الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَتَرَى الَّذِينَ﴾ : الجمهورُ على " ترى " بتاء الخطاب، و " الذين " مفعول، فإن كانت الرؤيةُ بصريةً أو عُرْفانية - فيما نقله أبو البقاء وفيه نظرٌ - فتكونُ الجملةُ من " يُسارعون " في محلِّ نصبٍ على الحال من الموصول، وإنْ كانت قلبية فيكون " يسارعون " مفعولاً ثانياً. وقرأ النخعي وابن وثاب :" فيَرى " بالياء وفيها تأويلان، أظهرُهما : أنَّ الفاعل ضميرٌ يعودُ على الله تعالى، وقيل : على الرأي من حيثُ هو، و " يُسارعون " بحالتِها، والثاني : أن الفاعل نفسُ الموصول والمفعول هو الجملةُ من قوله :﴿يُسَارِعُونَ﴾ وذلك على تأويل حَذْفِ " أَنْ " المصدرية، والتقدير : ويرى القمُ الذين في قلوبهم مرض أَنْ يُسارعو، فلمَّا حُذِفَتْ " أَنْ " رُفِع كقوله :
ألا أيُّهذا الزاجري أَحْضُرُ الوَغى ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أجازَ ذلك ابن عطية إلا أنَّ هذا غيرُ مقيس، إذ لا تُحْذَف " أن " عند البصريين إلا في مواضعَ محفوظة. وقرأ قتادة والأعمش :" يُسْرِعون " من أسرع. و " يقولون " في محلِّ نصبٍ على الحال من فاعل " يسارعون "، و " نخشى " في محلِّ نصب بالقول، و " أن تصيبنَا " في محل نصب بالمفعول أي : نخشى إصابتَنا. والدائرة صفة غالبة لا يُذْكر موصوفُها، والأصل : داوِرَة، لأنها من دار يدور. قوله :﴿أَن يَأْتِيَ﴾ في محلِّ نصب : إمَّا على الخبر ل " عسى " وهو رأي الأخفش، / وإمَّا على أنها مفعولٌ به وهو رأيُ سيبويه لئلا يلزمَ الإِخبارُ عن الجثة بالحَدَث في قولك :" عسى زيدٌ أَنْ يقومَ " وأجاز أبو البقاء أن يكونَ " أن يأتي " في محلِّ رفعٍ على البدل من اسم " عسى " وفيه نظر.
قوله :﴿فَيُصْبِحُواْ﴾ فيه وجهان، أظهرُهما : أنه منصوب عطفاً على " يأتِيَ " المنصوب ب " أَنْ " والذي سَوَّغ ذلك وجودُ الفاءِ السببية، ولولاها لم يجز ذلك، لأن المعطوف على الخبر خبر، و " أن يأتي " خبر عسى وفيه راجعٌ عائدةٌ على اسمها، وقوله :﴿فَيُصْبِحُواْ﴾ ليس فيه ضميرٌ يعود على اسمها فكان من حقِّ المسألةِ الامتناعُ لكنَّ الفاءَ للسببية، فَجَعَلَتْ الجمليتن كالجملة الواحدة وذلك جارٍ في الصلة نحو :" الذي يطير فيغضب زيدٌ الذبابُ " والصفةِ نحو :" مررت برجل يبكي فيضحكُ عمرو " والخبرِ نحو :" زيد يبكي فيضحك خالد " ولو كانَ العاطفُ غيرَ الفاء لم يَجُز ذلك : والثاني : أنه منصوبٌ بإضمار " أَنْ " بعد الفاء في جواب التمني قالوا :" لأنَّ عسى تمنٍّ وترجِّ في حق البشر " و " على ما أسَرُّوا " متعلق ب " نادمين "، و " نادمين " خبرُ " أصبح ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى