الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ : مبتدأٌ وخبرٌ، و " رسولهُ " و " الذين " عطفٌ على الخبر. قال الزمخشري : قد ذُكِرَتْ جماعةٌ فهلاً قيل : إنما أولياؤُكم. وأجابَ بأنَ الوِلايةَ بطريقِ الأصالةِ لله تعالى، ثم نَظَّم في سلكِ إثباتها لرسوله وللمؤمنين، ولو جيء به جمعاً فقيل :" إنما أولياؤُكم " لم يكنْ في الكلامِ أصلٌ وتَبَعٌ ". قلت : ويَحْتمل وجهاً آخرَ وهو أنَّ " وَلِيَّ " بزنة فَعِيل، وفعيل وقد نصَّ عليه أهلُ اللسان أنه يقعُ للواحدِ والاثنين والجماعة تذكيراً وتأنيثاً بلفظ واحد، يقال :" الزيدون صديقٌ، وهند صديقٌ " وهذا مثلُه، غايةُ ما فيه أنه مقدَّمٌ في التركيب، وقد أجابَ الزمخشري وغيرُه بذلك في قوله تعالى ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩]، وذكر وجهَ ذلك وهو شِبْهُه بالمصادر وسيأتي تحقيقُه. وقرأ ابن مسعود :" إنما مَوْلاكم " وهي تفسير لا قراءة.
قوله تعالى :﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ﴾ في خمسةُ أوجه، أحدها : أنه مرفوعٌ على الوصفِ لقوله " الذين آمنوا " وَصَفَ المؤمنين بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وذكرهاتين العبادتين دونَ سائرِ فروعِ الإِيمان لأنهما أفضلُها. الثاني : أنه مرفوعٌ على البدلِ من " الذين آمنوا " الثالث : أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي : هم الذين. الرابع : أنه عطفُ بيانٍ لما قبله ؛ فإنَّ كلَّ ما جاز أن يكونَ بدلاً جاز أن يكون بياناً إلا فيما استُثْي وقد ذكرْتُه فيما تقدم. الخامس : أنه منصوبٌ بإضمار فعلٍ، وهذا الوجهُ والذي قَبله من باب القطع عن التبعية. قال الشيخ :- بعد أن نقلَ عن الزمخشري وَجْهَيْ البدلِ وإضمارِ المبتدأ فقط - " ولا أَدْري ما الذي مَنَعه من الصفةِ، إذ هو المتبادَرُ إلى الذهن، ولأنَّ المُبْدَلَ منه على نية الطرحِ، وهو لا يَصِحُّ هنا / لأنه هو الوصفُ المترتِّب عليه [ صحةُ ] ما بعده من الأوصاف " قلت : لا نسلِّمُ أنَّ المتبادرَ إلى الذهن الوصفُ بل البدلُ هو المتبادرُ، وأيضاً فإنَّ الوصفَ بالموصولِ على خلافِ الأصل ؛ لأنه مؤولٌ بالمشتقِّ وليس بمشتقٍ، ولا نُسَلِّم أنَّ المبدلَ منه على نيةِ الطَرْحِ، وهو المنقولُ عن سيبويه.
قوله :﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ في هذه الجملةِ وجهان، أظهرُهما : أنها معطوفةٌ على ما قبلَها من الجملِ فتكونُ صلةً للموصولِ، وجاء بهذه الجملةِ اسميةً دونَ ما قبلَها، فلم يَقُلْ " ويركعون " اهتماماً بهذا الوصفِ ؛ لأنه أظهرُ أركانِ الصلاة. والثاني : أنها واوُ الحال وصاحبُها هو واو " يُؤْتون " والمرادُ بالركوعِ الخضوعُ أي : يؤتون الصدقة وهم متواضِعُون للفقراءِ الذين يتصدَّقون عليهم، ويجوز أَنْ يُرادَ به الركوع حقيقةً ؛ كما رُوي عن علي أميرِ المؤمنين أنه تصدَّقَ بخاتَمِة وهو راكعٌ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى