محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٥٤ من سورة المائدة في ١٢٠ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٤١ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٥٤ من سورة المائدة

١٢٠ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. .
يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله وبرسوله : يا أيّها الّذِين آمَنُوا : أي صدّقوا لله ورسوله، وأقرّوا بما جاءهم به نبيهم محمد ﷺ مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ يقول : من يرجع منكم عن دينه الحقّ الذي هو عليه اليوم، فيبدّله ويغيره بدخوله في الكفر، إما في اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك من صنوف الكفر، فلن يضر الله شيئا، وسيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه يقول : فسوف يجيء الله بدلاً منهم المؤمنين الذين لم يبدّلوا ولم يغيروا ولم يرتدّوا، بقوم خير من الذين ارتدّوا وبدّلوا دينهم، يحبهم الله ويحبون الله. وكان هذا الوعيد من الله لمن سبق في علمه أنه سيرتدّ بعد وفاة نبيه محمد ﷺ، وكذلك وعده من وعد من المؤمنين ما وعده في هذا الآية، لمن سبق له في علمه أنه لا يبدّل ولا يغير دينه ولا يرتدّ. فلما قبض الله نبيه ﷺ ارتدّ أقوام من أهل الوبر وبعض أهل المدر، فأبدل الله المؤمنين بخير منهم كما قال تعالى ذكره، ووفى للمؤمنين بوعده، وأنفذ فيمن ارتدّ منهم وعيده.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني عبد الله بن عياش، عن أبي صخر، عن محمد بن كعب : أن عمر بن عبد العزيز أرسل إليه يوما وعمر أمير المدينة يومئذٍ، فقال : يا أبا حمزة، آية أسهرتني البارحة قال محمد : وما هي أيها الأمير ؟ قال : قول الله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ منْكُمْ عنْ دِينِهِ. . . حتى بلغ : وَلا يَخافونَ لَوْمَةَ لائمٍ. فقال محمد : أيها الأمير، إنما عنى الله بالذين آمنوا : الولاة من قريش، من يرتدّ عن الحقّ.
ثم اختلف أهل التأويل في أعيان القوم الذين أتى الله بهم المؤمنين وأبدل المؤمنين مكان من ارتدّ منهم، فقال بعضهم : هو أبو بكر الصدّيق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردّة حتى أدخلوهم من الباب الذي خرجوا منه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا هناد بن السريّ، قال : حدثنا حفص بن غياث، عن الفضل بن دَلَهْم، عن الحسن في قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ قال : هذا والله أبو بكر وأصحابه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن، مثله.
حدثنا هناد، قال : حدثنا عبد بن سليمان، عن جويبر، عن سهل، عن الحسن في قوله : فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ قال : أبو بكر وأصحابه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا حسين بن عليّ، عن أبي موسى، قال : قرأ الحسن : فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ قال : هي والله لأبي بكر وأصحابه.
حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال : حدثنا أحمد بن بشير، عن هشام، عن الحسن في قوله : فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ قال : نزلت في أبي بكر وأصحابه.
حدثني عليّ بن سعيد بن مسروق الكندي، قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله : فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ أذِلّةٍ على المُؤْمِنينَ أعِزّةٍ على الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائم قال : هو أبو بكر وأصحابه، لما ارتدّ من ارتدّ من العرب عن الإسلام، جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردّهم إلى الإسلام.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ. . . إلى قوله : وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ أنزل الله هذه الاَية، وقد علم أن سيرتدّ مرتدّون من الناس. فلما قبض الله نبيه محمدا ﷺ، ارتدّ عامّة العرب عن الإسلام إلاّ ثلاثة مساجد : أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل البحرين من عبد القيس قالوا : نصلي ولا نزكي، والله لا تُعصب أموالنا فكُلّم أبو بكر في ذلك، فقيل له : إنهم لو قد فقهوا لهذا، أعطوها وزادوها. فقال : لا والله، لا أفرّق بين شيء جمع الله بينه، ولو منعوا عِقَالاً مما فرض الله ورسوله، لقاتلناهم عليه فبعث الله عصابة مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبيّ الله ﷺ، حتى سبى وقتل وحرق بالنيران أناسا ارتدّوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة، فقاتلهم حتى أقرّوا بالماعون وهي الزكاة صَغرة أقمياء. فأتته وفود العرب، فخيرهم بين خطة مخزية أو حرب مجلية، فاختاروا الخطة المخزية، وكانت أهون عليهم، أن يعتدّوا أن قتلاهم في النار وأن قتلى المؤمنين في الجنة، وأن ما أصابوا من المسلمين من مال ردّوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم من مال فهو لهم حلال.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ قال ابن جريج : ارتدوا حين توفي رسول الله ﷺ، فقاتلهم أبو بكر.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن هشام، قال : أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن أبي أيوب، عن عليّ في قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ قال : علم الله المؤمنين، وأوقع معنى السوء على الحشو الذي فيهم من المنافقين ومن في علمه أن يرتدّوا، قال : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ المرتدّة عن دينهم بقوم يحبهم ويحبونه بأبي بكر وأصحابه.
وقال آخرون : يعني بذلك قوما من أهل اليمن. وقال بعض من قال ذلك منهم : هم رهط أبي موسى الأشعري : عبد الله بن قيس. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن عياض الأشعري، قال : لما نزلت هذه الاَية : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ قال : أومأ رسول الله ﷺ إلى أبي موسى بشيء كان معه، فقال :«هُمْ قَوْمُ هَذَا ».
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا أبو الوليد، قال : حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال : سمعت عياضا يحدّث عن أبي موسى، أن النبيّ ﷺ قرأ هذه الاَية : فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ قال : يعني قوم أبي موسى.
حدثني أبو السائب سلم بن جنادة، قال : حدثنا ابن إدريس، عن شعبة قال أبو السائب، قال أصحابنا هو عن سماك بن حرب، وأنا لا أحفظ سماكا عن عياض الأشعري، قال رسول الله ﷺ :«هُمْ قَوْمُ هَذَا » يعني أبا موسى.
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا ابن إدريس، عن شعبة، عن سماك، عن عياض الأشعري، قال النبيّ ﷺ لأبي موسى :«هُمْ قَوْمُ هَذَا » في قوله : فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ.
حدثنا مجاهد بن موسى، قال : حدثنا يزيد، قال : أخبرنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال : سمعت عياضا الأشعريّ يقول : لما نزلت : فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ قال رسول الله ﷺ :«هُمْ قَوْمُكَ يا أبا مُوسَى »، أو قال :«هُمْ قَوْمُ هَذَا » يعني أبا موسى.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو سفيان الحميريّ، عن حصين، عن عياض أو ابن عياض : فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ قال : هم أهل اليمن.
حدثنا محمد بن عوف، قال : حدثنا أبو المغيرة قال : حدثنا صفوان، قال : حدثنا عبد الرحمن بن جبير، عن شريح بن عبيد، قال : لما أنزل الله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ. . . إلى آخر الاَية، قال عمر : أنا وقومي هم يا رسول الله ؟ قال :«لا بَلْ هَذا وَقَوْمُهُ » يعني أبا موسى الأشعري.
وقال آخرون منهم : بل هم أهل اليمن جميعا. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : يُحِبّهُمْ ويُحِبّونَهُ قال : أناس من أهل اليمن.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد، قال : هم قوم سبأ.
حدثنا مطر بن محمد الضبيّ، قال : حدثنا أبو داود، قال : أخبرنا شعبة، قال : أخبرني من سمع شهر بن حوشب، قال : هم أهل اليمن.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني عبد الله بن عياش، عن أبي صخر، عن محمد بن كعب القرظي : أن عمر بن عبد العزيز أرسل إليه يوما وهو أمير المدينة يسأله عن ذلك، فقال محمد : يأتي الله بقوم، وهم أهل اليمن. قال عمر : يا ليتني منهم قال : آمين
وقال آخرون : هم أنصار رسول الله ﷺ. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ يزعم أنهم الأنصار.
وتأويل الاَية على قول من قال : عنى الله بقوله : فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ ويُحبّونَهُ أبا بكر وأصحابه في قتالهم أهل الردّة بعد رسول الله ﷺ : يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فلن يضر الله شيئا، وسيأتي الله من ارتدّ منكم عن دينه بقوم يحبهم ويحبونه، ينتقم بهم منهم على أيديهم. وبذلك جاء الخبر والرواية عن بعض من تأوّل ذلك كذلك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن هشام، قال : أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن عليّ في قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ قال : يقول : فسوف يأتي الله المرتدّة في دورهم، بقوم يحبهم ويحبونه بأبي بكر وأصحابه.
وأما على قول من قال : عني بذلك : أهل اليمن فإن تأويله : يا أيها الذين آمنوا، من يرتدّ منكم عن دينه، فسوف يأتي الله المؤمنين الذين لم يرتدّوا بقوم يحبهم ويحبونه، أعوانا لهم وأنصارا. وبذلك جاءت الرواية عن بعض من كان يتأوّل ذلك كذلك.
حد
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
"ويقول"، لأنها كذلك هي في مصاحِفِنا مصاحف أهل المشرق، بالواو، وبرفع"يقول" على الابتداء.
* * *
فتأويل الكلام= إذْ كانت القراءة عندنا على ما وصفنا (١) =: فيصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين، ويقولُ المؤمنون: أهؤلاء الذين حَلَفوا لنا بالله جهد أيمانهم كَذِبًا إنهم لمعنا؟
* * *
يقول لله تعالى ذكره، مخبرًا عن حالهم عنده بنفاقهم وخبث أعمالهم="حبطت أعمالهم"، يقول: ذهبت أعمالهم التي عملوها في الدنيا باطلا لا ثواب لها ولا أجر، لأنهم عملوها على غير يقين منهم بأنها عليهم لله فرضٌ واجب، ولا على صِحّة إيمان بالله ورسوله، وإنما كانوا يعملونها ليدفعوا المؤمنين بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم، فأحبط الله أجرَها، إذ لم تكن له (٢) ="فأصبحوا خاسرين"، يقول: فأصبح هؤلاء المنافقون، عند مجيء أمر الله بإدالة المؤمنين على أهل الكفر، قد وُكِسوا في شرائهم الدنيا بالآخرة، وخابت صفقتهم، وهَلَكوا. (٣)
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله وبرسوله:"يا أيها الذين آمنوا"، أي: صدّقوا لله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيُّهم محمد صلى الله عليه وسلم="من يرتد منكم عن دينه"، يقول: من يرجع منكم عن دينه الحق الذي
(١) في المطبوعة والمخطوطة: "إذ كان القراءة"، والجيد ما أثبت.
(٢) انظر تفسير"حبط" فيما سلف ٩: ٥٩٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير"خسر" فيما سلف ص: ٢٢٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.
هو عليه اليوم، فيبدِّله ويغيره بدخوله في الكفر، إما في اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك من صنوف الكفر، (١) فلن يضر الله شيئا، وسيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، يقول: فسوف يجيءء الله بدلا منهم، المؤمنين الذين لم يبدِّلوا ولم يغيروا ولم يرتدوا، بقومٍ خير من الذين ارتدُّوا وابدَّلوا دينهم، يحبهم الله ويحبون الله. (٢)
وكان هذا الوعيد من الله لمن سبق في علمه أنه سيرتدُّ بعد وفاةِ نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك وعدُه من وعدَ من المؤمنين ما وعدَه في هذه الآية، لمن سبق له في علمه أنه لا يبدّل ولا يغير دينه، ولا يرتدّ. فلما قَبَض الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم، ارتدّ أقوام من أهل الوبَرِ، وبعضُ أهل المَدَر، فأبدل الله المؤمنين بخيرٍ منهم كما قال تعالى ذكره، ووفى للمؤمنين بوعده، وأنفذ فيمن ارتدَّ منهم وعيدَه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٢١٧٧ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عبد الله بن عياش، عن أبي صخر، عن محمد بن كعب: أن عمر بن عبد العزيز أرسل إليه يومًا، وعمر أمير المدينة يومئذ، فقال: يا أبا حمزة، آية أسهرتني البارحة! قال محمدٌ: وما هي، أيها الأمير؟ قال: قول الله:"يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه" حتى بلغ"ولا يخافون لومة لائم". فقال محمد: أيها الأمير، إنما عنى الله بالذين آمنوا، الولاةَ من قريش، من يرتدَّ عن الحق. (٣)
(١) انظر تفسير"ارتد" فيما سلف ص: ١٧٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) سياق هذه العبارة: "فسوف يجي الله... المؤمنين... بقوم... ".
(٣) الأثر: ١٢١٧٧-"عبد الله بن عياش بن عباس القتباني"، ليس بالمتين، وهو ثقة. مترجم في التهذيب.
و"أبو صخر" هو"حميد بن زياد الخراط"، مضى مرارًا، منها برقم: ٤٢٨٠، ٤٣٢٥، ٥٣٨٦، ٨٣٩١، ١١٨٦٧، ١١٨٩١.
ثم انظر الأثر التالي برقم: ١٢١٩٩.
ثم اختلف أهل التأويل في أعيان القوم الذين أتى الله بهم المؤمنين، وأبدل المؤمنين مكانَ من ارتدَّ منهم.
فقال بعضهم: هو أبو بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة حتى أدخلوهم من الباب الذي خرجوا منه.
ذكر من قال ذلك:
١٢١٧٨ - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا حفص بن غياث، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن في قوله:"يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه"، قال: هذا والله أبو بكر وأصحابه. (١)
١٢١٧٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن، مثله.
١٢١٨٠ - حدثنا هناد قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن جويبر، عن سهل، عن الحسن في قوله:"فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه"، قال: أبو بكر وأصحابه.
١٢١٨١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حسين بن علي، عن أبي موسى قال: قرأ الحسن:"فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه"، قال: هي والله لأبي بكر وأصحابه. (٢)
١٢١٨٢ - حدثني نصر بن عبد الرحمن الأزدي قال، حدثنا أحمد بن بشير، عن هشام،
(١) الأثر: ١٢١٧٨-"الفضل بن دلهم الواسطي القصاب". مختلف في أمره. مضى برقم: ٤٩٢٨.
(٢) الأثر: ١٢١٨١-"حسين بن علي بن الوليد الجعفي"، مضى قريبًا: ١٢١٦٤.
و"أبو موسى"، هو: "إسرائيل بن موسى البصري"، نزيل الهند. روى عن الحسن البصري. ثقة لا بأس به. مترجم في التهذيب.
عن الحسن في قوله:"فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه"، قال: نزلت في أبي بكر وأصحابه. (١)
١٢١٨٣ - حدثني علي بن سعيد بن مسروق الكندي قال، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم"، قال: هو أبو بكر وأصحابه. لما ارتد من ارتدَّ من العرب عن الإسلام، جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردَّهم إلى الإسلام.
١٢١٨٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه"، إلى قوله:"والله واسع عليم"، أنزل الله هذه الآية وقد علم أن سيرتدُّ مرتدُّون من الناس، فلما قبض الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم، ارتدّ عامة العرب عن الإسلام= إلا ثلاثة مساجد: أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل البحرين من عبد القيس= قالوا: نصلي ولا نزكِّي، والله لا تُغصب أموالنا! (٢) فكُلِّم أبو بكر في ذلك فقيل له: إنهم لو قد فُقِّهوا لهذا أعطوها= أو: أدَّوها= (٣) فقال: لا والله، لا أفرق بين شيء جمع الله بينه، ولو منعوا عِقالا مما فرضَ الله ورسوله لقاتلناهم عليه! (٤)
(١) الأثر: ١٢١٨٢-"نصر بن عبد الرحمن الأزدي"، هكذا جاء هنا أيضًا في المخطوطة والمطبوعة: "الأودي"، وقد سلف أن تكلم عليه أخي السيد أحمد، وصححه"الأزدي" كما أثبته هنا، ولكني في شك من تصحيح ذلك كذلك، لكثرة إثباته في التفسير في كل مكان"الأودي" انظر ما سلف: ٤٢٣، ٨٧٥، ٢٨٥٩، ٨٧٨٣.
و"أحمد بن بشير القرشي المخزومي"، أبو بكر الكوفي. مضى برقم: ٧٨١٩.
و"هشام" هو: "هشام بن عروة بن الزبير بن العوام"، مضى برقم: ٢٨٨٩، ٨٤٦١.
(٢) القائلون: "نصلي ولا نزكي"، هم الذين ارتدوا من عامة العرب.
(٣) في المطبوعة: "أعطوها أو زادوها"، وهو تخليط فاحش، وصوابه من المخطوطة وقوله: "أو: أدوها"، كأنه قال: روى بدل"أعطوها"، "أدوها". و"الهاء" فيهما راجعة إلى"الزكاة" التي منعوها.
(٤) "العقال" (بكسر العين) : زكاة عام من الإبل والغنم. يقال: "أخذ منهم عقال هذا العام"، أي زكاته وصدقته. وقد فسره آخرون بأنه الحبل الذي كان تعقل به الفريضة التي كانت تؤخذ في الصدقة. وذلك أنه كان على صاحب الإبل أن يؤدي مع كل فريضة عقالا تعقل به، و"رواء" أي: حبلا. ويروي الخبر"لو منعوني عناقًا". و"العناق": الأنثى من أولاد المعز، إذا أتت عليها سنة.
فبعث الله عصابة مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، حتى سبَى وقتل وحرق بالنيران أناسًا ارتدّوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة، فقاتلهم حتى أقرّوا بالماعون =وهي الزكاة= صَغرة أقمياء. (١) فأتته وفود العرب، فخيَّرهم بين خُطَّة مخزية أو حرب مُجْلية. فاختاروا الخطة المخزية، وكانت أهون عليهم أن يقرُّوا: أن قتلاهم في النار، وأن قتلى المؤمنين في الجنة، (٢) وأن ما أصابوا من المسلمين من مال ردّوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم من مال فهو لهم حلال.
١٢١٨٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله:"يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه"، قال ابن جريج: ارتدوا حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتلهم أبو بكر.
١٢١٨٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هشام
(١) "صغرة" جمع"صاغر": وهو الراضي بالذل والضيم. و"أقمياء"جمع"قمئ": وهو الذليل الضارع المتضائل. والذي في كتب اللغة من جمع"قمئ""قماء" (بكسر القاف) و"قماء" (بضمها). وقد مر في الأثر رقم: ٤٢٢١"قمأة" في المخطوطة، وانظر التعليق عليه هناك. و"أقمياء" جمع عزيز هنا، فإن"فعيلا" الصفة، يجمع قياسا على"أفعلاء"، إذا كان مضاعفًا، مثل"شديد" و"أشداء"، وكذلك إذا كان ناقصا واويًا أو يائيًا، نحو"غني" و"أغنياء"، و"شقي" و"أشقياء". أما الصحيح، فقليل جمعه على"أفعلاء"، مثل"صديق" و"أصدقاء". فإذا صحت رواية"أقمياء" في هذا الخبر، فهو صحيح في العربية إن شاء الله، لهذه العلة ولغيرها أيضا.
(٢) في المطبوعة: "أن يستعدوا أن قتلاهم في النار"، وفي المخطوطة مثلها غير منقوطة، ولم أجد لها تحريفًا أقرب مما أثبت، استظهرته من الخبر الذي رواه الشعبي، عن ابن مسعود وهو: قوله: "فوالله ما رضى لهم إلا بالخطة المخزية، أو الحرب المجلية. فأما الخطة المخزية فأن أقروا بأن من قتل منهم في النار، وأن ما أخذوا من أموالنا مردود علينا. وأما الحرب المجلية، فأن يخرجوا من ديارهم" (فتوح البلدان للبلاذري: ١٠١).
قال، أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن أبي أيوب، عن علي في قوله:"يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه"، قال: عَلِم الله المؤمنين، ووقع معنى السوء على الحَشْو الذي فيهم من المنافقين ومن في علمه أن يرتدُّوا، (١) قال:"يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله"، المرتدَّة في دورهم (٢) ="بقوم يحبهم ويحبونه"، بأبي بكر وأصحابه. (٣)
* * *
وقال آخرون: يعني بذلك قومًا من أهل اليمن. وقال بعض من قال ذلك منهم: هم رهط أبي موسى الأشعري، عبد الله بن قيس. (٤)
ذكر من قال ذلك:
١٢١٨٨ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن عياض الأشعري قال: لما نزلت هذه الآية،"يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه"،
(١) في المطبوعة: "وأوقع معنى السوء"، وأثبت ما في المخطوطة، وأنا في شك من العبارة كلها، وإن كان لها وجه ومعنى.
(٢) في المطبوعة: "المرتدة عن دينهم"، وفي المخطوطة: "في دينهم"، والصواب ما أثبته من الأثر التالي رقم: ١٢٢٠١.
(٣) الأثر: ١٢١٨٦- في المطبوعة: "سيف بن عمرو"، وهو خطأ، صوابه ما أثبت من المخطوطة. وقد مضى مثل هذا الأثر برقم: ١٢١٢٨ وفيه"عبد الله بن هشام". وقد ذكرت هنالك أني لم أعرفه. وسقط من الترقيم؛ رقم: ١٢١٨٧ سهوًا.
(٤) عن هذا الموضع، انتهى جزء من تقسيم قديم، وفي المخطوطة ما نصه:
"يتلوه: ذكر من قال ذلك.
وصلى الله على محمد".
ثم يتلوه ما نصه:
"بسم الله الرحمن الرحيم
رَبِّ يَسِّرْ برحمتك".
قال: أومأ رسول الله ﷺ إلى أبي موسى بشيء كان معه، فقال: هم قومُ هذا!
١٢١٨٩ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت عياضًا يحدّث عن أبي موسى: أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية:"فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه"، قال: يعني قوم أبي موسى.
١٢١٩٠ - حدثني أبو السائب سلم بن جنادة قال، حدثنا ابن إدريس، عن شعبة = قال أبو السائب: قال أصحابنا: هو:"عن سماك بن حرب"، وأنا لا أحفظ"سماكًا" = عن عياض الأشعريّ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم قوم هذا يعني أبا موسى.
١٢١٩١ - حدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا ابن إدريس، عن شعبة، عن سماك، عن عياض الأشعري، قال النبي ﷺ لأبي موسى: هم قوم هذا= في قوله:"فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه".
١٢١٩٢ - حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا شعبة، عن سماك بن حرب قال: سمعت عياضًا الأشعري يقول: لما نزلت:"فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه"، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم قومك يا أبا موسى! = أو قال: هم قوم هذا= يعني أبا موسى. (١)
(١) الآثار: ١٢١٨٨- ١٢١٩٢-"عياض الأشعري"، هو"عياض بن عمرو الأشعري"، تابعي، مختلف في صحبته، روى عن النبي ﷺ مرسلا. رأى أبا عبيدة بن الجراح، وعمر بن الخطاب، وأبا موسى الأشعري، وغيرهم. قال ابن سعد ٦: ١٠٤: "كان قليل الحديث". روى عنه الشعبي، وسماك بن حرب. مترجم في التهذيب، وأسد الغابة، والإصابة، والاستيعاب: ٤٩٨، والكبير للبخاري ٤/ ١/ ١٩.
وهذا الخبر رواه ابن سعد في الطبقات ٤/ ١/ ٧٩، من طريق عبد الله بن إدريس، وعفان بن مسلم، عن شعبة، عن سماك، عن عياض. والحاكم في المستدرك ٢: ٣١٣، من طريق وهب بن جرير، وسعيد بن عامر، عن شعبة، عن سماك، عن عياض، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ١٦، وقال: "رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح". وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٩٢، وزاد نسبته لابن أبي شيبة في مسنده، وعبد بن حميد، والحكيم الترمذي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل. وذكره ابن كثير في تفسيره ٣: ١٧٩، ١٨٠، عن ابن أبي حاتم، عن عمر بن شبة، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة.
١٢١٩٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو سفيان الحميري، عن حصين، عن عياض= أو: ابن عياض="فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه"، قال: هم أهل اليمن. (١)
١٢١٩٤ - حدثنا محمد بن عوف قال، حدثنا أبو المغيرة قال، حدثنا صفوان قال، حدثنا عبد الرحمن بن جبير، عن شريح بن عبيد قال: لما أنزل الله:"يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه" إلى آخر الآية، قال عمر: أنا وقومي هم، يا رسول الله؟ قال:"لا بل هذا وقومه! يعني أبا موسى الأشعري. (٢)
* * *
(١) الأثر: ١٢١٩٣-"وأبو سفيان الحميري"، هو"سعيد بن يحيى بن مهدي الحميري" الحذاء، الواسطي. صدوق، وقال الدارقطني: "متوسط الحال ليس بالقوي". مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢/ ١/ ٤٧٧، وابن أبي حاتم ٢/ ١/ ٧٤.
و"حصين" هو"حصين بن عبد الرحمن السلمي"، ثقة، من كبار الأئمة. مضى برقم: ٥٧٩، ٢٩٨٦.
و"عياض" هو الأشعري كما سلف في الآثار السابقة. وأما "ابن عياض"، فلم أجد من ذكر ذلك، وكأنه شك من أبي سفيان الحميري، أو سفيان بن وكيع.
وانظر تخريج الآثار السالفة.
(٢) الأثر: ١٢١٩٤-"محمد بن عوف بن سفيان الطائي"، شيخ الطبري، ثقة حافظ، مضى برقم: ٥٤٤٥.
و"أبو المغيرة" هو: "عبد القدوس بن الحجاج الخولاني"، "أبو المغيرة الحمصي" ثقة، صدوق. مضى برقم: ١٠٣٧١.
و"صفوان"، هو: "صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي"، سمع عبد الرحمن بن جبير، مضى برقم: ٧٠٠٩. وهو مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢/ ٢/ ٣٠٩، وابن أبي حاتم ٢/ ١/ ٤٢٢، وفي ترجمته في التهذيب خطأ بين، ذكر أنه مات سنة (١٠٠) والصواب سنة (١٥٥)، كما في التاريخ الكبير وغيره.
و"عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي"، تابعي ثقة. مضى برقم: ١٨٦، ١٨٧.
و"شريح بن عبيد بن شريح الحضرمي" تابعي ثقة، مضى برقم: ٥٤٤٥. و"صفون بن عمرو" يروي عن شريح مباشرة، ولكنه روى هنا عنه بواسطة"عبد الرحمن بن جبير".
وهذا الأثر خرجه السيوطي في الدّرّ المنثور ٢: ٢٩٢، ولم ينسبه لغير ابن جرير.
وقال آخرون منهم: بل هم أهل اليمن جميعًا.
ذكر من قال ذلك:
١٢١٩٥ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"يحبهم ويحبونه"، قال: أناسٌ من أهل اليمن.
١٢١٩٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٢١٩٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد قال: هم قوم سَبَأ.
١٢١٩٨ - حدثنا مطر بن محمد الضبي قال، حدثنا أبو داود قال، أخبرنا شعبة قال، أخبرني من سمع شهر بن حوشب قال: هم أهل اليمن. (١)
١٢١٩٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عبد الله بن عياش، عن أبي صخر، عن محمد بن كعب القرظي: أن عمر بن عبد العزيز أرسل إليه يومًا، وهو أمير المدينة، يسأله عن ذلك: فقال محمد:"يأتي الله بقوم"، وهم أهل اليمن! قال عمر: يا ليتني منهم! قال: آمين! (٢)
* * *
وقال آخرون: هم أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ذكر من قال ذلك:
١٢٢٠٠ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
(١) الأثر: ١٢١٩٨-"مطر بن محمد الضبي"، شيخ الطبري، لم أجد له ترجمة ولا ذكرًا. وفيمن اسمه"مطر": "مطر بن محمد بن نصر التميمي الهروي"، مترجم في تاريخ بغداد ٣: ٢٧٥. و"مطر بن محمد بن الضحاك السكري"، يروي عن يزيد بن هرون. مترجم في لسان الميزان ٦: ٤٩. ولا أظنه أحدهما، وأخشى أن يكون دخل اسمه بعض التحريف.
(٢) الأثر: ١٢١٩٩- انظر الأثر السالف رقم: ١٢١٧٧، والتعليق عليه.
حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا من يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه"، يزعم أنهم الأنصار.
* * *
وتأويل الآية على قول من قال: عنى الله بقوله:"فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه"، أبا بكر وأصحابه في قتالهم أهل الرِّدَّة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم=: يا أيها الذين آمنوا، من يرتدَّ منكم عن دينه فلن يضر الله شيئًا، وسيأتي الله من ارتد منكم عن دينه بقوم يحبهم ويحبونه، ينتقم بهم منهم على أيديهم. وبذلك جاء الخبر والرواية عن بعض من تأول ذلك كذلك:
١٢٢٠١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هشام قال، أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي في قوله:"يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم"، قال يقول: فسوف يأتي الله المرتدَّةَ في دورهم (١) ="بقوم يحبهم ويحبونه"، بأبي بكر وأصحابه. (٢)
* * *
وأما على قول من قال: عنى الله بذلك أهل اليمن، فإن تأويله: يا أيها الذين آمنوا، من يرتد منكم عن دينه، فسوف يأتي الله المؤمنين الذين لم يرتدوا، بقوم يحبهم ويحبونه، أعوانًا لهم وأنصارًا. وبذلك جاءت الرواية عن بعض من كان يتأول ذلك كذلك.
١٢٢٠٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح،
عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"يا أيها الذين
(١) قوله: في دورهم"، هو الصواب، وقد كان في المخطوطة والمطبوعة، في الأثر السالف رقم: ١٢١٨٦"في دينهم" و"عن دينهم"، والصواب هو الذي هنا. انظر التعليق السالف ص: ٤١٤ تعليق: ٢.
(٢) الأثر: ١٠٢٠١- هو بعض الأثر السالف رقم: ١٢١٨٦، وكان في هذا الموضع أيضًا"سيف بن عمرو"، وهو خطأ، كما بينته هناك.
آمنوا من يرتد منكم عن دينه" الآية، وعيدٌ من الله أنه من ارتدّ منكم، أنه سيستبدل خيًرا منهم.
* * *
وأما على قول من قال: عنى بذلك الأنصار، فإن تأويله في ذلك نظير تأويل من تأوَّله أنه عُنِي به أبو بكر وأصحابه.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، ما رُوي به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم أهل اليمن، قوم أبي موسى الأشعري. ولولا الخبر الذي روي في ذلك عن رسول الله ﷺ بالخبر الذي روي عنه، ما كان القول عندي في ذلك إلا قول من قال:"هم أبو بكر وأصحابه". وذلك أنه لم يقاتل قومًا كانوا أظهروا الإسلام على عهد رسول الله ﷺ ثم ارتدوا على أعقابهم كفارًا، غير أبي بكر ومن كان معه ممن قاتل أهل الردة معه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكنا تركنا القول في ذلك للخبر الذي رُوي فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنْ كان ﷺ مَعْدِن البيان عن تأويل ما أنزل الله من وحيه وآيِ كتابه. (١)
* * *
فإن قال لنا قائل: فإن كان القومُ الذين ذكر الله أنه سيأتي بهم= عند ارتداد من ارتد عن دينه، ممن كان قد أسلم على عهد رسول الله ﷺ = هم أهل اليمن، فهل كان أهل اليمن أيام قتال أبي بكر رضي الله عنه أهل الردة أعوانَ أبي بكر على قتالهم، فتستجيز أن توجِّه تأويل الآية إلى ما وجِّهت إليه؟ (٢)
(١) "المعدن" (بفتح الميم، وسكون العين، وكسر الدال) : مكان كل شيء يكون فيه أصله ومبدؤه. ومنه قيل: "معدن الذهب والفضة"، وهو الذي نسميه اليوم"المنجم"، حيث أنبت الله سبحانه وتعالى جوهرهما، وأثبتهما فيه. ومنه في المجاز، ما جاء في الخبر: "فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم" يعني: أصولها التي ينسبون إليها، ويتفاخرون بها.
(٢) في المطبوعة: "حتى تستجيز"، وفي المخطوطة: "تستجير" بغير"حتى"، فآثرت قراءتها كما أثبتها.
أم لم يكونوا أعوانًا له عليهم، فكيف استجزت أن توجه تأويل الآية إلى ذلك، وقد علمت أنه لا خُلْفَ لوعد الله؟
قيل له: إن الله تعالى ذكره لم يعدِ المؤمنين أن يبدِّلهم بالمرتدِّين منهم يومئذ، خيرًا من المرتدين لقتال المرتدين، وإنما أخبر أنه سيأتيهم بخيرٍ منهم بدلا منهم، فقد فعل ذلك بهم قريبًا غير بعيد، (١) فجاء بهم على عهد عمر، فكان موقعهم من الإسلام وأهله أحسن موقع، وكانوا أعوان أهل الإسلام وأنفعَ لهم ممن كان ارتدَّ بعد رسول الله ﷺ من طَغَام الأعراب وجُفاة أهل البوادي الذين كانوا على أهل الإسلام كلا لا نفعًا؟ (٢)
* * *
قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله:"يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه".
فقرأته قرأة أهل المدينة: (يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه)، بإظهار التضعيف، بدالين، مجزومة"الدال" الآخرة. وكذلك ذلك في مصاحفهم.
وأما قرأة أهل العراق، فإنهم قرأوا ذلك: (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ) بالإدغام، بدالٍ واحدة، وتحريكها إلى الفتح، بناء على التثنية، لأن المجزوم الذي يظهر تضعيفه في الواحد، إذا ثنيّ أدغم. ويقال للواحد:"اردُدْ يا فلان إلى فلان حقه"، فإذا ثنى قيل:"ردّا إليه حقه"، ولا يقال:"ارددا"، وكذلك في الجمع:"ردّوا"، ولا يقال:"ارددوا"، فتبني العرب أحيانًا الواحد على الاثنين، وتظهر
(١) في المطبوعة: "يعد فعل ذلك"، وهو لا معنى له، والصواب ما في المخطوطة.
(٢) "الطغام" (بفتح الطاء) : أوغاد الناس وأراذلهم. و"الكل" (بفتح الكاف) : العيال والثقل على صاحبه أو من يتولى أمره.
أحيانًا في الواحد التضعيفَ لسكون لام الفعل. وكلتا اللغتين فصيحةٌ مشهورة في العرب. (١)
* * *
قال أبو جعفر: والقراءة في ذلك عندنا على ما هو به في مصاحفنا ومصاحف أهل المشرق، بدال واحدة مشدّدة، بترك إظهار التضعيف، وبفتح"الدال"، للعلة التي وصفت.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"أذلة على المؤمنين"، أرقَّاء عليهم، رحماءَ بهم.
* * *
= من قول القائل:"ذلَّ فلان لفلان". إذا خضع له واستكان. (٢)
* * *
ويعني بقوله:"أعزة على الكافرين"، أشداء عليهم، غُلَظاء بهم.
* * *
= من قول القائل:"قد عزّني فلان"، إذا أظهر العزة من نفسه له، وأبدى له الجفوة والغِلْظة. (٣)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٢٢٠٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم
(١) في المطبوعة والمخطوطة: "في العرف"، وآثرت قراءتها كما أثبتها، وهو الصواب.
(٢) وانظر تفسير"الذل" فيما سلف ٢: ٢١٢/٧: ١٧١.
(٣) انظر تفسير"العزة" فيما سلف ٩: ٣١٩، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
قال، أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي في قوله:"أذلة على المؤمنين"، أهل رقة على أهل دينهم="أعزة على الكافرين"، أهل غلظة على من خالفهم في دينهم. (١)
١٢٢٠٤ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين"، يعني بالأذلة: الرحماء. (٢)
١٢٢٠٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج في قوله:"أذلة على المؤمنين"، قال: رحماء بينهم="أعزة على الكافرين"، قال: أشداء عليهم.
١٢٢٠٦ - حدثنا الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، قال سفيان: سمعت الأعمش يقول في قوله:"أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين"، ضعفاء عن المؤمنين. (٣)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"يجاهدون في سبيل الله"، هؤلاء المؤمنين الذين وعد الله المؤمنين أن يأتيهم بهم إن ارتدّ منهم مرتدّ، بدلا منهم،
(١) الأثر: ١٢٢٠٣- انظر أسانيد الآثار السالفة رقم: ١٢١٨٦، ١٢٢٠١، والتعليق عليها. وفي المخطوطة والمطبوعة: "سفيان بن عمر" مكان"سيف بن عمر"، وهو خطأ فاحش.
(٢) في المخطوطة: "يعني بالأذلة: الرحمة"، وفي المطبوعة: "يعني بالذلة الرحمة"، وآثرت ما كتبت، وهو تصحيف قريب.
(٣) في المطبوعة: "ضعفاء على المؤمنين"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب جيد.
يجاهدون في قتال أعداء الله على النحو الذي أمر الله بقتالهم، والوجه الذي أذن لهم به، ويجاهدون عدوَّهم. فذلك مجاهدتهم في سبيل الله (١) =" ولا يخافون لومة لائم"، يقول: ولا يخافون في ذات الله أحدًا، ولا يصدُّهم عن العمل بما أمرهم الله به من قتال عدوهم، لومةُ لائم لهم في ذلك.
* * *
وأما قوله:"ذلك فضل الله"، فإنه يعني هذا النعتَ الذي نعتهم به تعالى ذكره= من أنهم أذلة على المؤمني، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون في الله لومة لائم = فضلُ الله الذي تفضل به عليهم، (٢) والله يؤتي فضله من يشاء من خلقه مِنّةً عليه وتطوّلا (٣) ="والله واسع"، يقول: والله جواد بفضله على من جادَ به عليه، (٤) لا يخاف نَفاد خزائنه فتَتْلف في عطائه (٥) ="عليم"، بموضع جوده وعطائه، فلا يبذله إلا لمن استحقه، ولا يبذل لمن استحقه إلا على قدر المصلحة، لعلمه بموضع صلاحه له من موضع ضرّه. (٦)
* * *
(١) انظر تفسير"يجاهد" فيما سلف ٤: ٣١٨/١٠: ٢٩٢
= وتفسير"سبيل الله" فيما سلف من فهارس اللغة (سبل).
(٢) سياق الجملة: "هذا النعت الذي نعتهم به... فضل الله... ".
(٣) انظر تفسير"الفضل" فيما سلف من فهارس اللغة (فضل).
(٤) انظر تفسير"واسع" فيما سلف ٩: ٢٩٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٥) في المطبوعة: "فكيف من عطائه"، غير ما في المخطوطة، لأنه لم يحسن قراءته إذ كان غير منقوط. وهذا صواب قراءته.
(٦) انظر تفسير"عليم" فيما سلف من فهارس اللغة (علم).

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى مخبرا عن قدرته العظيمة أن من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته، فإن الله يستبدل به من هو خير لها منه(١) وأشد منعة وأقوم سبيلا كما قال تعالى :﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] وقال تعالى :﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣]، وقال تعالى :﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ١٩، ٢٠] أي : بممتنع ولا صعب. وقال تعالى هاهنا :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ أي : يرجع عن الحق إلى الباطل.
قال محمد بن كعب : نزلت في الولاة من قريش. وقال الحسن البصري : نزلت في أهل الردة أيام أبي بكر.
﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال الحسن : هو والله أبو بكر وأصحابه [ رضي الله عنهم ](٢) رواه ابن أبي حاتم.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة : سمعت أبا بكر بن عياش يقول في قوله(٣) ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ هم أهل القادسية. وقال لَيْث بن أبي سليم، عن مجاهد : هم قوم من سبأ.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبد الله بن الأجلح، عن محمد بن عمرو، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله :﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال : ناس من أهل اليمن، ثم من كِنْدَة، ثم من السَّكُون.
وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا معاوية - يعني ابن حفص - عن أبي زياد الحلفاني، عن محمد بن المُنْكَدر، عن جابر بن عبد الله قال : سُئل رسول الله ﷺ عن قوله :﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال :" هؤلاء قوم من أهل اليمن، ثم من كندة، ثم من السكون، ثم من تجيب ". (٤) وهذا حديث غريب جدا.
وقال ابن أبى حاتم : حدثنا عمر بن شَبَّة، حدثنا عبد الصمد - يعني ابن عبد الوارث - حدثنا شعبة، عن سِمَاك، سمعت عياضًا يحدث عن الأشعري قال : لما نزلت :﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال رسول الله ﷺ :" هم قوم هذا ". ورواه ابن جرير من حديث شعبة بنحوه. (٥)
وقوله تعالى :﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ هذه صفات المؤمنين الكُمَّل أن يكون أحدهم متواضعًا(٦) لأخيه ووليه، متعززًا على خصمه وعدوه، كما قال تعالى :﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وفي صفة النبي ﷺ أنه :" الضحوك القتال " فهو ضحوك لأوليائه قتال لأعدائه.
وقوله [ تعالى ](٧) ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ أي : لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله، وقتال أعدائه، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم(٨) لائم ولا عذل عاذل.
قال الإمام أحمد : حدثنا عفان، حدثنا سلام أبو المنذر، عن محمد بن واسع، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال : أمرني(٩) خليلي ﷺ بسبع، أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرًا، وأمرني ألا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول : لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش. (١٠)
وقال الإمام أحمد أيضًا : حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان عن أبي(١١) المثنى ؛ أن أبا ذر قال : بايعني رسولُ الله ﷺ خمسا وواثقني سبعًا، وأشهد الله على تسعًا، أني لا أخاف في الله لومة لائم. قال أبو ذر : فدعاني رسول الله ﷺ فقال :" هل لك إلى بيعة ولك الجنة ؟ " قلت : نعم، قال : وبسطت يدي، فقال النبي ﷺ وهو يشترط : على ألا تسأل الناس شيئا ؟ قلت : نعم قال :" ولا سوطك وإن سقط منك يعني(١٢) تنزل إليه فتأخذه. " (١٣)
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن الحسن، حدثنا جعفر، عن المعلى القُرْدوسي، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري(١٤) قال : قال رسول الله ﷺ :" ألا لا يمنعن أحدكم رَهْبةُ الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب من أجل، ولا يُبَاعد من رزق(١٥) أن يقول بحق أو يذكر(١٦) بعظيم ". تفرد به أحمد. (١٧)
وقال أحمد : حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن زُبَيْد عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري(١٨) قال : قال رسول الله ﷺ :" لا يَحْقِرَنَّ أحدكم نفسه أن يرى أمرًا لله فيه مَقَال، فلا يقول فيه، فيقال له يوم القيامة : ما منعك أن تكون قلت فيّ كذا وكذا ؟ فيقول : مخافة الناس. فيقول : إياي أحق أن تخاف ".
ورواه ابن ماجه من حديث الأعمش، عن عَمْرو بن مرة به. (١٩) وروى أحمد وابن ماجه، من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي طُوَالة(٢٠) عن نهار بن عبد الله العبدي المدني، عن أبي سعيد الخدري(٢١) عن النبي ﷺ قال :" إن الله ليسأل العبد يوم القيامة، حتى إنه ليسأله يقول له : أيْ عبدي، رأيت منكرًا فلم تنكره ؟ فإذا لَقَّن الله عبدًا حجته، قال : أيْ رب، وثقت بك وخفت الناس ". (٢٢)
وثبت في الصحيح :" ما ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه "، قالوا : وكيف يذلّ نفسه يا رسول الله ؟ قال :" يتحمل من البلاء ما لا يطيق ". (٢٣)
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي : من اتصف بهذه الصفات، فإنما هو من فضل الله عليه، وتوفيقه له، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي : واسع الفضل، عليم بمن يستحق ذلك ممن يَحْرمه إياه.
١ في ر: "منهم"..
٢ زيادة من أ..
٣ في أ: "وقال ابن عباس".
.

٤ ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٣١٢) "مجمع البحرين" من طريق معاوية بن حفص، عن أبي زياد إسماعيل بن زكريا، عن محمد بن قيس الأسدي، عن محمد بن المنكدر به، وقال: "لم يروه عن محمد بن قيس الأسدي إلا أبو زياد، ولا عنه إلا معاوية. تفرد به أبو حميد، فزاد هنا محمد بن قيس الأسدي". وذكره ابن أبي حاتم في العلل (٢/٩٥) ولم يذكر محمد بن قيس في سنده كما هو هنا في تفسيره، وقال: سمعت أبي يقول: "هذا حديث باطل". تنبيه: وقع هنا أبي زياد الحلفاني وفي العلل: الخلقاني، وهو الصواب "الخلقاني" كما في "الاستغناء في المشهورين من حملة العلم بالكنى" لابن عبد البر (٢/١١٩٩)..
٥ تفسير الطبري (١٠/٤١٤) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/١٢٣) وابن سعد في الطبقات (٤/١٠٧) والطبراني في المعجم الكبير (١٧/٣٧١) وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/٥٩) من طريق شعبة به. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/١٦): "رجاله رجال الصحيح"..
٦ في ر: "لمتواضعا"..
٧ زيادة من أ..
٨ في أ: "لومة"..
٩ في د: "أخبرني"..
١٠ المسند (٥/١٥٩)..
١١ في د: "ابن".
.

١٢ في أ: "حتى"..
١٣ المسند (٥/١٧٢)..
١٤ في د: "عن أبي سعيد مرفوعا"..
١٥ في ر: "لا يباعد من أجل ولا يقرب من رزق"..
١٦ في أ: "وأن يذكره"..
١٧ المسند (٣/٥٠)..
١٨ في ر: "عن أبي سعيد مرفوعا"..
١٩ المسند (٣/٧٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٨)، وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٢): "هذا إسناد صحيح"..
٢٠ في أ: "عبد الرحمن بن أبي طوالة"..
٢١ في ر: "عن أبي سعيد مرفوعا"..
٢٢ المسند (٣/٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠١٧) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٤): "هذا إسناد صحيح"..
٢٣ لم أجده أثناء البحث في الصحيحين ولعلي أتداركه فيما بعد. وقد رواه الترمذي في السنن برقم (٢٢٥٤) وابن ماجة في السنن برقم (٤٠١٦) من طريق علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن عن جندب، عن حذيفة بن اليمان، رضي الله عنه به، وقال الترمذي: "حديث حسن غريب". وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان ضعيف.
.

المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَة، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ نَعُودُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ حُبّ يَهُودَ". فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَقَدْ أَبْغَضَهُمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، فَمَاتَ.
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ. (١)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ أَنَّ مَنْ تَوَلَّى عَنْ نُصْرَةِ دِينِهِ وَإِقَامَةِ شَرِيعَتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَسْتَبْدِلُ بِهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ لَهَا مِنْهُ (٢) وَأَشَدُّ مَنْعَةً وَأَقْوَمُ سَبِيلًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النِّسَاءِ: ١٣٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ١٩، ٢٠] أَيْ: بِمُمْتَنَعٍ وَلَا صَعْبٍ. وَقَالَ تَعَالَى هَاهُنَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ أَيْ: يَرْجِعُ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: نَزَلَتْ فِي الْوُلَاةِ مِنْ قُرَيْشٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الرِّدَّةِ أَيَّامَ أَبِي بَكْرٍ.
﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: هُوَ وَاللَّهِ أَبُو بَكْرٍ وَأَصْحَابُهُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ] (٣) رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ (٤) ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ هُمْ أَهْلُ الْقَادِسِيَّةِ. وَقَالَ لَيْث بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: هُمْ قَوْمٌ مِنْ سَبَأٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَجْلَحِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، ثُمَّ مِنْ كِنْدَة، ثُمَّ مِنَ السَّكُون.
وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ -يَعْنِي ابْنَ حَفْصٍ-عَنْ أَبِي زِيَادٍ الْحِلْفَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سُئل رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قَالَ: "هَؤُلَاءِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، ثُمَّ مِنْ كِنْدَةَ، ثُمَّ مِنَ السكون، ثم من
(١) المسند (٥/٢٠١) وسنن أبي داود برقم (٣٠٩٤).
(٢) في ر: "منهم".
(٣) زيادة من أ.
(٤) في أ: "وقال ابن عباس".
تُجِيبَ". (١) وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّة، حدثنا عَبْدُ الصَّمَدِ -يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْوَارِثِ-حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاك، سَمِعْتُ عِيَاضًا يُحَدِّثُ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هُمْ قَوْمُ هَذَا". وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِنَحْوِهِ. (٢)
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ هَذِهِ صِفَاتُ الْمُؤْمِنِينَ الكُمَّل أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ مُتَوَاضِعًا (٣) لِأَخِيهِ وَوَلِيِّهِ، مُتَعَزِّزًا عَلَى خَصْمِهِ وَعَدُوِّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الْفَتْحِ: ٢٩]. وَفِي صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ: "الضَّحُوكُ الْقَتَّالُ" فَهُوَ ضَحُوكٌ لِأَوْلِيَائِهِ قَتَّالٌ لِأَعْدَائِهِ.
وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] (٤) ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ أَيْ: لَا يَرَدُّهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَقِتَالِ أَعْدَائِهِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، لَا يَرُدُّهُمْ عَنْ ذَلِكَ رَادٌّ، وَلَا يَصُدُّهُمْ عَنْهُ صَادٌّ، وَلَا يَحِيكُ فِيهِمْ لَوْمُ (٥) لَائِمٍ وَلَا عَذَلُ عَاذِلٍ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا سَلَامٌ أَبُو الْمُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَمَرَنِي (٦) خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ، أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي، وَلَا أَنْظُرُ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي، وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَلَّا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنَّ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ. (٧)
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ عَنْ أَبِي (٨) الْمُثَنَّى؛ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ: بَايَعَنِي رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسًا وَوَاثَقَنِي سَبْعًا، وَأَشْهَدَ اللَّهَ عَلَيَّ تِسْعًا، أَنِّي لَا أَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "هَلْ لَكَ إِلَى بَيْعَةٍ وَلَكَ الْجَنَّةُ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: وَبَسَطْتُ يَدَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَشْتَرِطُ: عَلَى أَلَّا تَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: "ولا سوطك وإن
(١) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٣١٢) "مجمع البحرين" من طريق معاوية بن حفص، عن أبي زياد إسماعيل بن زكريا، عن محمد بن قيس الأسدي، عن محمد بن المنكدر به، وقال: "لم يروه عن محمد بن قيس الأسدي إلا أبو زياد، ولا عنه إلا معاوية. تفرد به أبو حميد، فزاد هنا محمد بن قيس الأسدي".
وذكره ابن أبي حاتم في العلل (٢/٩٥) ولم يذكر محمد بن قيس في سنده كما هو هنا في تفسيره، وقال: سمعت أبي يقول: "هذا حديث باطل".
تنبيه: وقع هنا أبي زياد الحلفاني وفي العلل: الخلقاني، وهو الصواب "الخلقاني" كما في "الاستغناء في المشهورين من حملة العلم بالكنى" لابن عبد البر (٢/١١٩٩).
(٢) تفسير الطبري (١٠/٤١٤) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/١٢٣) وابن سعد في الطبقات (٤/١٠٧) والطبراني في المعجم الكبير (١٧/٣٧١) وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/٥٩) من طريق شعبة به. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/١٦) :"رجاله رجال الصحيح".
(٣) في ر: "لمتواضعا".
(٤) زيادة من أ.
(٥) في أ: "لومة".
(٦) في د: "أخبرني".
(٧) المسند (٥/١٥٩).
(٨) في د: "ابن".
سَقَطَ مِنْكَ يَعْنِي (١) تَنْزِلُ إِلَيْهِ فَتَأْخُذُهُ." (٢)
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنِ الْمُعَلَّى القُرْدوسي، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَّا لَا يَمْنَعْنَ أَحَدَكُمْ رَهْبةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجْلٍ، وَلَا يُبَاعد مَنْ رِزْقٍ (٤) أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ (٥) بِعَظِيمٍ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. (٦)
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زُبَيْد عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (٧) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَحْقِرَنَّ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ أَنْ يَرَى أَمْرًا لِلَّهِ فِيهِ مَقَال، فَلَا يَقُولُ فِيهِ، فَيُقَالُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكُونَ قُلْتَ فِيَّ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: مَخَافَةَ النَّاسِ. فَيَقُولُ: إِيَّايَ أَحَقُّ أَنْ تَخَافَ".
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرو بْنِ مُرَّةَ بِهِ. (٨) وَرَوَى أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي طُوَالة (٩) عَنْ نَهَارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْدِيِّ الْمَدَنِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (١٠) عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم قال: "إن اللَّهَ لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْأَلُهُ يَقُولُ لَهُ: أيْ عَبْدِي، رَأَيْتَ مُنْكَرًا فَلَمْ تُنْكِرْهُ؟ فَإِذَا لَقَّن اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ، قَالَ: أيْ رَبِّ، وَثِقْتُ بِكَ وَخِفْتُ النَّاسَ". (١١)
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "مَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ"، قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "يَتَحَمَّلُ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يُطِيقُ". (١٢)
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَتَوْفِيقِهِ لَهُ، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أَيْ: وَاسْعُ الْفَضْلِ، عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِمَّنْ يَحْرمه إِيَّاهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: لَيْسَ الْيَهُودُ بِأَوْلِيَائِكُمْ، بَلْ وِلَايَتُكُمْ رَاجِعَةٌ إِلَى الله ورسوله والمؤمنين.
(١) في أ: "حتى".
(٢) المسند (٥/١٧٢).
(٣) في د: "عن أبي سعيد مرفوعا".
(٤) في ر: "لا يباعد من أجل ولا يقرب من رزق".
(٥) في أ: "وأن يذكره".
(٦) المسند (٣/٥٠).
(٧) في ر: "عن أبي سعيد مرفوعا".
(٨) المسند (٣/٧٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٨)، وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٢) :"هذا إسناد صحيح".
(٩) في أ: "عبد الرحمن بن أبي طوالة".
(١٠) في ر: "عن أبي سعيد مرفوعا".
(١١) المسند (٣/٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠١٧) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٤) :"هذا إسناد صحيح".
(١٢) لم أجده أثناء البحث في الصحيحين ولعلي أتداركه فيما بعد. وقد رواه الترمذي في السنن برقم (٢٢٥٤) وابن ماجة في السنن برقم (٤٠١٦) مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنِ الْحَسَنِ عن جندب، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ به، وقال الترمذي: "حديث حسن غريب". وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان ضعيف.
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [وَهُمْ رَاكِعُونَ]﴾ (١) أَيِ: الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، مِنْ إِقَامِ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَكْبَرُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ لَهُ وَحْدَهُ (٢) لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ الَّتِي هِيَ حَقُّ الْمَخْلُوقِينَ وَمُسَاعَدَةٌ لِلْمُحْتَاجِينَ مِنَ الضُّعَفَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ فَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أَيْ: فِي حَالِ رُكُوعِهِمْ، وَلَوْ كَانَ هَذَا كَذَلِكَ، لَكَانَ دَفْعُ الزَّكَاةِ فِي حَالِ الرُّكُوعِ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَمْدُوحٌ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِمَّنْ نَعْلَمُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى، وَحَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ ذَكَرَ فِي هَذَا أَثَرًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ: [ذَلِكَ] (٣) أَنَّهُ مَرَّ بِهِ سَائِلٌ فِي حَالِ رُكُوعِهِ، فَأَعْطَاهُ خَاتَمَهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْد، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ قَالَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. (٤)
وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْن أَبُو نُعَيْمٍ الْأَحْوَلُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ قَيْسٍ الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْل قَالَ: تَصَدَّقَ عَلِيٌّ بِخَاتَمِهِ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا غَالِبُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الْآيَةَ: نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، تَصَّدَق وَهُوَ رَاكِعٌ (٥)
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الْآيَةَ: نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه، مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي سِنان، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَائِمًا يُصَلِّي، فَمَرَّ سَائِلٌ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَأَعْطَاهُ خَاتَمَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الْآيَةَ.
الضَّحَّاكُ لَمْ يَلْقَ ابْنَ عَبَّاسٍ.
وَرَوَى ابْنُ مَرْدُويه أَيْضًا عَنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ -وَهُوَ مَتْرُوكٌ-عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ، بَيْنَ رَاكِعٍ وَسَاجِدٍ وَقَائِمٍ وَقَاعِدٍ، وَإِذَا مِسْكِينٌ يَسْأَلُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "أَعْطَاكَ أَحَدٌ شَيْئًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "مَنْ؟ " قَالَ: ذَلِكَ (٦) الرَّجُلُ الْقَائِمُ. قَالَ: "عَلَى أَيِّ حَالٍ أَعْطَاكَهُ؟ " قَالَ: وَهُوَ رَاكِعٌ، قَالَ: "وَذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ". قَالَ: فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾
(١) زيادة من د.
(٢) في ر، أ: "وهي عبادة الله وحده".
(٣) زيادة من أ.
(٤) ورواه الطبري في تفسيره (١٠/٤٢٦) من طريق إسماعيل الرملي، عن أيوب بن سويد به.
(٥) تفسير الطبري (١٠/٤٢٦).
(٦) في ر: "ذاك".
وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا يُفْرَحُ بِهِ.
ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ مَردُويَهْ، مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، نَفْسِهِ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَأَبِي رَافِعٍ. وَلَيْسَ يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ، لِضَعْفِ أَسَانِيدِهَا وَجَهَالَةِ رِجَالِهَا. ثُمَّ رَوَى بِسَنَدِهِ، عَنْ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ نَزَلَتْ فِي الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَوَّلُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا هَنَّاد، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ [الْآيَةِ] (١) ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ قُلْنَا: مَنِ الَّذِينَ آمَنُوا؟ قَالَ: الَّذِينَ آمَنُوا! قُلْنَا: بَلَغَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ! قَالَ: عَلِيٌّ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا.
وَقَالَ أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّي: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مَرَّ بِهِ سَائِلٌ وَهُوَ رَاكِعٌ فِي الْمَسْجِدِ فَأَعْطَاهُ خَاتَمَهُ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْوَالِبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ أَسْلَمَ فَقَدْ تَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَوْرَدْنَا (٢) أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ كُلَّهَا نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ تَبَرَّأَ مِنْ حلْف يَهُود، وَرَضِيَ بِوَلَايَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ. لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ٢١، ٢٢].
فَكُلُّ مَنْ رَضِيَ بِوِلَايَةِ (٣) اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ مُفْلِحٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [وَمَنْصُورٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ] (٤) ؛ وَلِهَذَا قَالَ [اللَّهُ] (٥) تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾
(١) زيادة من أ.
(٢) في ر، أ: "أوردناها".
(٣) في أ: "بمولات".
(٤) زيادة من أ.
(٥) زيادة من أ.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٥٤ ْ } ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ْ﴾
يخبر تعالى أنه الغني عن العالمين، وأنه من يرتد عن دينه فلن يضر الله شيئا، وإنما يضر نفسه. وأن لله عبادا مخلصين، ورجالا صادقين، قد تكفل الرحمن الرحيم بهدايتهم، ووعد بالإتيان بهم، وأنهم أكمل الخلق أوصافا، وأقواهم نفوسا، وأحسنهم أخلاقا، أجلُّ صفاتهم أن الله ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ْ﴾ فإن محبة الله للعبد هي أجل نعمة أنعم بها عليه، وأفضل فضيلة، تفضل الله بها عليه، وإذا أحب الله عبدا يسر له الأسباب، وهون عليه كل عسير، ووفقه لفعل الخيرات وترك المنكرات، وأقبل بقلوب عباده إليه بالمحبة والوداد.
ومن لوازم محبة العبد لربه، أنه لابد أن يتصف بمتابعة الرسول ﷺ ظاهرا وباطنا، في أقواله وأعماله وجميع أحواله، كما قال تعالى :﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ْ﴾
كما أن من لازم(١)  محبة الله للعبد، أن يكثر العبد من التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح عن الله : " وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، ولا يزال [ عبدي ] يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ".
ومن لوازم محبة الله معرفته تعالى، والإكثار من ذكره، فإن المحبة بدون معرفة بالله ناقصة جدا، بل غير موجودة وإن وجدت دعواها، ومن أحب الله أكثر من ذكره، وإذا أحب الله عبدا قبل منه اليسير من العمل، وغفر له الكثير من الزلل.
ومن صفاتهم أنهم ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ْ﴾ فهم للمؤمنين أذلة من محبتهم لهم، ونصحهم لهم، ولينهم ورفقهم ورأفتهم، ورحمتهم بهم وسهولة جانبهم، وقرب الشيء الذي يطلب منهم وعلى الكافرين بالله، المعاندين لآياته، المكذبين لرسله - أعزة، قد اجتمعت هممهم وعزائمهم على معاداتهم، وبذلوا جهدهم في كل سبب يحصل به الانتصار عليهم، قال تعالى :﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ْ﴾ وقال تعالى :﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ْ﴾ فالغلظة والشدة على أعداء الله مما يقرب العبد إلى الله، ويوافق العبد ربه في سخطه عليهم، ولا تمنع الغلظة عليهم والشدة دعوتهم إلى الدين الإسلامي بالتي هي أحسن. فتجتمع الغلظة عليهم، واللين في دعوتهم، وكلا الأمرين من مصلحتهم ونفعه عائد إليهم.
﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ْ﴾ بأموالهم وأنفسهم، بأقوالهم وأفعالهم. ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ْ﴾ بل يقدمون رضا ربهم والخوف من لومه على لوم المخلوقين، وهذا يدل على قوة هممهم وعزائمهم، فإن ضعيف القلب ضعيف الهمة، تنتقض عزيمته عند لوم اللائمين، وتفتر قوته عند عذل العاذلين. وفي قلوبهم تعبد لغير الله، بحسب ما فيها من مراعاة الخلق وتقديم رضاهم ولومهم على أمر الله، فلا يسلم القلب من التعبد لغير الله، حتى لا يخاف في الله لومة لائم.
ولما مدحهم تعالى بما من به عليهم منَّ الصفات الجليلة والمناقب العالية، المستلزمة لما لم يذكر من أفعال الخير -أخبر أن هذا من فضله عليهم وإحسانه لئلا يعجبوا بأنفسهم، وليشكروا الذي مَنَّ عليهم بذلك ليزيدهم من فضله، وليعلم غيرُهم أن فضل الله تعالى ليس عليه حجاب، فقال :﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ْ﴾ أي : واسع الفضل والإحسان، جزيل المنن، قد عمت رحمته كل شيء، ويوسع على أوليائه من فضله، ما لا يكون لغيرهم، ولكنه عليم بمن يستحق الفضل فيعطيه، فالله أعلم حيث يجعل رسالته أصلا وفرعا.
١ - في ب: لوازم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٥٤} ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
يخبر تعالى أنه الغني عن العالمين، وأنه من يرتد عن دينه فلن يضر الله شيئا، وإنما يضر نفسه. وأن لله عبادا مخلصين، ورجالا صادقين، قد تكفل الرحمن الرحيم بهدايتهم، ووعد بالإتيان بهم، وأنهم أكمل الخلق أوصافا، وأقواهم نفوسا، وأحسنهم أخلاقا، أجلُّ صفاتهم أن الله ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ فإن محبة الله للعبد هي أجل نعمة أنعم بها عليه، وأفضل فضيلة، تفضل الله بها عليه، وإذا أحب الله عبدا يسر له الأسباب، وهون عليه كل عسير، ووفقه لفعل الخيرات وترك المنكرات، وأقبل بقلوب عباده إليه بالمحبة والوداد.
ومن لوازم محبة العبد لربه، أنه لا بد أن يتصف بمتابعة الرسول ﷺ ظاهرا وباطنا، في أقواله وأعماله وجميع أحواله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
كما أن من لازم (١) محبة الله للعبد، أن يكثر العبد من التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح عن الله: "وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، ولا يزال [عبدي] يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه".
-[٢٣٦]-
ومن لوازم محبة الله معرفته تعالى، والإكثار من ذكره، فإن المحبة بدون معرفة بالله ناقصة جدا، بل غير موجودة وإن وجدت دعواها، ومن أحب الله أكثر من ذكره، وإذا أحب الله عبدا قبل منه اليسير من العمل، وغفر له الكثير من الزلل.
ومن صفاتهم أنهم ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ فهم للمؤمنين أذلة من محبتهم لهم، ونصحهم لهم، ولينهم ورفقهم ورأفتهم، ورحمتهم بهم وسهولة جانبهم، وقرب الشيء الذي يطلب منهم وعلى الكافرين بالله، المعاندين لآياته، المكذبين لرسله - أعزة، قد اجتمعت هممهم وعزائمهم على معاداتهم، وبذلوا جهدهم في كل سبب يحصل به الانتصار عليهم، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ فالغلظة والشدة على أعداء الله مما يقرب العبد إلى الله، ويوافق العبد ربه في سخطه عليهم، ولا تمنع الغلظة عليهم والشدة دعوتهم إلى الدين الإسلامي بالتي هي أحسن. فتجتمع الغلظة عليهم، واللين في دعوتهم، وكلا الأمرين من مصلحتهم ونفعه عائد إليهم.
﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بأموالهم وأنفسهم، بأقوالهم وأفعالهم. ﴿وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ بل يقدمون رضا ربهم والخوف من لومه على لوم المخلوقين، وهذا يدل على قوة هممهم وعزائمهم، فإن ضعيف القلب ضعيف الهمة، تنتقض عزيمته عند لوم اللائمين، وتفتر قوته عند عذل العاذلين. وفي قلوبهم تعبد لغير الله، بحسب ما فيها من مراعاة الخلق وتقديم رضاهم ولومهم على أمر الله، فلا يسلم القلب من التعبد لغير الله، حتى لا يخاف في الله لومة لائم.
ولما مدحهم تعالى بما من به عليهم منَّ الصفات الجليلة والمناقب العالية، المستلزمة لما لم يذكر من أفعال الخير -أخبر أن هذا من فضله عليهم وإحسانه لئلا يعجبوا بأنفسهم، وليشكروا الذي مَنَّ عليهم بذلك ليزيدهم من فضله، وليعلم غيرُهم أن فضل الله تعالى ليس عليه حجاب، فقال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: واسع الفضل والإحسان، جزيل المنن، قد عمت رحمته كل شيء، ويوسع على أوليائه من فضله، ما لا يكون لغيرهم، ولكنه عليم بمن يستحق الفضل فيعطيه، فالله أعلم حيث يجعل رسالته أصلا وفرعا.
(١) في ب: لوازم
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٠ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
أَذِلَّةٍ
رُحَمَاءَ.
أَعِزَّةٍ
أَشِدَّاءَ.
لَوْمَةَ لَائِمٍ
اعْتِرَاضَ مُعْتَرِضٍ.

إعراب الآية ٥٤ من سورة المائدة

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة المائدة (٥) : آية ٥٤]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)
يا أيّها الذين آمنوا من يرتدد منك عن دينه. هذه قراءة «١» أهل المدينة وأهل الشام، وقرأ أهل الكوفة وأهل البصرة مَنْ يَرْتَدَّ بفتح الدال لالتقاء الساكنين، ويجوز كسرها إلا أن الفتح اختير لأنه أخف، وقال الكوفيون: فتح لأنه بني على التشبيه من قولك: ردّا ولهذا عند الفراء فتح الفعل الماضي، ويرتدد أحسن لأن الحرف الثاني قد سكن. فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ في موضع النعت. أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ نعت أي يرؤفون بهم ويرحمونهم. أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يغلظون عليهم ويعادونهم، ويجوز «أذلّة» بالنصب على الحال أي يحبّهم ويحبّونه في هذا الحال. يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ فدلّ بهذا على تثبيت إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم لأنهم الذين جاهدوا في الله في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبعد موته. ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ابتداء وخبر. وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ أي واسع الفضل عليم بمصالح خلقه.

[سورة المائدة (٥) : آية ٥٥]

إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥)
إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ابتداء وخبر. وَرَسُولُهُ عطف. وَالَّذِينَ آمَنُوا كذلك ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا أن محمد بن علي أبا جعفر سئل عن معنى إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا هل هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟ فقال: علي من المؤمنين «٢»، يذهب إلى أن هذا لجميع المؤمنين وهذا قول بين لأن الذين لجماعة المؤمنين وهذا في تولّي المؤمنين بعضهم بعضا وليس هذا من الإمامة في شيء يدلّ على ذلك أن هذا التولّي في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومعنى يقيمون الصلاة يأتون بها في أوقاتها بجميع حقوقها كما يقال: فلان قائم بعمله.

[سورة المائدة (٥) : آية ٥٦]

وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦)
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مبتدأ، فقيل الخبر محذوف والتقدير: ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فهو من حزب الله وقيل هُمُ الخبر والْغالِبُونَ خبر ثان.

[سورة المائدة (٥) : آية ٥٧]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)
(١) انظر تيسير الداني ٨٢، والبحر المحيط ٣/ ٥٢٣.
(٢) انظر البحر المحيط ٣/ ٥٢٥.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٥٤ من سورة المائدة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

الْكَافِرِينَ

بالإمالة

الدوري عن الكسائي الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو رويس عن يعقوب

بالتقليل

ورش عن نافع

بالفتح

هشام عن ابن عامر أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة ابن وردان عن أبي جعفر حفص عن عاصم ابن جمّاز عن أبي جعفر شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر روح عن يعقوب إسحاق عن خلف قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير إدريس عن خلف قالون عن نافع

مَن يَرْتَدَّ

(من يرتدَّ) إدغام النون في الياء بغنة وبدال واحدة مشددة مفتوحة

رويس عن يعقوب إدريس عن خلف روح عن يعقوب إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير

(من يرتدِدْ) إدغام النون في الياء بغنة وبدالين (فك الإدغام)

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر ورش عن نافع قالون عن نافع

(ومن يرتدَّ) إدغام النون في الياء بلا غنة وبدال واحدة مشددة مفتوحة

خلف عن حمزة
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٥٤ من سورة المائدة

١٤ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٤١ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

نزول الآية، وتفسيرها

٢٢ قولًا
١
عن أبي بكر بن عياش -من طريق أبي بكر بن أبي شيبة- في قوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾، قال: هم أهل القادسية١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ١٨‏/‏٢٧٥ (٣٤٤٥٢)، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦١ (٦٥٣٩).
تعليقات المحققين
  1. ٢ذهب ابنُ تيمية (٢/٥٠١ بتصرف) في تفسير قوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ مستندًا إلى دلالة العموم إلى عدم التَّخصيصِ، وقال: «قوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ لفظ مطلق، ليس فيه تعيين، وهو متناول لمن قام بهذه الصفات كائنًا من كان، لا يختص ذلك بأبي بكر ولا بعلي، بل هذه الآية تدُلُّ على أنه لا يرتد أحد عن الدين إلى يوم القيامة إلا أقام الله قومًا يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون هؤلاء المرتدين».
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾، قال: هذا وعيدٌ من الله أنّه مَن ارتدَّ منهم سَيستبدِلُ بهم خيرًا منهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٢٤، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦٠ من طريق سعيد بن جبير.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾، قال: هم قومٌ من أهل اليمن، ثم من كندةَ، ثمَّ مِن السَّكون١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري في تاريخه ١‏/‏١٩٤، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٣‏/‏١٣٥-. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن سَمْعان- أنّه كان يقول في هذه الآية: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾: هم ناس من أهل اليمن، سابقتهم الأنصارُ١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ١‏/‏٨٦ (١٩٢).
٥
عن عبد الله بن عباس، ﴿فسوف يأتي الله بقوم﴾، قال: هم أهل القادسية١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة.
٦
عن القاسمِ بن مُخَيمِرةَ، قال: أتيتُ ابنَ عمرَ، فرَحَّبَ بي، ثم تلا: ﴿من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم﴾. ثم ضرَب على مَنكِبي، وقال: أحلِفُ بالله إنّهم لَمِنكُم أهلَ اليمن. ثلاثًا١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري في تاريخه ٧‏/‏١٦٠-١٦١، ٨‏/‏٣٨٦-٣٨٧.
٧
عن مجاهد بن جبر -من طريق ليث بن أبي سليم- ﴿فسوف يأتي الله بقوم﴾، قال: هم قومُ سبأ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٢٣. وعلَّقه ابن كثير في تفسيره ٣‏/‏١٣٥. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿يحبهم ويحبونه﴾، قال: أناس من أهل اليمن١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٣١١، وأخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٢٣.
٩
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جويبر- في قوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾، قال: هو أبو بكرٍ وأصحابُه، لما ارتدَّ مَن ارتد مِن العرب عن الإسلام جاهَدهم أبو بكرٍ وأصحابُه حتى ردَّهم إلى الإسلام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥١٩، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦١ (٦٥٣٨).
١٠
قال الحسن البصري: علم الله تبارك وتعالى أنّ قومًا يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم ﷺ، فأخبر أنه سيأتي بقوم يحبهم الله ويحبونه١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٣‏/‏٦٩.
١١
عن الحسن البصري -من طريق الفضل بن دَلْهَم- في قوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾، قال: هم الذين قاتلوا أهل الردَّة من العرب بعد رسول الله ﷺ؛ أبو بكر وأصحابُه١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥١٨، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦٠، والبيهقي في الدلائل ٦‏/‏٣٦٢ من طريق أبي بشر. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وخيثمة الأترابُلُسيُّ في فضائل الصحابة. ولفظ ابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦٠ -وفيه عن الحسين وهو تحريف، ينظر تفسير ابن كثير ٣‏/‏١٣٥-: هو -واللهِ- أبو بكر وأصحابه.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفادت الأقوال اختلاف السلف فيمن عُني بقوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ على خمسة أقوال: الأول: عُني به: أبو بكر وأصحابه. الثاني: عُني به: رهط أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما من أهل اليمن. الثالث: عُني به: أهل اليمن جميعًا. الرابع: عُني به: الأنصار. الخامس: عُني به: أهل القادسية. وقد رجّح ابنُ جرير (٨/٥٢٤) القول الثاني منها لدلالة السنّة، وذكرَ أخبارًا في أنّ الآية لَمّا نزلت أومأَ النبيُّ ﷺ إلى أبي موسى الأشعريّ، وقال: «هم قومُ هذا». واستدرك ابنُ تيمية (٢/٤٩٨) على القول بكونها في أهل اليمن بقوله: «وأهل اليمن مِمَّن جاء الله بهم لَمّا ارتدَّ مَن ارتد إذ ذاك. وليست الآية مختصة بهم، ولا في الحديث ما يوجب تخصيصهم، بل قد أخبر الله أنه يأتي بغير أهل اليمن كأبناء فارس، لا يختص الوعد بهم».
١٢
عن شهر بن حوشب -من طريق شعبة، عمَّن سمع شهر بن حوشب- قال: هم أهل اليمن١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٢٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجّه ابنُ جرير (٨/٥٢٤ بتصرف) معنى الآية على قول شهر بن حوشب ومَن قال بقوله، فقال: «وتأويل الآية على قول مَن قال: عني بذلك: أهل اليمن. فإنّ تأويله: يا أيها الذين آمنوا، من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله المؤمنين الذين لم يرتدوا بقوم يحبهم ويحبونه، أعوانًا لهم وأنصارًا». ووجَّهه ابنُ عطية (٣/١٩٧)، فقال: «ومعنى الآية على هذا القول [أي: قول من قال هم أهل اليمن]: مخاطبة جميع مَن حضر عصر النبي ﷺ على معنى التنبيه لهم، والعتاب، والتوعد».
١٣
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قال: أنزَل الله هذه الآية وقد علِم أنه سيرتدُّ مرتدُّون من الناس، فلمّا قبَض الله نبيه ارتد عامَّةُ العربِ عن الإسلام، إلا ثلاثةَ مساجدَ؛ أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل الجُواثا١ من عبد القيس. وقال الذين ارتدوا: نُصَلِّي الصلاةَ ولا نزكِّي، واللهِ، لا تُغصَبُ أموالُنا. فكُلِّمَ أبو بكرٍ في ذلك ليَتَجاوزَ عنهم، وقيل له: إنهم لو قد فُقِّهوا أدَّوُا الزكاة. فقال: واللهِ، لا أُفَرِّقُ بين شيءٍ جمَعه الله، ولو منَعوني عِقالًا مما فرَض اللهُ ورسوله لقاتَلتُهم عليه. فبعَث اللهُ عصائبَ مع أبي بكر فقاتلوا حتى أقرُّوا بالماعون، وهو الزكاة. قال قتادة: فكنا نُحَدَّثُ: أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ إلى آخر الآية٢٣
التخريج
  1. ١جواثا: يمد ويقصر، حصن لعبد القيس بالبحرين، وهو أول موضع جمعت فيه الجمعة بعد المدينة. ينظر: معجم البلدان ٢‏/‏١٣٦، ١٣٧.
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٢٠، والبيهقي ٨‏/‏١٧٧-١٧٨، وابن عساكر ٣٠‏/‏٣١٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٣وجّه ابنُ جرير (٨/٥٢٤) معنى الآية على قول قتادة، فقال: «وتأويل الآية على قول مَن قال: عنى الله بقوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾: أبا بكر وأصحابه في قتالهم أهل الردة بعد رسول الله ﷺ: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فلن يضر الله شيئًا، وسيأتي الله مَن ارتَدَّ منكم عن دينه بقوم يحبهم ويحبونه، ينتقم بهم منهم على أيديهم». وبنحو هذا التوجيه وجَّه ابنُ جرير (٨/٥٢٤) معنى الآية على قول مَن قال هي في الأنصار. ووجَّهه ابنُ عطية مُبَيِّنًا أنّ معنى الآية: «أنّ الله وعد هذه الأمة مَن ارتَدَّ منها فإنه يجيء بقوم ينصرون الدين، ويغنون عن المرتدين، فكان أبو بكر وأصحابه ممن صدق فيهم الخبر في ذلك العصر، وكذلك هو عندي أمر علي مع الخوارج». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٢/٤٩٨).
١٤
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾، يزعم أنهم الأنصار١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٢٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٣/١٩٧) قول السدي، ثم وجَّهه بقوله: «وهذا على أن يكون قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ خطابًا للمؤمنين الحاضرين، يعُمُّ مؤمنهم ومنافقهم؛ لأن المنافقين كانوا يظهرون الإيمان، والإشارة بالارتداد إلى المنافقين، والمعنى: أنّ مَن نافق وارتدَّ فإنّ المحققين من الأنصار يحمون الشريعة، ويسد الله بهم كل ثَلم».
١٥
قال محمد بن السائب الكلبي، في قوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾: هم أحياء من اليمن؛ ألفان من النَّخَع، وخمسة آلاف من كِندة وبَجِيلة، وثلاثة آلاف من أفياء الناس، فجاهدوا في سبيل الله يوم القادسية في أيام عمر رضي الله عنه١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٣‏/‏٧١.
١٦
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجاج- قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾، قال: ارْتَدُّوا حين تُوُفِّي رسول الله ﷺ، فقاتلهم أبو بكر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٢٠.
١٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ وذلك حين هُزموا يوم أحد، شكَّ أُناسٌ من المسلمين، فقالوا ما قالوا، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ﴾ فارتدَّ بعد وفاة رسول الله ﷺ بنو تميم، وبنو حنيفة، وبنو أسد، وغطفان، وأناس من كِنْدة منهم الأشعث بن قيس، فجاء الله عز وجل بخير من الذين ارتَدُّوا: بوَهْب بطن من كندة، وبأحْمَس بَجِيلة، وحضرموت، وطائفة من حِمْيَر، وهمدان، أبدلهم مكان الكافرين١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٨٥.
١٨
عن شُرَيْح بن عُبَيْد، قال: لَمّا أنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ قال عمر: أنا وقومي هم، يا رسول الله؟ قال: «لا، بل هذا وقومه». يعني: أبا موسى الأشعري١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٢٢-٥٢٣. قال الألباني في الصحيحة ٧‏/‏١١٠٦: «إسناده مرسل صحيح، رجاله كلهم ثقات».
١٩
عن عياضٍ الأشعري، قال: لَمّا نزَلت: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ قال رسول الله ﷺ: «هم قومُ هذا». وأشارَ إلى أبي موسى الأشعري١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٣٤٢ (٣٢٢٠)، وابن جرير ٨‏/‏٥٢١-٥٢٢، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦٠ (٦٥٣٥)، من طريق شعبة، عن سماك بن حرب، عن عياض الأشعري به. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه». وقال الذهبي في التلخيص: «على شرط مسلم». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏١٦ (١٠٩٧٦): «رجاله رجال الصحيح». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٦‏/‏٢٠٥ (٥٦٨٨): «رواته ثقات». وأورده الألباني في الصحيحة ٧‏/‏١١٠٣ (٣٣٦٨).
٢٠
عن أبي موسى الأشعري، قال: تَلَيْتُ عندَ النبي ﷺ: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾. فقال النبي ﷺ: «هم قومُك، يا أبا موسى؛ أهل اليمن»١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الدلائل ٥‏/‏٣٥١-٣٥٢، وابن عساكر في تاريخه ٣٢‏/‏٣٤ (٦٥٨٣)، من طريق سماك بن حرب، عن عياض الأشعري، عن أبي موسى به. وفي سنده سماك بن حرب، قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب (٢٦٢٤): «صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بأخرة، فكان ربما تَلَقَّن».
٢١
عن جابر بن عبد الله، قال: سُئِلَ رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾. قال: «هؤلاءِ قومٌ مِن أهل اليمن، ثمَّ مِن كِندةَ، ثُمَّ مِن السَّكونِ، ثم من تُجِيبَ»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦٠ (٦٥٣٤)، من طريق محمد بن المصفى، عن معاوية بن حفص، عن أبي زياد الخلقاني، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله به. وأخرجه الطبراني في الأوسط ٢‏/‏١٠٣ (١٣٩٢)، فزاد في السند محمد بن قيس بين الخلقاني ومحمد بن المنكدر. قال ابن أبي حاتم في العلل ٥‏/‏٢٥ (١٧٧٩): «سمعت أبي يقول: هذا حديث باطل». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏١٦ (١٠٩٧٧): «إسناده حسن». وقال ابن كثير في تفسيره ٣‏/‏١٣٦: «وهذا حديث غريب جدًّا». وقال السيوطي: «سند حسن». وقال الألباني في الصحيحة عن إسناد الطبراني ٧‏/‏١١٠٥: «الإسناد جيد».
٢٢
عن علي بن أبي طالب -من طريق أبي أيوب- في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾، قال: علم الله المؤمنين، ووقعَ معنى السوءِ على الحَشْوِ الذي فيهم مِن المنافقين، ومَن في عِلْمِه أن يَرْتَدُّوا، قال: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ﴾ المرتدةَ عن دينهم بقوم يحبهم ويحبونه؛ بأبي بكر وأصحابه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٢١، ٥٢٤.

تفسير

١٥ قولًا
١
عن علي بن أبي طالب -من طريق أبي أيوب- في قوله: ﴿أذلة على المؤمنين﴾ قال: أهلِ رقَّةٍ على أهلِ دينهم، ﴿أعزة على الكافرين﴾ قال: أهلِ غِلْظةٍ على مَن خالفَهم في دينهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٢٧.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾، يعني بالذُلِّ: الرحمة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٢٧، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦١ من طريق سعيد بن جبير.
٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جريج- في قوله: ﴿أعزة على الكافرين﴾، قال: أشدّاء عليهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦١ (٦٥٤٣، ٦٥٤٤).
٤
عن عمر بن عبد العزيز -من طريق أبي صخر- في قول الله: ﴿أذلة على المؤمنين﴾، فقال: أنتم المؤمنون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦١ (٦٥٤٢).
٥
عن الضحاك بن مزاحم، قال: لَمّا قُبِض رسول الله ﷺ ارتدَّ طوائفُ من العرب، فابتَعَث الله لهم أبا بكر في أنصار من أنصار الله، فقاتَلهم حتى ردَّهم إلى الإسلام، فهذا تفسير هذه الآية١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٦
قال عطاء: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ كالولد لوالده، وكالعبد لسيده، ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ كالسبع على فريسته١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٧٩.
٧
عن سليمان بن مهران الأعمش -من طريق سفيان- يقول في قوله: ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾: ضعفاء على المؤمنين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٢٨.
٨
قال مقاتل بن سليمان: ثم نعتهم، فقال سبحانه: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ بالرحمة واللين، ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ يعني: عليهم بالغلظة والشدة، فسدَّد الله عز وجل بهم الدين١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٨٥.
٩
عن عبد الملك ابن جريج -من طريق حجاج- في قوله: ﴿أذلة على المؤمنين﴾ قال: رحماء بينهم، ﴿أعزة على الكافرين﴾ قال: أشدّاء عليهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٢٧-٥٢٨. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.
١٠
عن مجاهد بن جبر -من طريق ليث- في قوله: ﴿يجاهدون في سبيل الله﴾، قال: يُسارِعونَ في الحربِ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦١ (٦٥٤٣، ٦٥٤٤).
١١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ العَدُوَّ، يعني: في طاعة الله١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٨٥.
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾، يقول: ولا يُبالون غَضَبَ مَن غَضِبَ عليهم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٨٥.
١٣
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قوله: ﴿يؤتيه من يشاء﴾، قال: يختص به مَن يشاء١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦٢ (٦٥٤٥).
١٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾ يعني: دين الإسلام، ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ﴾ لذلك الفضل، ﴿عَلِيمٌ﴾ لِمَن يؤتي الإسلام. وفيهم نزلت وفي [الأبدال]: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٨٥.
١٥
عن محمد بن كعب القرظي -من طريق أبي صخر- أنّ عمر بن عبد العزيز أرسل إليه يومًا، وعمرُ أميرُ المدينة يومئذ، فقال: يا أبا حمزة، آيةٌ أسهرتني البارحة. قال محمد: وما هي، أيها الأمير؟ قال: قول الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه﴾ حتى بلغ: ﴿ولا يخافون لومة لائم﴾. فقال محمد: أيها الأمير، إنما عنى الله بالذين آمنوا الولاة من قريش، مَن يَرْتَدَّ عن الحق١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ١‏/‏٦٢-٦٣ (١٣٩)، وابن جرير ٨‏/‏٥١٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢لم يذكر ابنُ جرير (٨/٥١٧-٥١٨) في تفسير قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ غير قول محمد بن كعب.

آثار متعلقة بالآية

٤ أقوال
١
عن أبي ذرٍّ، قال: أمَرني رسول الله ﷺ بسبع: بحبِّ المساكين وأن أدْنُوَ منهم، وأن أنظرَ إلى مَن هو أسفل مِنِّي، ولا أنظرَ إلى مَن هو فَوقي، وأن أصِلَ رحِمي وإن جفاني، وأن أُكثِرَ مِن قولِ: لا حولَ ولا قوة إلا بالله؛ فإنّها من كنزٍ تحتَ العرش، وأن أقولَ الحقَّ وإن كان مُرًّا، وألا أخافَ في الله لومةَ لائم، وألا أسألَ الناسَ شيئًا١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٥‏/‏٣٢٧ (٢١٤١٥) بنحوه. وصححه ابن حبان ٢‏/‏١٩٤، وقال الهيثمي في المجمع ١٠‏/‏٢٦٣ (١٧٩٠٧، ١٧٩٠٨): «أحد إسنادي أحمد ثقات». وأورده الألباني في الصحيحة ٥‏/‏١٩٩ (٢١٦٦).
٢
عن عُبادة بن الصامت، قال: بايَعْنا النبي ﷺ على السَّمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشطِ والمكره، وعلى أثَرَةٍ علينا، وعلى ألّا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه، وعلى أن نقولَ بالحقِّ أينَما كُنّا، لا نخافُ في الله لومةَ لائم١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٩‏/‏٧٧ (٧١٩٩)، ومسلم ٣‏/‏١٤٧٠ (١٧٠٩).
٣
عن سهل بن سعد الساعدي، قال: بايعتُ النبي ﷺ أنا، وأبو ذر، وعبادة بن الصامت، وأبو سعيد الخدري، ومحمد بن مسلمة، وسادسٌ، على ألا تأخذَنا في الله لومةُ لائم، فأما السادس فاستقالَه فأقالَه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٢٠‏/‏٣٨٤، من طريق عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن جده به. إسناده ضعيف؛ فيه عبد المهيمن بن عباس، قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب (٤٢٣٥): «ضعيف».
٤
عن عمر بن الخطاب -من طريق الزهري- قال: إن ولِيتَ شيئًا مِن أمر الناس فلا تبالي في الله لومة لائم١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري في تاريخه ٤‏/‏١٩.
التفسير بالمأثور لسورة المائدة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٥٤ من سورة المائدة

٧٠ وقفةً في هذه الآية

  • يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } سنة الله في خلقه .. إذا انتكس مؤمن واحد أتى الله بقوم .

    — نايف الفيصل

  • من زعم أنه من المجاهدين وهو يكفر ويسب ويرمي عباد الله المؤمنين فاعلم أنه على خطر(أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله..)

    — سعود الشريم

  • "يحبهم ويحبونه" ليس العجيب من قوله "يحبونه" إنما العجب من قوله "يحبهم" ليس العجب من فقير يحب محسنا إليه إنما العجب من محسن يحب فقيرا مسكينا.

    — ابو حمزة الكناني

  • "يحبهم ويحبونه" حين تكبر تذبل محبة أبنائك وتذوي أشواق أهلك وتنطفئ ذكراك عند أصدقائك. محبة الله تبقى معك .

    — عبدالله بلقاسم

  • "أذلة على المؤمنين".......... أنت إنسان عظيم بحق، حينما يشعر كل من حولك أنك شخص عادي بسيط.

    — عبدالله بلقاسم

  • وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ........إن كنت تخشى اللوام قبل تغريدك، فتذكر هذه الآية في مدح أحباب الله.

    — عبدالله بلقاسم

  • "ولا يخافون لومة لائم" لوم الأحبة يقوض شجاعتنا فلا نقول الحقيقة.

    — عبدالله بلقاسم

  • (ولا يخافون لومة لائم!) إذا رسخ الحب في القلب،،فلا عبرة باللوم!

    — وليد العاصمي

  • إذا رأيت من أقرانك من هو أفضل منك فهماً ، وعلماً ومالاً ونعمة ، تذكّر قول الله : ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) لتمنع مرور الحسد إلى قلبك !!

    — عايض المطيري

  • ما أعظم هذا الوصف للمجاهدين الصادقين{ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله...}

    — محمد الربيعة

  • "فسوف يأتي الله بقوم: يحبهم ويحبونه" استثار الله غيرتهم على محبوبهم بأن يستبدل بالحب غيرهم .

    — عبدالله بلقاسم

  • "أذلة على المؤمنين" يا للعز في تلك الذلة .

    — عبدالله بلقاسم

و٥٨ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ٥٤ من سورة المائدة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(54) O you who have believed, whoever of you should revert from his religion - Allāh will bring forth [in place of them] a people He will love and who will love Him [who are] humble toward the believers, strong against the disbelievers; they strive in the cause of Allāh and do not fear the blame of a critic. That is the favor of Allāh; He bestows it upon whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال