اليهود والنصارى مع عداوتهم الله ورسوله والمؤمنين على المؤمنين، وكان لهم ظهيرا ونصيرا، لأن من تولاهم فهو لله ولرسوله وللمؤمنين حرب. وقد بين
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾


قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بهذه الآية، وإن كان مأمورًا بذلك جميع المؤمنين.
فقال بعضهم: عنى بذلك عبادة بن الصامت، وعبد الله بن أبي ابن سلول، في براءة عُبَادة من حلف اليهود، وفي تمسك عبد الله بن أبي ابن سلول بحلف اليهود، بعد ما ظهرت عداوتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم= وأخبره الله أنه إذا تولاهم وتمسَّك بحلفهم: أنه منهم في براءته من الله ورسوله كَبرَاءتهم منهما.
ذكر من قال ذلك:
١٢١٥٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي، عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج، إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي موالي من يهود كثيرٌ
عدَدُهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من وَلاية يهود، وأتولَّى الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبي: إنّي رجل أخاف الدَّوائر، لا أبرأ من ولاية مواليّ. فقال رسول الله ﷺ لعبد الله ابن أبيّ: يا أبا الحباب، ما بخلتَ به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو إليك دونه؟ (١) قال: قد قبلتُ. فأنزل الله:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضُهم أولياء بعض" إلى قوله:"فترى الذين في قلوبهم مرض".
١٢١٥٧ - حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثني عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري قال: لما انهزم أهلُ بدر، قال المسلمون لأوليائهم من يهود: آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوٍم مثل يوم بدر! فقال مالك بن صيف: غرَّكم أن أصبتم رهطًا من قريش لا علم لهم بالقتال!! أما لو أمْرَرْنَا العزيمة أن نستجمع عليكم، (٢) لم يكن لكم يدٌ أن تقاتلونا! فقال عبادة: يا رسول الله، إن أوليائي من اليهود كانت شديدةً أنفسهم، كثيًرا سلاحهم، شديدةً شَوْكتُهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من وَلايتهم، ولا مولى لي إلا الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبيّ: لكني لا أبرأ من ولاء يهود، إنّي رجل لا بدَّ لي منهم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا أبا حُباب، أرأيت الذي نَفِست به من ولاء يهود على عبادة، فهو لك دونه؟ قال: إذًا أقبلُ! فأنزل الله تعالى ذكره:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعض أولياء بعض" إلى أن بلغ إلى قوله:"والله يعصمك من الناس". (٣)
١٢١٥٨ - حدثنا هناد قال، حدثنا يونس قال، حدثنا ابن إسحاق قال،
(١) في المخطوطة: "فهو إلى دونه"، والصواب ما في المطبوعة.
(٢) في المطبوعة: "أسررنا العزيمة"، وهو خطأ، والصواب من المخطوطة."أمر الحبل يمره إمرارًا": فتله فتلاً محكمًا قويًا. يعني: أجمعنا عزيمتنا.
(٣) الأثر: ١٢١٥٧-"عثمان بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري"، ضعيف متروك الحديث. مضى برقم: ٥٧٥٤.
حدثني والدي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تشبَّث بأمرهم عبد الله بن أبيّ وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم= وكان أحد بني عوف بن الخزرج، له من حلفهم مثلُ الذي لهم من عبد الله بن أبيّ= فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أتبرَّأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكُفّار وَولايتهم! ففيه وفي عبد الله بن أبيّ نزلت الآيات في"المائدة":"يا أيها الذين آمنوا لا تتْخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعضٍ"، الآية. (١)
* * *
وقال آخرون: بل عُني بذلك قومٌ من المؤمنين كانوا هَمُّوا حين نالهم بأحُدٍ من أعدائهم من المشركين ما نالهم= أن يأخذوا من اليهود عِصَمًا، (٢) فنهاهم الله عن ذلك، وأعلمهم أنّ من فعل ذلك منهم فهو منهم.
ذكر من قال ذلك:
١٢١٥٩ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم"، قال: لما كانت وقعة أحُدٍ، اشتدّ على طائفة من الناس، وتخوَّفوا أن يُدَال عليهم الكفَّار، (٣) فقال رجل لصاحبه: أمَّا أنا فألحق بدهلك اليهوديّ، فآخذ منه أمانًا وأتهَوّد معه، (٤) فإني أخاف أن تُدال علينا اليهود. وقال الآخر: أمَّا أنا فألحق بفلانٍ النصراني ببعض أرض
(١) الأثر: ١٢١٥٨- سيرة ابن هشام ٣: ٥٢، ٥٣.
(٢) "العصم" جمع"عصمة": وهي الحبال والعهود، تعصمهم وتمنعهم من الضياع.
(٣) "أديل عليه" (بالبناء للمجهول) : أي كانت له الدولة والغلبة.
(٤) "دهلك اليهودي" لم أجد له ذكرًا فيما بين يدي من الكتب. وأخشى أن يكون اسمه تحريف.
الشأم، فآخذ منه أمانًا وأتنصَّر معه، فأنزل الله تعالى ذكره ينهاهما:"يا آيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهودَ والنصارَى أولياءَ بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين".
* * *
وقال آخرون: بل عُني بذلك أبو لبابة بن عبد المنذر، في إعلامه بني قريظة إذ رَضُوا بحكم سعدٍ: أنه الذَّبح.
ذكر من قال ذلك:
١٢١٦٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم"، قال: بعث رسول الله ﷺ أبا لُبابة بن عبد المنذر، من الأوس= وهو من بني عمرو بن عوف= فبعثه إلى قريظة حين نَقَضت العهد، فلما أطاعوا له بالنزول، (١) أشار إلى حلقه: الذَّبْحَ الذَّبْحَ.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهَىَ المؤمنين جميعا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارًا وحلفاءَ على أهل الإيمان بالله ورسوله وغيرَهم، (٢) وأخبر أنه من اتخذهم نصيرًا وحليفًا ووليًّا من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزُّب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان. وقد يجوز أن تكون الآية نزلت في شأن عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي ابن سلول وحلفائهما من اليهود= ويجوز أن تكون نزلت في أبي لبابة بسبب فعله في بني قريظة= ويجوز أن تكون نزلت في شأن الرَّجلين اللذين ذكر السدي أن أحدَهما همَّ باللحاق بدهلك اليهودي، والآخر بنصرانيّ بالشأم= ولم
(١) في المخطوطة: "أطاعوا الله بالنزول"، والجيد ما في المطبوعة.
(٢) في المطبوعة، حذف قوله: "وغيرهم".
يصحّ بواحدٍ من هذه الأقوال الثلاثة خبرٌ تثبت بمثله حجة، فيسلّم لصحته القولُ بأنه كما قيل.
فإذْ كان ذلك كذلك، فالصواب أن يحكم لظاهر التنزيل بالعموم على ما عمَّ، ويجوز ما قاله أهل التأويل فيه من القول الذي لا علم عندنا بخلافه. غير أنه لا شك أن الآية نزلت في منافق كان يوالي يهودًا أو نصارى خوفًا على نفسه من دوائر الدهر، لأن الآية التي بعد هذه تدلّ على ذلك، وذلك قوله: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) الآية.
وأما قوله:"بعضهم أولياء بعض"، فإنه عنى بذلك: أن بعض اليهود أنصار بعضهم على المؤمنين، ويد واحدة على جميعهم= وأن النصارى كذلك، بعضهم أنصار بعض على من خالف دينهم وملتهم= معرِّفًا بذلك عباده المؤمنين: أنّ من كان لهم أو لبعضهم وليًّا، فإنما هو وليهُّم على من خالف ملتهم ودينهم من المؤمنين، كما اليهود والنصارى لهم حَرْب. فقال تعالى ذكره للمؤمنين: فكونوا أنتم أيضًا بعضكم أولياء بعض، ولليهوديّ والنصراني حربًا كما هم لكم حرب، وبعضهم لبعض أولياء، لأن من والاهم فقد أظهر لأهل الإيمان الحربَ، ومنهم البراءة، وأبان قطع وَلايتهم. (١)
* * *
(١) انظر تفسير"ولي" و"أولياء" فيما سلف ٩: ٣١٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"ومن يتولهم منكم فإنه منهم"، ومن يتولَّ اليهود والنصارى دون المؤمنين، فإنه منهم. يقول: فإن من تولاهم ونصرَهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متولً أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راضٍ. وإذا رضيه ورضي دينَه، فقد عادى ما خالفه وسَخِطه، وصار حكُمه حُكمَه، (١) ولذلك حَكَم مَنْ حكم من أهل العلم لنصارى بني تغلب في ذبائحهم ونكاح نسائهم وغير ذلك من أمورهم، بأحكام نصَارَى بني إسرائيل، لموالاتهم إياهم، ورضاهم بملتهم، ونصرتهم لهم عليها، وإن كانت أنسابهم لأنسابهم مخالفة، وأصل دينهم لأصل دينهم مفارقًا.
* * *
وفي ذلك الدلالةُ الواضحة على صحة ما نقول، من أن كل من كان يدين بدينٍ فله حكم أهل ذلك الدين، كانت دينونته به قبل مجيء الإسلام أو بعده. إلا أن يكون مسلمًا من أهل ديننا انتقل إلى ملّة غيرِها، فإنه لا يُقَرُّ على ما دان به فانتقل إليه، ولكن يقتل لردَّته عن الإسلام ومفارقته دين الحق، إلا أن يرجع قبل القَتْل إلى الدين الحق= (٢) وفسادِ ما خالفه من قول من زعم: أنه لا يحكم بحكم أهل الكتابين لمن دان بدينهم، إلا أن يكون إسرائيليًّا أو منتقلا إلى دينهم من غيرهم قبل نزول الفرقان. فأما من دان بدينهم بعد نزول الفُرْقان، ممن لم يكن منهم، ممن خالف نسبُه نسبهم وجنسه جنسهم، فإنه حكمه لحكمهم مخالفٌ. (٣)
* * *
(١) انظر تفسير"التولي" فيما سلف ٩: ٣١٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) قوله: "وفساد ما خالفه"، مجرور معطوف على قوله آنفا: "وفي ذلك الدلالة الواضحة على صحة ما نقول".
(٣) انظر ما سلف ٩: ٥٧٣- ٥٨٧
ذكر من قال بما قلنا من التأويل.
١٢١٦١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرُّؤَاسي، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى العرب، فقرأ:"ومن يتولَّهم منكم فإنه منهم". (١)
١٢١٦٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم"، أنها في الذبائح. من دخل في دين قوم فهو منهم.
١٢١٦٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كلوا من ذبائح بني تغلب، وتزوّجوا من نسائهم، فإن الله بقول في كتابه:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم"، ولو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم.
١٢١٦٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن هشام قال: كان الحسن لا يرى بذبائح نصارى العرب ولا نكاح نسائهم بأسًا، وكان يتلو هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهودَ والنصارَى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهَّم منكم فإنه منهم". (٢)
١٢١٦٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد، قال، أخبرنا ابن المبارك، عن
(١) الأثر: ١٢١٦١-"حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي"، ثقة. مضى برقم: ١٧٨، ٨٨٦، ٥٣٤٧.
(٢) الأثر: ١٢١٦٤-"حسين بن علي بن الوليد الجعفي"، مضى مرارًا، منها: ٢٩، ١٧٤، ٤٤١، ٤٤١٥، ٧٢٨٧، ٧٤٩٩، ١١٤٦٣، وكان في المطبوعة"حسن بن علي"، وهو خطأ، وفي المخطوطة غير منقوط.
و"زائدة"، هو: "زائدة بن قدامة الثقفي"، مضى برقم: ٢٩، ٤٨٩٧، ٧٢٨٧.
هارون بن إبراهيم قال: سئل ابن سيرين عن رجل يبيع دارَه من نصارَى يتخذونها بِيعَةً، قال: فتلا هذه الآية:"لا تتَّخِذوا اليهود والنصارى أولياء".
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: إن الله لا يوفِّق من وضع الولاية في غير موضعها، فوالى اليهود والنصارى= مع عداوتهم الله ورسوله والمؤمنين= على المؤمنين، وكان لهم ظهيًرا ونصيرًا، لأن من تولاهم فهو لله ولرسوله وللمؤمنين حَرْبٌ.
وقد بينا معنى"الظلم" في غير هذا الموضع، وأنه وضع الشيء في غير موضعه، بما أغنى عن إعادته.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾


اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية.
فقال بعضهم: عنى بها عبد الله بن أبي ابن سلول.
ذكر من قال ذلك:
١٢١٦٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي، عن عطية بن سعد:"فترى الذين في قلوبهم مرض"، عبد الله بن أبي="يسارعون
فيهم"، في ولايتهم="يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة"، إلى آخر الآية:"فيصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين".
١٢١٦٧ - حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني والدي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت:"فترى الذين في قلوبهم مرض"، يعني عبد الله بن أبي="يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة"، لقوله: إني أخشى دائرةً تُصِيبني! (١)
* * *
وقال آخرون: بل عُني بذلك قومٌ من المنافقين كانوا يُناصِحون اليهود ويغشون المؤمنين، ويقولون:"نخشى أن تكون الدائرة لليهود على المؤمنين"! (٢)
ذكر من قال ذلك:
١٢١٦٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره:"فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم"، قال: المنافقون، في مصانعة يهود، ومناجاتهم، واسترضاعهم أولادَهم إياهم= وقول الله تعالى ذكره:"نخشى أن تصيبنا دائرة"، قال يقول: نخشى أن تكون الدَّائرة لليهود.
١٢١٦٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٢١٧٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"فترى الذين في قلوبهم مرض" إلى قوله:"نادمين"، أُناسٌ من المنافقين كانوا يوادُّون اليهود ويناصحونهم دون المؤمنين.
١٢١٧١ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال،
(١) الأثر: ١٢١٦٧- سيرة ابن هشام ٣: ٥٣، مختصرًا وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٢١٥٨.
(٢) في المطبوعة: "أن تكون دائرة"، وأثبت ما في المخطوطة.
حدثنا أسباط، عن السدي:"فترى الذين في قلوبهم مرض"، قال: شك ="يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة"، و"الدائرة"، ظهور المشركين عليهم.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن ذلك من الله خبر عن ناس من المنافقين كانوا يوالون اليهودَ والنصارى ويغشُّون المؤمنين، ويقولون: نخشى أن تدور دوائر= إما لليهود والنصارى، وإما لأهل الشرك من عبدة الأوثان، أو غيرهم= على أهل الإسلام، أو تنزل بهؤلاء المنافقين نازلةٌ، فيكون بنا إليهم حاجة.
وقد يجوز أن يكون ذلك كان من قول عبد الله بن أبي، ويجوز أن يكون كان من قول غيره، غير أنه لا شك أنه من قول المنافقين.
* * *
فتأويل الكلام إذًا: فترى، يا محمد، الذين في قلوبهم شكٌّ، (١) ومرضُ إيمانٍ بنبوّتك وتصديق ما جئتهم به من عند ربك (٢) ="يسارعون فيهم"، يعني في اليهود والنصارى= ويعني بمسارعتهم فيهم: مسارعتهم في مُوالاتهم ومصانعتهم (٣) ="يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة"، يقول هؤلاء المنافقون: إنما نسارع في موالاة هؤلاء اليهود والنصارى، خوفًا من دائرة تدور علينا من عدوّنا. (٤)
* * *
ويعني بـ"الدائرة"، الدولة، كما قال الراجز: (٥)
تَرُدُّ عَنْكَ القَدَرَ المَقْدُورَاوَدَائِرَاتِ الدَّهْرِ أَنْ تَدُورَا (٦)
(١) في المطبوعة: "في قلوبهم مرض وشك إيمان"، غير ما في المخطوطة وهو الصواب المحض. لأنه يريد: أن المرض قد دخل إيمانهم وتصديقهم، بعد ذكر"الشك".
(٢) انظر تفسير"المرض" فيما سلف ١: ٢٧٨- ٢٨١.
(٣) انظر تفسير"المسارعة" فيما سلف ٧: ١٣٠، ٢٠٧، ٤١٨/١٠: ٣٠١ وما بعدها.
(٤) انظر تفسير"الإصابة" فيما سلف ص: ١٣٩٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٥) هو حميد الأرقط.
(٦) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٦٩، ولم أجد سائر الرجز.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
ينهى تعالى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى، الذين هم أعداء الإسلام وأهله، قاتلهم الله، ثم أخبر(١) أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يتعاطى ذلك فقال :﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ]﴾(٢)
قال(٣) ابن أبي حاتم : حدثنا كثير بن شهاب، حدثنا محمد - يعني ابن سعيد بن سابق - حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن سِمَاك بن حَرْب، عن عِياض : أن عمر أمر أبا موسى الأشعري أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد، وكان له كاتب نصراني، فرفع إليه ذلك، فعجب عمر [ رضي الله عنه ](٤) وقال : إن هذا لحفيظ، هل أنت قارئ لنا كتابًا في المسجد جاء من الشام ؟ فقال : إنه لا يستطيع [ أن يدخل المسجد ](٥) فقال عمر : أجُنُبٌ هو ؟ قال : لا بل نصراني. قال : فانتهرني وضرب فخذي، ثم قال : أخرجوه، ثم قرأ :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ]﴾(٦)
ثم قال الحسن بن محمد بن الصباح : حدثنا عثمان بن عمر، أنبأنا ابن عَوْن، عن محمد بن سِيرِين قال : قال عبد الله بن عتبة : ليتق أحدكم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا، وهو لا يشعر. قال : فظنناه يريد هذه الآية :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ]﴾(٧) الآية. وحدثنا(٨) أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس : أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب، فقال : كُلْ، قال الله تعالى :﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾
وروي عن أبي الزناد، نحو ذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمات، فذكر السُّدِّي أنها نزلت في رجلين، قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد : أما أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي، فآوي إليه وأتهود معه، لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث ! وقال الآخر : وأما أنا فأذهب إلى فلان النصراني بالشام، فآوي إليه وأتنصر معه، فأنزل الله [ عز وجل ](١) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ الآيات.
وقال عكرمة : نزلت في أبي لُبَابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول الله ﷺ إلى بني قُرَيْظَة، فسألوه : ماذا هو صانع بنا ؟ فأشار بيده إلى حلقه، أي : إنه الذبح. رواه ابن جرير.
وقيل : نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سَلُول، كما قال ابن جرير :
حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا ابن إدريس قال : سمعت أبيّ، عن عطية بن سعد قال : جاء عبادة بن الصامت، من بني الخزرج، إلى رسول الله ﷺ فقال : يا رسول الله، إن لي موالي من يهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبي : إني رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية موالي. فقال رسول الله ﷺ لعبد الله بن أبي :" يا أبا الحُباب، ما بَخِلْتَ به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه ". قال : قد قبلت ! فأنزل الله عز وجل :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ]﴾(٢) إلى قوله :﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾(٣).
ثم قال ابن جرير : حدثنا هَنَّاد، حدثنا يونس بن بُكَيْر، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري قال : لما انهزم أهل بدر قال المسلمون لأوليائهم من يهود : آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر ! فقال مالك بن الصيف : أغركم أن أصبتم رهطًا من قريش لا علم لهم بالقتال ! ! أما لو أمْرَرْنا(٤) العزيمة أن نستجمع عليكم، لم يكن لكم يَدٌ(٥) بقتالنا(٦) فقال عبادة : يا رسول الله، إن أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم، كثيرًا سلاحهم، شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله [ تعالى ](٧) وإلى رسوله من ولاية يهود، ولا مولى لي إلا الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبي : لكني لا أبرأ من ولاء يهود(٨) أنا رجل لا بد لي منهم. فقال رسول الله ﷺ :" يا أبا الحباب أرأيت الذي نفست به من ولاء(٩) يهود على عبادة بن الصامت، فهو لك دونه ؟ " فقال : إذا أقبلُ ! قال : فأنزل الله :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ]﴾(١٠) إلى قوله :﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. (١١)
وقال محمد بن إسحاق : فكانت أول قبيلة من اليهود نقضت ما بينها وبين رسول الله ﷺ بنو قينقاع. فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال : فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبي بن سلول، حين أمكنه الله منهم، فقال : يا محمد، أحسن في مَوَالي. وكانوا حلفاء الخزرج، قال : فأبطأ عليه رسول الله ﷺ، فقال : يا محمد، أحسن في موالي. قال : فأعرض عنه. فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ. فقال له رسول الله ﷺ. " أرسلني ". وغضب رسول الله ﷺ حتى رُئِي لوجهه ظللا ثم قال :" ويحك أرسلني ". قال : لا والله لا أرسلك حتى تحسن في مَوَالي، أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم(١٢) في غداة واحدة ؟ ! إني امرؤ أخشى الدوائر، قال : فقال رسول الله ﷺ :" هُم لك. " (١٣)
قال محمد بن إسحاق : فحدثني أبو إسحاق بن يَسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال : لما حاربت بنو قَيْنُقَاع رسول الله ﷺ، تشبث بأمرهم عبد الله بن أبيّ، وقام دونهم، ومشى(١٤) عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ، وكان أحد بني عَوْف بن الخزرج، له من حلفهم مثل الذي لعبد الله بن أبي، فجعلهم إلى رسول الله ﷺ وتبرأ إلى الله ورسوله ﷺ من حلفهم، وقال : يا رسول الله، أتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم. ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات في المائدة :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلى قوله :(١٥) ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦](١٦).
وقال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عُرْوَة، عن أسامة بن زيد قال : دخلت مع رسول الله ﷺ على عبد الله بن أبيّ نعوده، فقال له النبي ﷺ :" قد كنت أنهاك عن حُبّ يهود ". فقال عبد الله : فقد أبغضهم أسعد بن زرارة، فمات.
وكذا رواه أبو داود، من حديث محمد بن إسحاق. (١٧)


١ في أ: "خبر"..
٢ زيادة من أ..
٣ في ر: "ثم قال"..
٤ زيادة من أ..
٥ زيادة من أ..
٦ زيادة من أ..
٧ زيادة من ر، أ..
٨ في أ: "ثم قال: وحدثنا".
.

المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾
يَنْهَى تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَالَاةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، الَّذِينَ هُمْ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ أَخْبَرَ (١) أَنَّ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، ثُمَّ تَهَدَّدَ وَتَوَعَّدَ مَنْ يَتَعَاطَى ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ]﴾ (٢)
قَالَ (٣) ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِهَابٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِي ابْنَ سَعِيدِ بْنِ سَابِقٍ-حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْب، عَنْ عِياض: أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى فِي أَدِيمٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ لَهُ كَاتِبٌ نَصْرَانِيٌّ، فَرَفَعَ إِلَيْهِ ذَلِكَ، فَعَجِبَ عُمَرُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (٤) وَقَالَ: إِنَّ هَذَا لِحَفِيظٌ، هَلْ أَنْتَ قَارِئٌ لَنَا كِتَابًا فِي الْمَسْجِدِ جَاءَ مَنِ الشَّامِ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ [أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ] (٥) فَقَالَ عُمَرُ: أجُنُبٌ هُوَ؟ قَالَ: لَا بَلْ نَصْرَانِيٌّ. قَالَ: فَانْتَهَرَنِي وَضَرَبَ فَخِذِي، ثُمَّ قَالَ: أَخْرِجُوهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ]﴾ (٦)
ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْن، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ: لِيَتَّقِ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ. قَالَ: فَظَنَنَّاهُ يُرِيدُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ]﴾ (٧) الْآيَةَ. وَحَدَّثَنَا (٨) أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عكرمة، عن ابن عباس: أنه سئل عن ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ، فَقَالَ: كُلْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، نَحْوُ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أَيْ: شَكٌّ، وَرَيْبٌ، وَنِفَاقٌ ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أَيْ: يُبَادِرُونَ إِلَى مُوَالَاتِهِمْ وَمَوَدَّتِهِمْ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ أَيْ: يَتَأَوَّلُونَ فِي مَوَدَّتِهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ أَنَّهُمْ يَخْشَوْنَ أَنْ يَقَعَ أَمْرٌ مِنْ ظَفْرِ الْكُفَّارِ بِالْمُسْلِمِينَ، فَتَكُونُ لَهُمْ أَيَادٍ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَيَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ، عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ قَالَ السُّدِّي: يَعْنِي فَتْحَ مَكَّةَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَعْنِي الْقَضَاءَ والفصلِ ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ قَالَ السُّدِّي: يعني ضرب الجزية على
(١) في أ: "خبر".
(٢) زيادة من أ.
(٣) في ر: "ثم قال".
(٤) زيادة من أ.
(٥) زيادة من أ.
(٦) زيادة من أ.
(٧) زيادة من ر، أ.
(٨) في أ: "ثم قال: وحدثنا".
الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ وَالَوُا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنَ الْمُنَافِقِينَ ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ مِنَ الْمُوَالَاةِ ﴿نَادِمِينَ﴾ أَيْ: عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ، مِمَّا لَمَّ يُجْد عَنْهُمْ (١) شَيْئًا، وَلَا دَفَعَ عَنْهُمْ مَحْذُورًا، بَلْ كَانَ عَيْنَ الْمُفْسِدَةِ، فَإِنَّهُمْ فُضِحُوا، وَأَظْهَرَ اللَّهُ أَمْرَهُمْ فِي الدُّنْيَا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، بَعْدَ أَنْ كَانُوا مَسْتُورِينَ لَا يُدْرَى كَيْفَ حَالُهُمْ. فَلَمَّا انْعَقَدَتِ الْأَسْبَابُ الْفَاضِحَةُ لَهُمْ، تَبَيَّنَ أَمْرُهُمْ لِعِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَعَجَّبُوا مِنْهُمْ كَيْفَ كَانُوا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَحْلِفُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيَتَأَوَّلُونَ، فَبَانَ كَذِبُهُمْ وَافْتِرَاؤُهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي هَذَا الْحَرْفِ، فَقَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ﴾ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ رَفَعَ ﴿وَيَقُولُ﴾ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَصَبَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ تَقْدِيرُهُ "أَنْ يَأْتِيَ" "وَأَنْ يَقُولَ"، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، قَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ حِينَئِذٍ ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾
وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي سَبَبٍ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَاتِ، فَذَكَرَ السُّدِّي أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ، قَالَ أَحَدَهُمَا لِصَاحِبِهِ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى ذَلِكَ الْيَهُودِيِّ، فَآوِي إِلَيْهِ وَأَتَهَوَّدُ مَعَهُ، لَعَلَّهُ يَنْفَعُنِي إِذَا وَقَعَ أَمْرٌ أَوْ حَدَثَ حَادِثٌ! وَقَالَ الْآخَرُ: وَأَمَّا أَنَا فَأَذْهَبُ إِلَى فُلَانٍ النَّصْرَانِيُّ بِالشَّامِ، فَآوِي إِلَيْهِ وَأَتَنَصَّرُ مَعَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] (٢) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ الْآيَاتِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبَابة بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَة، فَسَأَلُوهُ: مَاذَا هُوَ صَانِعٌ بِنَا؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ، أَيْ: إِنَّهُ الذَّبْحُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقِيلَ: نزلت فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُول، كَمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، مِنْ بَنِي الْخَزْرَجِ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَوَالِي مَنْ يَهُودٍ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ، وَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ وَلَايَةِ يَهُودٍ، وَأَتَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: إِنِّي رَجُلٌ أَخَافُ الدَّوَائِرَ، لَا أَبْرَأُ مِنْ وِلَايَةِ مَوَالِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: "يَا أَبَا الحُباب، مَا بَخِلْتَ بِهِ مِنْ وَلَايَةِ يَهُودَ عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَهُوَ لَكَ دُونَهُ". قَالَ: قَدْ قَبِلْتُ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ]﴾ (٣) إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (٤).
(١) في أ: "عندهم".
(٢) زيادة من أ.
(٣) زيادة من ر، أ.
(٤) تفسير الطبري (١٠/٣٩٥).
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا هَنَّاد، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْر، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: لَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ بَدْرٍ قَالَ الْمُسْلِمُونَ لِأَوْلِيَائِهِمْ مِنْ يَهُودَ: آمِنُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِيَوْمٍ مِثْلَ يَوْمِ بَدْرٍ! فَقَالَ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ: أَغَرَّكُمْ أَنْ أَصَبْتُمْ رَهْطًا مِنْ قُرَيْشٍ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِالْقِتَالِ!! أَمَا لَوْ أمْرَرْنا (١) الْعَزِيمَةَ أَنْ نَسْتَجْمِعَ عَلَيْكُمْ، لَمْ يَكُنْ لَكُمْ يَدٌ (٢) بِقِتَالِنَا (٣) فَقَالَ عُبَادَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَوْلِيَائِي مِنَ الْيَهُودِ كَانَتْ شَدِيدَةً أَنْفُسُهُمْ، كَثِيرًا سِلَاحُهُمْ، شَدِيدَةً شَوْكَتُهُمْ، وَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ [تَعَالَى] (٤) وَإِلَى رَسُولِهِ مِنْ وِلَايَةِ يَهُودَ، وَلَا مَوْلَى لِي إِلَّا اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: لَكِنِّي لَا أَبْرَأُ مِنْ وَلَاءِ يَهُودٍ (٥) أَنَا رَجُلٌ لَا بُدَّ لِي مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا أَبَا الْحُبَابِ أَرَأَيْتَ الَّذِي نَفَّسْتَ بِهِ مِنْ وَلَاءِ (٦) يَهُودَ عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَهُوَ لَكَ دُونَهُ؟ " فَقَالَ: إِذًا أقبلُ! قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ]﴾ (٧) إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٧]. (٨)
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَكَانَتْ أَوَّلَ قَبِيلَةٍ مِنَ الْيَهُودِ نَقَضَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنُو قَيْنُقَاعَ. فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ قَالَ: فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بن أبي بن سَلُولَ، حِينَ أَمْكَنَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَحْسِنْ فِي مَوَالي. وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، قَالَ: فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَحْسِنْ فِي مَوَالِي. قَالَ: فَأَعْرَضَ عَنْهُ. فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِ دِرْعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. "أَرْسِلْنِي". وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى رُئِي لِوَجْهِهِ ظُلَلًا ثُمَّ قَالَ: "وَيْحَكَ أَرْسِلْنِي". قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أُرْسِلُكَ حَتَّى تُحْسِنَ فِي مَوَالي، أَرْبَعِمِائَةِ حَاسِرٍ، وَثَلَاثِمِائَةِ دَارِعٍ، قَدْ مَنَعُونِي مِنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، تَحْصُدُهُمْ (٩) فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ؟! إِنِّي امْرُؤٌ أَخْشَى الدَّوَائِرَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هُم لَكَ." (١٠)
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ يَسار، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: لَمَّا حَارَبَتْ بَنُو قَيْنُقَاع رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَشَبَّثَ بِأَمْرِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وَقَامَ دُونَهُمْ، وَمَشَى (١١) عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي عَوْف بْنِ الْخَزْرَجِ، لَهُ مِنْ حِلْفِهِمْ مِثْلَ الَّذِي لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَجَعَلَهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَبَرَّأَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حِلْفِهِمْ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَبَرَّأُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مِنْ حِلْفِهِمْ، وَأَتَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَأَبْرَأُ مِنْ حِلْفَ الْكُفَّارِ وَوَلَايَتِهِمْ. فَفِيهِ وَفِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ نَزَلَتِ الْآيَاتُ فِي الْمَائِدَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: (١٢) ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٥٦] (١٣).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ محمد بن
(١) في ر: "أصررنا" وفي أ: "أمرونا".
(٢) في ر: "يدان".
(٣) في أ: "أن تقاتلونا".
(٤) زيادة من أ.
(٥) في أ: "ولاية يهودي".
(٦) في د، أ: "ولاية يهودي".
(٧) زيادة من ر، أ.
(٨) تفسير الطبري (١٠/٣٩٦).
(٩) في ر: "تحصدني"، وفي أ: "ويحصرني".
(١٠) سيرة ابن إسحاق برقم (٤٩٨) ط، المغرب.
(١١) في ر: "مشى".
(١٢) في أ: "الآيات".
(١٣) سيرة ابن إسحاق برقم (٤٩٩) ط، المغرب. وانظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/٤٩) وتفسير الطبري (١٠/٣٩٦، ٣٩٧).

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
يرشد تعالى عباده المؤمنين حين بيَّن لهم أحوال اليهود والنصارى وصفاتهم غير الحسنة، أن لا يتخذوهم أولياء. فإن بَعْضهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يتناصرون فيما بينهم ويكونون يدا على من سواهم، فأنتم لا تتخذوهم أولياء، فإنهم الأعداء على الحقيقة ولا يبالون بضركم، بل لا يدخرون من مجهودهم شيئا على إضلالكم، فلا يتولاهم إلا من هو مثلهم، ولهذا قال :﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ْ﴾ لأن التولي التام يوجب الانتقال إلى دينهم. والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئا فشيئا، حتى يكون العبد منهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ْ﴾ أي : الذين وصْفُهم الظلم، وإليه يَرجعون، وعليه يعولون. فلو جئتهم بكل آية ما تبعوك، ولا انقادوا لك.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٥١ - ٥٣} ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾.
يرشد تعالى عباده المؤمنين حين بيَّن لهم أحوال اليهود والنصارى وصفاتهم غير الحسنة، أن لا يتخذوهم أولياء. فإن بَعْضهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يتناصرون فيما بينهم ويكونون يدا على من سواهم، فأنتم لا تتخذوهم أولياء، فإنهم الأعداء على الحقيقة ولا يبالون بضركم، بل لا يدخرون من مجهودهم شيئا على إضلالكم، فلا يتولاهم إلا من هو مثلهم، ولهذا قال: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ لأن التولي التام يوجب الانتقال إلى دينهم. والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئا فشيئا، حتى يكون العبد منهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: الذين وصْفُهم الظلم، وإليه يَرجعون، وعليه يعولون. فلو جئتهم بكل آية ما تبعوك، ولا انقادوا لك.
ولما نهى الله المؤمنين عن توليهم، أخبر أن ممن يدعي الإيمان طائفةً تواليهم، فقال: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: شك ونفاق، وضعف إيمان، يقولون: إن تولينا إياهم للحاجة، فإننا ﴿نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ أي: تكون الدائرة لليهود والنصارى، فإذا كانت الدائرة لهم، فإذا لنا معهم يد يكافئوننا عنها، وهذا سوء ظن منهم بالإسلام، قال تعالى -رادا لظنهم السيئ-: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ الذي يعز الله به الإسلام على اليهود والنصارى، ويقهرهم المسلمون ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِندِهِ﴾ ييأس به المنافقون من ظفر الكافرين من اليهود وغيرهم ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا﴾ أي: أضمروا ﴿فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ على ما كان منهم وضرهم بلا نفع حصل لهم، فحصل الفتح الذي نصر الله به الإسلام والمسلمين، وأذل به الكفر والكافرين، فندموا وحصل لهم من الغم ما الله به عليم.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ متعجبين من حال هؤلاء الذين في قلوبهم مرض: ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ أي: حلفوا وأكدوا حلفهم، وغلظوه بأنواع التأكيدات: إنهم لمعكم في الإيمان، وما يلزمه من النصرة والمحبة والموالاة، ظهر ما أضمروه، وتبين ما أسروه، وصار كيدهم الذي كادوه، وظنهم الذي ظنوه بالإسلام وأهله -باطلا فبطل كيدهم وبطلت ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ في الدنيا ﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ حيث فاتهم مقصودهم، وحضرهم الشقاء والعذاب.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٧ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن للفراء — الفراء معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

تذكرة الأريب في تفسير الغريب
ومن يتولهم منكم
في الدين
فإنه منهم
في الكفر

إعراب الآية ٥١ من سورة المائدة

من كتاب: إعراب القرآن

وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما في الكلام حذف تتعلق به لام كي أي ولكن جعل شرائعكم مختلفة ليبلوكم أي ليتعبّدكم آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا أي فاسبقوا الخيرات من قبل أن تعجزوا عنها أو تموتوا أو يذهب وقتها.

[سورة المائدة (٥) : آية ٤٩]

وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (٤٩)
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وقد كان خيّره قبل هذا فنسخ التخيير بالحتم والدليل على أنّ هذا ناسخ وأنّ على الإمام أن يحكم على أهل الكتاب بالحقّ قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ [النساء: ٣٥]. وَأَنِ احْكُمْ «أن» في موضع نصب عطفا على الكتاب أي وأنزلنا إليك أن احكم بينهم بما أنزل الله أي بحكم الله الّذي أنزله إليك في كتابه. وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ الهاء والميم في موضع نصب يجب أن يكون هذا على قول من قال: حاذر، ويجوز أن يكون على قول من قال:
حذر في قول سيبويه وأنشد: [الكامل] ١٢١-
حذر أمورا لا تضير وآمنما ليس منجيه من الأقدار «١»
أَنْ يَفْتِنُوكَ بدل وإن شئت بمعنى من أن يفتنوك.

[سورة المائدة (٥) : آية ٥٠]

أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)
أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ نصب بيبغون. والمعنى أنّ الجاهلية كانوا يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء الفقراء ولا يقيمونها على الأقوياء الأغنياء فضارعوا الجاهلية بهذا الفعل. وَمَنْ أَحْسَنُ ابتداء وخبر. مِنَ اللَّهِ حُكْماً على البيان.

[سورة المائدة (٥) : آية ٥١]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)
لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ مفعولان وتولّيهم معاضدتهم على المسلمين واختصاصهم، دونهم. بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ابتداء وخبر. وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ أي لأنه قد خالف الله تعالى ورسوله كما خالفوا ووجبت معاداته كما وجبت معاداتهم ووجبت له النار كما وجبت لهم فصار منهم أي من أصحابهم.
(١) الشاهد لأبان اللاحقي في خزانة الأدب ٨/ ١٦٩، ولأبي يحيى اللاحقي في المقاصد النحوية ٣/ ٥٤٣ وبلا نسبة في الكتاب ١/ ١٦٨، وخزانة الأدب ٨/ ١٥٧، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٠٩، وشرح الأشموني ٢/ ٣٤٢، وشرح المفصل ٦/ ٧١، ولسان العرب (حذر) والمقتضب ٢/ ١١٦.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٥١ من سورة المائدة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ...﴾ الآية. [٥١].
قال عطية العَوْفي: جاء عُبَادَة بن الصَّامت، فقال: يا رسول الله، إن لي موالي من اليهود، كثير عددهم، حاضرٌ نَصْرُهم، وإِني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية اليهود وآوي إلى الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبيّ: إني رجل أخاف الدوائر، ولا أبرأ من ولاية اليهود. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا الحباب، ما بَخِلْتَ به من ولاية اليهود على عُبَادة بن الصامت فهو لك دونه، فقال: قد قبلت. فأنزل الله تعالى فيهما: ﴿يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يعني: عبد الله بن أبيّ ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ في ولايتهم ﴿يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ الآية.

الموضوعات القرآنية للآية ٥١ من سورة المائدة

٨ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٧ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٦ أقوال
١
عن هارون بن إبراهيم، قال: سُئِل ابن سيرين عن رجلٍ يبيع داره من نصارى يتخذونها بِيعة١. قال: فتلا هذه الآية: ﴿لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء﴾٢
التخريج
  1. ١البِيعة –بالكسر-: كنيسة النّصارى. اللسان (بيع).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥١٠.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومَن يَتَوَلَّهُمْ مِنكُمْ﴾ يعني: من المؤمنين ﴿فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ يعني: يلحق بهم ويكون معهم؛ لأنّ المؤمنين لا يَتَوَلَّون الكفار، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٨٤.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة مولى ابن عباس- قال: كُلُوا من ذبائحِ بني تغلبَ، وتزوَّجوا من نسائهم؛ فإن الله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾. فلو لم يكونوا منهم إلا بالوَلايةِ لكانوا منهم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه مالك في الموطأ (ت: د. بشار عواد) ١‏/‏٦٣١ (١٤٠٧)، وعبد الرزاق في مصنفه ٧‏/‏١٨٧ (١٢٧١٨) بذكر الآية فقط، وابن أبي شيبة ٤‏/‏١٦١، وابن جرير ٨‏/‏٥٠٩، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٥٧ (٦٥١٣). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ جرير (٨/٥٠٨) بقوله: «قوله: ﴿ومَن يَتَوَلَّهُمْ مِنكُمْ فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾: ومَن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم. يقول: فإنّ من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنّه لا يتولى مُتَوَلٍّ أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راضٍ، وإذا رضيه ورضي دينَه فقد عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمُه حكمَه، ولذلك حكم من حكم من أهل العلم لنصارى بني تغلب في ذبائحهم ونكاح نسائهم وغير ذلك من أمورهم بأحكام نصارى بني إسرائيل، لموالاتهم إياهم، ورضاهم بملتهم، ونصرتهم لهم عليها، وإن كانت أنسابهم لأنسابهم مخالفة، وأصل دينهم لأصل دينهم مفارقًا. وفي ذلك الدلالة الواضحة على صحة ما نقول مِن أنّ كُلَّ مَن كان يدين بدين فله حكم أهل ذلك الدين، كانت دينونته به قبل مجيء الإسلام أو بعده، -إلا أن يكون مسلمًا من أهل ديننا انتقل إلى مِلَّةٍ غيرها، فإنه لا يُقَرَّ على ما دان به فانتقل إليه، ولكن يقتل لردته عن الإسلام ومفارقته دين الحق، إلا أن يرجع قبل القتل إلى الدين الحق-. وفساد ما خالفه من قول من زعم أنه لا يحكم بحكم أهل الكتابين لمن دان بدينهم، إلا أن يكون إسرائيليًا أو منتقلًا إلى دينهم من غيرهم قبل نزول مذكور في أحكام الآية».
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء﴾ الآية، قال: إنّها في الذبائح، مَن دخَل في دينِ قومٍ فهو منهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٠٩.
٥
عن عكرمة -من طريق عمران بن حُدَيْر- ﴿ومَن يَتَوَلَّهُمْ مِنكُمْ فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾، قال: نصارى العرب؛ في ذبائحهم، وفي نسائهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ٩‏/‏٩١ (١٦٤٥٠).
٦
عن هشام، قال: كان الحسن [البصري] لا يرى بذبائح نصارى العرب ولا نكاح نسائهم بأسًا، وكان يتلو هذه الآية: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهُمْ مِنكُمْ فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥١٠.

آثار متعلقة بالآية

٣ أقوال
١
عن عياض: أنّ عمرَ أمَر أبا موسى الأشعريَّ أن يرفَعَ إليه ما أخَذ وما أعطى في أديمٍ١ واحدٍ، وكان له كاتبٌ نصراني، فرفَع إليه ذلك، فعجِبَ عمرُ، وقال: إنّ هذا لحفيظٌ، هل أنت قارئ لنا كتابًا في المسجد جاء من الشام؟ فقال: إنه لا يستطيعُ أن يدخل المسجد. قال عمر: أجُنُبٌ هو؟ قال: لا، بل نصراني. قال: فانتهرَني، وضرَب فخِذي، ثم قال: أخرِجوه. ثم قرأ: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء﴾ الآية٢
التخريج
  1. ١الأديم: الجلد. اللسان (أدم).
  2. ٢أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٥٦ (٦٥١٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٣٨٤).
٢
عن حذيفة بن اليمان، قال: لِيَتَّقِ أحدُكم أن يكونَ يهوديًّا أو نصرانيًّا وهو لا يشعُرُ. وتلا: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣
عن إبراهيم النخعي -من طريق منصور- في ذبائح مشركي العرب: أنّه لم يكن يرى بأسًا١
التخريج
  1. ١أخرجه سفيان الثوري ص١٠٣.

نزول الآيات

٨ أقوال
١
عن عبادة بن الصامت -من طريق الوليد- قال: فِيَّ نزلتْ هذه الآية، حين أتيتُ رسول الله ﷺ، فَتَبَرَّأْتُ إليه من حِلفِ يهود، وظاهَرتُ رسول الله ﷺ والمسلمين عليهم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٢
عن عبد الله بن عباس، قال: أسلَم عبد الله بن أُبَيِّ بن سلول، ثم إنّه قال: إنه بيني وبينَ قريظة والنَّضِير حِلْفٌ، وإني أخافُ الدوائرَ. فارتدَّ كافرًا. وقال عبادة بن الصامت: أبرَأُ إلى الله مِن حِلفِ قريظة والنضير، وأتولّى اللهَ ورسوله والذين آمنوا. فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء﴾ إلى قوله: ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه الثعلبي ٤‏/‏٧٩، من طريق شبر بن موسى الأسدي، عن إسماعيل بن خليل الكوفي، عن سلمة بن رجاء، عن سلمة بن سابور، عن عطية العوفي، عن ابن عباس به. إسناده ضعيف جِدًّا؛ فيه عدة ضعفاء: شبر بن موسى الأسدي، لم أجد له ترجمة. وفيه سلمة بن سابور، قال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال ٢‏/‏١٩٠: «ضعَّفه ابن معين». وفيه عطية العوفي، قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب (٤٦١٦): «صدوق يخطىء كثيرًا، وكان شيعيًّا مدلسًا».
٣
عن عطية بن سعد، قال: جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنّ لي مواليَ من يهود، كثيرٌ عددُهم، وإنِّي أبرَأُ إلى الله ورسوله من ولايةِ يهود، وأتولّى اللهَ ورسوله. فقال عبد الله ابن أُبَيٍّ: إني رجلٌ أخافُ الدوائرَ، لا أبرأُ من ولايةِ موالِيَّ. فقال رسول الله ﷺ لعبد الله بن أبيٍّ: «يا أبا الحُبابِ، ما بخِلتَ به من ولايةِ يهود على عبادة بن الصامت، فهو إليك دونَه». قال: قد قبِلتُ. فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء﴾ إلى قوله: ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٦‏/‏٣٩١ (٣٢٣٠١)، وابن جرير ٨‏/‏٥٠٤ مرسلًا.
٤
عن عُبادة بن الوليد بن عُبادة بن الصامت، قال: لما حارَبَتْ بنو قينُقاعَ رسول الله ﷺ تَشَبَّث بأمرهم عبد الله بن أُبَيِّ بن سلول، وقام دونَهم، ومشى عُبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ، وتبرَّأ إلى الله وإلى رسوله مِن حِلْفِهم، وكان أحدَ بني عوف بن الخزرج، وله من حِلْفِهم مثلُ الذي كان لهم من عبد الله بن أُبَيٍّ، فخلَعَهم إلى رسول الله ﷺ، وقال: أتولّى اللهَ ورسوله والمؤمنين، وأبْرأُ إلى الله ورسوله من حِلْفِ هؤلاء الكفار وولايتهم. وفيه وفي عبد الله بن أُبَيٍّ نزَلتْ الآيات في المائدة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ إلى قوله: ﴿فإن حزب الله هم الغالبون﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق في السيرة ص٣١٤-٣١٥، ومن طريقه البيهقي في الدلائل ٣‏/‏١٧٤-١٧٥، وابن جرير ٨‏/‏٥٠٥، ٥٢٩-٥٣٠، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٥٥ (٦٥٠٦)، من طريق إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت به مرسلًا.
٥
عن الزهري، قال: لَمّا انهزَم أهلُ بدر قال المسلمون لأوليائهم من يهود: آمِنوا قبلَ أن يصيبَكم اللهُ بيوم مثلِ يوم بدر. فقال مالك بن صيف: غرَّكم أن أصَبتُم رهطًا من قريش لا علمَ لهم بالقتال، أما لو أمْرَرنا العزيمة أن نستجمِعَ عليكم لم يكن لكم يدٌ أن تقاتلونا. فقال عبادة: يا رسول الله، إنّ أوليائي من اليهود كانت شديدةً أنفسُهم، كثيرًا سلاحُهم، شديدةً شوكتُهم، وإني أبرَأُ إلى الله وإلى رسوله من ولايتِهم، ولا مولى لي إلا اللهُ ورسوله. فقال عبد الله ابن أُبَيٍّ: لكنِّي لا أبرَأُ من ولاءِ يهود، إني رجلٌ لا بُدَّ لي منهم. فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا حُباب، أرأيتَ الذي نَفِسْتَ به١ من ولاءِ يهود على عبادة، فهو لك دونَه». قال: إذن أقبَلُ. فأنزل الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ إلى أن بلَغ إلى قوله: ﴿والله يعصمك من الناس﴾٢
التخريج
  1. ١نَفِسَ عليه بالشيء -بالكسر-: ضَنَّ به ولم يره يستأهله. اللسان (نفس).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٠٤-٥٠٥، من طريق عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري به مرسلًا. قال الشيخ أحمد شاكر: «عثمان بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري، ضعيفٌ، متروك الحديث».
٦
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق ابن جريج- في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ في بني قريظة، إذ غدَروا ونقَضُوا العهدَ بينَهم وبينَ رسول الله ﷺ في كتابهم إلى أبي سفيان بن حرب، يدعونه وقريشًا ليُدخِلُوهم حصونَهم، فبعَث النبي ﷺ أبا لبابة بن عبد المنذر إليهم أن يستنزِلَهم من حصونِهم، فلما أطاعُوا له بالنزول أشارَ إلى حلقِه: الذَّبحَ الذَّبْحَ، وكان طلحة والزبير يُكاتِبانِ النصارى وأهل الشام. وبلَغني: أنّ رجالًا من أصحاب النبي ﷺ كانوا يخافون العَوَزَ والفاقةَ، فيُكاتِبون اليهودَ من بني قُرَيْظَة والنَّضِير، فيَدُسُّون إليهم الخبرَ من النبي ﷺ، يلتمسون عندَهم القرْضَ أو النفعَ، فنُهوا عن ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٠٦-٥٠٧ مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٧
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: لَمّا كانت وقعةُ أُحُدٍ اشتدَّ على طائفة من الناس، وتخوَّفوا أن يُدالَ عليهم الكفار، فقال رجلٌ لصاحبه: أمّا أنا فألحقُ بفلانٍ اليهوديِّ، فآخُذُ منه أمانًا، وأتهوَّدُ معَه، فإني أخافُ أن تُدالَ علينا اليهود. وقال الآخر: أمّا أنا فألحقُ بفلانٍ النصراني ببعض أرض الشام، فآخُذُ منه أمانًا، وأتنصَّرُ معه. فأنزل الله فيه ينهاهُما: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٠٦، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٥٥-١١٥٦ (٦٥٠٧).
٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت في رجلين من المسلمين، ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ قال: لَمّا كانت وقعة أُحُد خاف ناس من المسلمين أن يُدال الكفار عليهم، فقال رجل منهم: أنا آتي فلانًا اليهودي، فأتهَوَّد، فإني أخشى أن يدال الكفار علينا. قال الآخر: أما أنا فإنِّي آتي الشامَ فأتَنَصَّر. فنزلت: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهُمْ مِنكُمْ﴾١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٨٣-٤٨٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢جزم ابنُ جرير (٨/٥٠٧ بتصرف) أن الآية إنما نزلت في شأن أحد المنافقين؛ لدلالة السياق، وما ذُكر من الأقوال محتملٌ يقبلُه العمومُ، ولا دليلَ يردُّه، وقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- نهى المؤمنين جميعًا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارًا وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله. وقد يجوز أن تكون الآية نزلت في شأن عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي ابن سلول وحلفائهما من اليهود، ويجوز أن تكون نزلت في أبي لبابة بسبب فعله في بني قريظة، ويجوز أن تكون نزلت في شأن الرجلين اللذين ذكر إسماعيل السدي أنّ أحدهما هَمَّ باللحاق بدهلك اليهودي والآخر بنصراني بالشأم، ولم يصح من هذه الأقوال الثلاثة خبر يثبت بمثله حُجَّةٌ فيُسَلَّم لصحته القول بأنه كما قيل. فإذ كان ذلك كذلك فالصواب أن يحكم لظاهر التنزيل بالعموم على ما عمَّ، ويجوز ما قاله أهل التأويل فيه من القول الذي لا علم عندنا بخلافه؛ غير أنه لا شك أن الآية نزلت في منافق كان يوالي يهود أو نصارى خوفًا على نفسه من دوائر الدهر؛ لأن الآية التي بعد هذه تدل على ذلك، وذلك قوله: ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة﴾». وبنحوه قال ابنُ عطية (٣/١٩٠)، حيث ذكر الأقوال المختلفة فيها، ثم علّق بقوله: «وكل هذه الأقوال محتمل، وأوقات هذه النوازل مختلفة».
التفسير بالمأثور لسورة المائدة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٥١ من سورة المائدة

٧ وقفات في هذه الآية

  • (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) ( لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) ( أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله .. ) والواقع شيء آخر ! أي غُربة نعيش ؟"

    — ماجد الغامدي

  • عجبتُ لمن يدعو الله أن يُجنِّبه سبيلهم , ثم يواليهم باختياره ! " ومن يتولَّهم منكم فإنه منهم "

    — بلال الفارس

  • " ومن يتولهم منكم فإنه منهم " قال عبد الله بن عتبة : ليتق أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا وهو لا يشعر .

    — ابن كثير

  • علاقة الكافر بالكافر وإن كانت في الأصل موجودة: (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) لكنها في الحقيقة هزيلة؛ لضعف الرابطة وعدم أصالتها: (وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ )، وفي الآخرة تنهار هذه الرابطة: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا )

    — عبدالله الجلالي

  • سلسلة ( ختمة تعارف) سورة المائدة آية 51

    — حازم شومان

  • ليتق أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا وهو لا يشعر !! فإن الله يقول : (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ )

    — بدون مصدر

  • قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ) . إن قلتَ: هذا يقتضي أنَّ منْ وادَّ أهلَ الكتابِ يكونُ كافراً، وليس كذلك؟! قلتُ: إنما قال ذلك مبالغةً في اجتناب المخالِفِ في الدِّينِ. أو لأن الآية نزلتْ في " المنافقين " وهم كفَّارٌ، وقولُه تعالى " إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمينَ " أي ما داموا على ظلمهمِ، والمعنى: لا يهدي من سبق في علمه أنه يموت ظالماَ.

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

ترجمات معاني الآية ٥١ من سورة المائدة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(51) O you who have believed, do not take the Jews and the Christians as allies. They are [in fact] allies of one another. And whoever is an ally to them among you - then indeed, he is [one] of them. Indeed, Allāh guides not the wrongdoing people.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال