جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. .
يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله وبرسوله : يا أيّها الّذِين آمَنُوا : أي صدّقوا لله ورسوله، وأقرّوا بما جاءهم به نبيهم محمد ﷺ مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ يقول : من يرجع منكم عن دينه الحقّ الذي هو عليه اليوم، فيبدّله ويغيره بدخوله في الكفر، إما في اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك من صنوف الكفر، فلن يضر الله شيئا، وسيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه يقول : فسوف يجيء الله بدلاً منهم المؤمنين الذين لم يبدّلوا ولم يغيروا ولم يرتدّوا، بقوم خير من الذين ارتدّوا وبدّلوا دينهم، يحبهم الله ويحبون الله. وكان هذا الوعيد من الله لمن سبق في علمه أنه سيرتدّ بعد وفاة نبيه محمد ﷺ، وكذلك وعده من وعد من المؤمنين ما وعده في هذا الآية، لمن سبق له في علمه أنه لا يبدّل ولا يغير دينه ولا يرتدّ. فلما قبض الله نبيه ﷺ ارتدّ أقوام من أهل الوبر وبعض أهل المدر، فأبدل الله المؤمنين بخير منهم كما قال تعالى ذكره، ووفى للمؤمنين بوعده، وأنفذ فيمن ارتدّ منهم وعيده.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني عبد الله بن عياش، عن أبي صخر، عن محمد بن كعب : أن عمر بن عبد العزيز أرسل إليه يوما وعمر أمير المدينة يومئذٍ، فقال : يا أبا حمزة، آية أسهرتني البارحة قال محمد : وما هي أيها الأمير ؟ قال : قول الله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ منْكُمْ عنْ دِينِهِ. . . حتى بلغ : وَلا يَخافونَ لَوْمَةَ لائمٍ. فقال محمد : أيها الأمير، إنما عنى الله بالذين آمنوا : الولاة من قريش، من يرتدّ عن الحقّ.
ثم اختلف أهل التأويل في أعيان القوم الذين أتى الله بهم المؤمنين وأبدل المؤمنين مكان من ارتدّ منهم، فقال بعضهم : هو أبو بكر الصدّيق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردّة حتى أدخلوهم من الباب الذي خرجوا منه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا هناد بن السريّ، قال : حدثنا حفص بن غياث، عن الفضل بن دَلَهْم، عن الحسن في قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ قال : هذا والله أبو بكر وأصحابه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن، مثله.
حدثنا هناد، قال : حدثنا عبد بن سليمان، عن جويبر، عن سهل، عن الحسن في قوله : فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ قال : أبو بكر وأصحابه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا حسين بن عليّ، عن أبي موسى، قال : قرأ الحسن : فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ قال : هي والله لأبي بكر وأصحابه.
حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال : حدثنا أحمد بن بشير، عن هشام، عن الحسن في قوله : فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ قال : نزلت في أبي بكر وأصحابه.
حدثني عليّ بن سعيد بن مسروق الكندي، قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله : فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ أذِلّةٍ على المُؤْمِنينَ أعِزّةٍ على الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائم قال : هو أبو بكر وأصحابه، لما ارتدّ من ارتدّ من العرب عن الإسلام، جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردّهم إلى الإسلام.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ. . . إلى قوله : وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ أنزل الله هذه الاَية، وقد علم أن سيرتدّ مرتدّون من الناس. فلما قبض الله نبيه محمدا ﷺ، ارتدّ عامّة العرب عن الإسلام إلاّ ثلاثة مساجد : أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل البحرين من عبد القيس قالوا : نصلي ولا نزكي، والله لا تُعصب أموالنا فكُلّم أبو بكر في ذلك، فقيل له : إنهم لو قد فقهوا لهذا، أعطوها وزادوها. فقال : لا والله، لا أفرّق بين شيء جمع الله بينه، ولو منعوا عِقَالاً مما فرض الله ورسوله، لقاتلناهم عليه فبعث الله عصابة مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبيّ الله ﷺ، حتى سبى وقتل وحرق بالنيران أناسا ارتدّوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة، فقاتلهم حتى أقرّوا بالماعون وهي الزكاة صَغرة أقمياء. فأتته وفود العرب، فخيرهم بين خطة مخزية أو حرب مجلية، فاختاروا الخطة المخزية، وكانت أهون عليهم، أن يعتدّوا أن قتلاهم في النار وأن قتلى المؤمنين في الجنة، وأن ما أصابوا من المسلمين من مال ردّوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم من مال فهو لهم حلال.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ قال ابن جريج : ارتدوا حين توفي رسول الله ﷺ، فقاتلهم أبو بكر.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن هشام، قال : أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن أبي أيوب، عن عليّ في قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ قال : علم الله المؤمنين، وأوقع معنى السوء على الحشو الذي فيهم من المنافقين ومن في علمه أن يرتدّوا، قال : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ المرتدّة عن دينهم بقوم يحبهم ويحبونه بأبي بكر وأصحابه.
وقال آخرون : يعني بذلك قوما من أهل اليمن. وقال بعض من قال ذلك منهم : هم رهط أبي موسى الأشعري : عبد الله بن قيس. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن عياض الأشعري، قال : لما نزلت هذه الاَية : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ قال : أومأ رسول الله ﷺ إلى أبي موسى بشيء كان معه، فقال :«هُمْ قَوْمُ هَذَا ».
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا أبو الوليد، قال : حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال : سمعت عياضا يحدّث عن أبي موسى، أن النبيّ ﷺ قرأ هذه الاَية : فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ قال : يعني قوم أبي موسى.
حدثني أبو السائب سلم بن جنادة، قال : حدثنا ابن إدريس، عن شعبة قال أبو السائب، قال أصحابنا هو عن سماك بن حرب، وأنا لا أحفظ سماكا عن عياض الأشعري، قال رسول الله ﷺ :«هُمْ قَوْمُ هَذَا » يعني أبا موسى.
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا ابن إدريس، عن شعبة، عن سماك، عن عياض الأشعري، قال النبيّ ﷺ لأبي موسى :«هُمْ قَوْمُ هَذَا » في قوله : فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ.
حدثنا مجاهد بن موسى، قال : حدثنا يزيد، قال : أخبرنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال : سمعت عياضا الأشعريّ يقول : لما نزلت : فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ قال رسول الله ﷺ :«هُمْ قَوْمُكَ يا أبا مُوسَى »، أو قال :«هُمْ قَوْمُ هَذَا » يعني أبا موسى.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو سفيان الحميريّ، عن حصين، عن عياض أو ابن عياض : فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ قال : هم أهل اليمن.
حدثنا محمد بن عوف، قال : حدثنا أبو المغيرة قال : حدثنا صفوان، قال : حدثنا عبد الرحمن بن جبير، عن شريح بن عبيد، قال : لما أنزل الله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ. . . إلى آخر الاَية، قال عمر : أنا وقومي هم يا رسول الله ؟ قال :«لا بَلْ هَذا وَقَوْمُهُ » يعني أبا موسى الأشعري.
وقال آخرون منهم : بل هم أهل اليمن جميعا. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : يُحِبّهُمْ ويُحِبّونَهُ قال : أناس من أهل اليمن.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد، قال : هم قوم سبأ.
حدثنا مطر بن محمد الضبيّ، قال : حدثنا أبو داود، قال : أخبرنا شعبة، قال : أخبرني من سمع شهر بن حوشب، قال : هم أهل اليمن.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني عبد الله بن عياش، عن أبي صخر، عن محمد بن كعب القرظي : أن عمر بن عبد العزيز أرسل إليه يوما وهو أمير المدينة يسأله عن ذلك، فقال محمد : يأتي الله بقوم، وهم أهل اليمن. قال عمر : يا ليتني منهم قال : آمين
وقال آخرون : هم أنصار رسول الله ﷺ. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ يزعم أنهم الأنصار.
وتأويل الاَية على قول من قال : عنى الله بقوله : فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ أبا بكر وأصحابه في قتالهم أهل الردّة بعد رسول الله ﷺ : يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فلن يضر الله شيئا، وسيأتي الله من ارتدّ منكم عن دينه بقوم يحبهم ويحبونه، ينتقم بهم منهم على أيديهم. وبذلك جاء الخبر والرواية عن بعض من تأوّل ذلك كذلك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن هشام، قال : أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن عليّ في قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ قال : يقول : فسوف يأتي الله المرتدّة في دورهم، بقوم يحبهم ويحبونه بأبي بكر وأصحابه.
وأما على قول من قال : عني بذلك : أهل اليمن فإن تأويله : يا أيها الذين آمنوا، من يرتدّ منكم عن دينه، فسوف يأتي الله المؤمنين الذين لم يرتدّوا بقوم يحبهم ويحبونه، أعوانا لهم وأنصارا. وبذلك جاءت الرواية عن بعض من كان يتأوّل ذلك كذلك.
حد