جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿فَتَرَى الّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىَ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَىَ مَآ أَسَرّواْ فِيَ أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾. .
اختلف أهل التأويل فيمن عُنى بهذه الآية، فقال بعضهم : عُنِى بها عبد الله بن أبيّ بن سلول. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : سمعت أبي، عن عطية بن سعد : فَتَرَى الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ عبد الله بن أبيّ، يُسارِعُونَ فِيِهمْ في ولايتهم، يَقُولُونَ نَخْشَى أنْ تُصِيبَنا دَائِرَةٌ. . . إلى آخر الاَية فَيُصْبِحُوا على ما أسَرّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ.
حدثنا هناد، قال : حدثنا يونس بن بكير، قال : حدثنا ابن إسحاق، قال : ثني والدي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت : فَتَرَى الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرضٌ يعني : عبد الله بن أبيّ، يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أنْ تُصِيبَنا دَائِرَةٌ لقوله : إني أخشى دائرة تصيبني.
وقال آخرون : بل عني بذلك قوم من المنافقين كانوا يناصحون اليهود ويغشون المؤمنين ويقولون : نخشي أن تكون دائرة لليهود على المؤمنين. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : فَتَرَى الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرضٌ يِسارِعُونَ فِيهِمْ قال : المنافقون في مصانعة يهود ومناجاتهم، واسترضاعهم أولادهم إياهم. وقول الله تعالى ذكره : تَخْشَى أنْ تُصِيبنَا دَائِرةٌ قال : يقول : نخشى أن تكون الدائرة لليهود.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : فَتَرَى الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ. . . إلى قوله : نادِمِينَ : أناس من المنافقين كانوا يودّون اليهود ويناصحونهم دون المؤمنين.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط عن السديّ : فَتَرَى الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرضٌ قال : شكّ يُسارِعُونَ فِيهِمْ نَخْشَى يقولون أنْ تُصِيبَنا دَائِرَةٌ والدائرة : ظهور المشركين عليهم.
والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن ذلك من الله خبر عن ناس من المنافقين كانوا يوالون اليهود والنصارى، ويَغُشّون المؤمنين، ويقولون : نخشى أن تدور دوائر، إما لليهود والنصارى، وإما لأهل الشرك من عَبَدة الأوثان أو غيرهم على أهل الإسلام، أو تنزل بهؤلاء المنافقين نازلة، فيكون بنا إليهم حاجة. وقد يجوز أن يكون ذلك كان من قول عبد الله بن أبيّ، ويجوز أن يكون كان من قول غيره، غير أنه لا شك أنه من قول المنافقين.
فتأويل الكلام إذن : فترى يا محمد الذين في قلوبهم مرض وشكّ إيمان بنبوّتك، وتصديق ما جئتهم به من عند ربك يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يعني في اليهود والنصارى. ويعني بمسارعتهم فيهم : مسارعتهم في موالاتهم ومصانعتهم. يَقُولُونَ نَخْشَى أنْ تُصِيبَنا دَائِرةٌ يقول هؤلاء المنافقون : إنما نسارع في موالاة هؤلاء اليهود والنصارى خوفا من دائرة تدور علينا من عدوّنا. ويعني بالدائرة : الدّولة، كما قال الراجز :
| تَرُدّ عَنْكَ القَدَرَ المَقْدُورَا | وَدَائِراتِ الدّهْرِ أنْ تَدُورَا |
القول في تأويل قوله تعالى : فَعَسَى اللّهُ أنْ يَأْتِيَ بالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا على ما أسَرّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ.
يعني تعالى ذكره بقوله : فَعَسَى اللّهُ أنْ يَأْتِيَ بالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فلعلّ الله أن يأتي بالفتح. ثم اختلفوا في تأويل الفتح في هذا الموضع، فقال بعضهم، : عني به ههنا القضاء. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : فَعَسَى اللّهُ أنْ يَأْتِيَ بالفَتْحِ قال : بالقضاء.
وقال آخرون : عُني به فتح مكة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : فَعَسَى اللّهُ أنْ يَأْتِيَ بالفَتْحِ قال : فتح مكة.
والفتح في كلام العرب : هو القضاء كما قال قتادة، ومنه قول الله تعالى : رَبّنا افْتَحْ بَيْنَنا وَبينَ قَوْمِنا بالحَقّ. وقد يجوز أن يكون ذلك القضاء الذي وعد الله نبيه محمدا ﷺ بقوله : فَعَسَى اللّهُ أنْ يَأْتِيَ بالفَتْحِ فتح مكة، لأن ذلك كان من عظيم قضاء الله وفصل حكمة بين أهل الإيمان والكفر، ويقرّر عند أهل الكفر والنفاق أن الله مُعْلِي كلمتِه ومُوهِنُ كيدِ الكافرين.
وأما قوله : أوْ أمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فإن السديّ كان يقول في ذلك ما :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضّل، قال : حدثنا أسباط، السديّ : أوْ أمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ قال : الأمر : الجزية.
وقد يحتمل أن يكون الأمر الذي وعد الله نبيه محمدا ﷺ أن يأتي به، هو الجزية، ويحتمل أن يكون غيرها. غير أنه أيّ ذلك كان فهو مما فيه إدالة المؤمنين على أهل الكفر بالله وبرسوله، ومما يسوء المنافقين ولا يسرّهم وذلك أن الله تعالى قد أخبر عنهم أن ذلك الأمر إذا جاء أصبحوا على ما أسرّوا في أنفسهم نادمين.
وأما قوله : فَيُصْبِحُوا على ما أسَرّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ فإنه يعني : هؤلاء المنافقين الذين يوالون اليهود والنصارى، يقول تعالى ذكره : لعل الله أن يأتِيَ بأمر من عنده يُدِيل به المؤمنين على الكافرين اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر، فيصبح هؤلاء المنافقون على ما أسرّوا في أنفسهم من مخالّة اليهود والنصارى ومودّتهم وبغضة المؤمنين ومحادتهم نادمين. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : فَيُصْبِحُوا على ما أسَرّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ من موادّتهم اليهود، ومن غشّهم للإسلام وأهله.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده"، فلعل الله أن يأتي بالفتح. (١)
* * *
ثم اختلفوا في تأويل"الفتح" في هذا الموضع.
فقال بعضهم: عُنى به ههنا، القضاء.
ذكر من قال ذلك:
١٢١٧٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"فعسى الله أن يأتي بالفتح"، قال: بالقضاء.
* * *
وقال آخرون: عني به فتح مكة.
ذكر من قال ذلك:
١٢١٧٣ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فعسى الله أن يأتي بالفتح"، قال: فتح مكة.
* * *
و"الفتح" في، كلام العرب، هو القضاء، كما قال قتادة، ومنه قول الله تعالى
وقد يجوز أن يكون ذلك القضاء الذي وعدَ الله نبيه محمدًا ﷺ بقوله:"فعسى الله أن يأتي بالفتح" فتح، مكة، لأن ذلك كان من عظيم قضاءِ الله، وفَصْل حُكمه بين أهل الإيمان والكفر، ومقرِّرًا عند أهل الكفر والنفاق، (١) أن الله معلي كلمته وموهن كيد الكافرين. (٢)
* * *
وأما قوله:"أو أمر من عنده"، فإن السدي كان يقول في ذلك، ما:-
١٢١٧٤ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"أو أمر من عنده" قال:"الأمر"، الجزية.
* * *
وقد يحتمل أن يكون"الأمر" الذي وعد الله نبيه محمدًا ﷺ أن يأتي به هو الجزية، ويحتمل أن يكون غيرها. (٣) غير أنه أيّ ذلك كان، فهو مما فيه إدالة المؤمنين على أهل الكفر بالله وبرسوله، ومما يسوء المنافقين ولا يسرُّهم. وذلك أن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنّ ذلك الأمر إذا جاء، أصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين.
* * *
وأما قوله:"فيصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين"، فإنه يعني هؤلاء المنافقين الذين كانوا يوالون اليهود والنصارى. يقول تعالى ذكره: لعل الله أن يأتي بأمرٍ من عنده يُديل به المؤمنين على الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر، فيصبح هؤلاء المنافقون على ما أسرُّوا في أنفسهم من مخالّة اليهود والنصارى ومودّتهم، وبغْضَة المؤمنين ومُحَادّتهم،"نادمين"، كما:-
(٢) انظر تفسير"الفتح" فيما سلف ٢: ٢٥٤، ٣٣٢/٩: ٣٢٣، ٣٢٤.
(٣) في المخطوطة: "أن يكون إلى غيرها"، وكأنه خطأ من الناسخ.