مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
قوله تعالى ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾
وجه النظم أنه تعالى لما نهى في الآيات المتقدمة عن موالاة الكفار أمر في هذه الآية بموالاة من يجب موالاته وقال :﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا﴾ أي المؤمنون الموصوفون بالصفات المذكورة، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في قوله ﴿والذين ءامنوا﴾ قولان : الأول : أن المراد عامة المؤمنين، وذلك لأن عبادة بن الصامت لما تبرأ من اليهود وقال : أنا بريء إلى الله من حلف قريظة والنضير، وأتولى الله ورسوله نزلت هذه الآية على وفق قوله. وروي أيضا أن عبد الله بن سلام قال : يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل، فنزلت هذه الآية، فقال رضينا بالله ورسوله وبالمؤمنين أولياء، فعلى هذا : الآية عامة في حق كل المؤمنين، فكل من كان مؤمنا فهو ولي كل المؤمنين، ونظيره قوله تعالى :﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ وعلى هذا فقوله ﴿الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكواة﴾ صفة لكل المؤمنين، والمراد بذكر هذه الصفات تمييز المؤمنين عن المنافقين لأنهم كانوا يدعون الإيمان، إلا أنهم ما كانوا مداومين على الصلوات والزكوات، قال تعالى في صفة صلاتهم ﴿ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى﴾ وقال :﴿يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا﴾ وقال في صفة زكاتهم ﴿أشحة على الخير﴾ وأما قوله ﴿وهم راكعون﴾ ففيه على هذا القول وجوه : الأول : قال أبو مسلم : المراد من الركوع الخضوع، يعني أنهم يصلون ويزكون وهم منقادون خاضعون لجميع أوامر الله ونواهيه والثاني : أن يكون المراد : من شأنهم إقامة الصلاة، وخص الركوع بالذكر تشريفا له كما في قوله ﴿واركعوا مع الراكعين﴾ والثالث : قال بعضهم : إن أصحابه كانوا عند نزول هذه الآية مختلفون في هذه الصفات، منهم من قد أتم الصلاة، ومنهم من دفع المال إلى الفقير، ومنهم من كان بعد في الصلاة وكان راكعا، فلما كانوا مختلفين في هذه الصفات لا جرم ذكر الله تعالى كل هذه الصفات.
القول الثاني : أن المراد من هذه الآية شخص معين، وعلى هذا ففيه أقوال : روى عكرمة أن هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه. والثاني : روى عطاء عن ابن عباس أنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام. روي أن عبد الله بن سلام قال : لما نزلت هذه الآية قلت يا رسول أنا رأيت عليا تصدق بخاتمه على محتاج وهو راكع، فنحن نتولاه. وروي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال : صليت مع رسول الله ﷺ يوما صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء وقال : اللهم أشهد أني سألت في مسجد الرسول ﷺ فما أعطاني أحد شيئا، وعلي عليه السلام كان راكعا، فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم بمرأى النبي ﷺ، فقال :
«اللهم إن أخي موسى سألك » فقال :﴿رب اشرح لي صدري﴾ إلى قوله ﴿وأشركه في أمري﴾ فأنزلت قرآنا ناطقا ﴿سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا﴾ اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي عليا أشدد به ظهري. قال أبو ذر : فوالله ما أتم رسول الله هذه الكلمة حتى نزل جبريل فقال : يا محمد إقرأ ﴿إنما وليكم الله ورسوله﴾ إلى أخرها، فهذا مجموع مع يتعلق بالروايات في هذه المسألة.
المسألة الثانية : قالت الشيعة : هذه الآية دالة على أن الإمام بعد رسول الله ﷺ هو علي بن أبي طالب، وتقريره، أن نقول : هذه الآية دالة على أن المراد بهذه الآية إمام، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن يكون ذلك الإمام هو علي بن أبي طالب.
بيان المقام الأول : أن الولي في اللغة قد جاء بمعنى الناصر والمحب، كما في قوله ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ وجاء بمعنى المتصرف. قال عليه الصلاة والسلام :«أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها » فنقول : هاهنا وجهان : الأول : أن لفظ الولي جاء بهذين المعنيين ولم يعين الله مراده، ولا منافاة بين المعنيين، فوجب حمله عليهما، فوجب دلالة الآية على أن المؤمنين المذكورين في الآية متصرفون في الأمة. الثاني : أن نقول : الولي في هذه الآية لا يجوز أن يكون بمعنى الناصر، فوجب أن يكون بمعنى المتصرف، وإنما قلنا : إنه لا يجوز أن يكون بمعنى الناصر، لأن الولاية المذكورة في هذه الآية غير عامة في كل المؤمنين، بدليل أنه تعالى ذكر بكلمة ﴿إنما﴾ وكلمة ﴿إنما﴾ للحصر، كقوله :﴿إنما الله إله واحد﴾ والولاية بمعنى النصرة عامة لقوله ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ وهذا يوجب القطع بأن الولاية المذكورة في هذه الآية ليست بمعنى النصرة، وإذا لم تكن بمعنى النصرة كانت بمعنى التصرف، لأنه ليس للولي معنى سوى هذين، فصار تقدير الآية : إنما المتصرف فيكم أيها المؤمنون هو الله ورسوله والمؤمنون الموصوفون بالصفة الفلانية، وهذا يقتضي أن المؤمنين الموصوفين بالصفات المذكورة في هذه الآية متصرفون في جميع الأمة، ولا معنى للإمام إلا الإنسان الذي يكون متصرفا في كل الأمة، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على أن الشخص المذكور فيها يجب أن يكون إمام الأمة.
أما بيان المقام الثاني : وهو أنه لما ثبت ما ذكرنا وجب أن يكون ذلك الإنسان هو علي بن أبي طالب، وبيانه من وجوه : الأول : أن كل من أثبت بهذه الآية إمامة شخص قال : إن ذلك الشخص هو علي، وقد ثبت بما قدمنا دلالة هذه الآية على إمامة شخص، فوجب أن يكون ذلك الشخص هو علي، ضرورة أنه لا قائل بالفرق. الثاني : تظاهرت الروايات على أن هذه الآية نزلت في حق علي، ولا يمكن المصير إلى قول من يقول : إنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، لأنها لو نزلت في حقه لدلت على إمامته، وأجمعت الأمة على أن هذه الآية لا تدل على إمامته، فبطل هذا القول، والثالث : أن قوله ﴿وهم راكعون﴾ لا يجوز جعله عطفا على ما تقدم، لأن الصلاة قد تقدمت، والصلاة مشتملة على الركوع، فكانت إعادة ذكر الركوع تكرارا، فوجب جعله حالا أي يؤتون الزكاة حال كونهم راكعين، وأجمعوا على أن إيتاء الزكاة حال الركوع لم يكن إلا في حق علي، فكانت الآية مخصوصة به ودالة على إمامته من الوجه الذي قررناه، وهذا حاصل استدلال القوم بهذه الآية على إمامة علي عليه السلام.
والجواب : أما حمل لفظ الولي على الناصر وعلى المتصرف معا فغير جائز، لما ثبت في أصول الفقه أنه لا يجوز حمل اللفظ المشترك على مفهوميه معا.
أما الوجه الثاني : فنقول : لم لا يجوز أن يكون المراد من لفظ الولي في هذه الآية الناصر والمحب، ونحن نقيم الدلالة على أن حمل لفظ الولي على هذا المعنى أولى من حمله على معنى المتصرف. ثم نجيب عما قالوه فنقول : الذي يدل على أن حمله على الناصر أولى وجوه : الأول : أن اللائق بما قبل هذه الآية وبما بعدها ليس إلا هذا المعنى، أما ما قبل هذه لآية فلأنه تعالى قال :﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء﴾ وليس المراد لا تتخذوا اليهود والنصارى أئمة متصرفين في أرواحكم وأموالكم لأن بطلان هذا كالمعلوم بالضرورة، بل المراد لا تتخذوا اليهود والنصارى أحبابا وأنصارا، ولا تخالطوهم ولا تعاضدوهم، ثم لما بالغ في النهي عن ذلك قال : إنما وليكم الله ورسوله والمؤمنون والموصوفون، والظاهر أن الولاية المأمور بها هاهنا هي المنهي عنها فيما قبل، ولما كانت الولاية المنهي عنها فيما قبل هي الولاية بمعنى النصرة كانت الولاية المأمور بها هي الولاية بمعنى النصرة، وأما ما بعد هذه الآية فهي قوله ﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين﴾ فأعاد النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى والكفار أولياء، ولا شك أن الولاية المنهي عنها هي الولاية بمعنى النصرة، فكذلك الولاية في قوله ﴿إنما وليكم الله﴾ يجب أن تكون هي بمعنى النصرة، وكل من أنصف وترك التعصب وتأمل في مقدمة الآية وفي مؤخرها قطع بأن الولي في قوله ﴿إنما وليكم الله﴾ ليس إلا بمعنى الناصر والمحب، ولا يمكن أن يكون بمعنى الإمام، لأن ذلك يكون إلقاء كلام أجنبي فيما بين كلامين مسوقين لغرض واحد، وذلك يكون في غاية الركاكة والسقوط، ويجب تنزيه كلام الله تعالى عنه.
الحجة الثانية : أنا لو حملنا الولاية على التصرف والإمامة لما كان المؤمنون المذكورين في الآية موصوفين بالولاية حال نزول الآية، لأن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ما كان نافذ التصرف حال حياة الرسول، والآية تقتضي كون هؤلاء المؤمنون موصوفين بالولاية في الحال، أما لو حملنا الولاية على المحبة والنصرة كانت الولاية حاصلة في الحال، فثبت أن حمل الولاية على المحبة أولى من حملها على التصرف، والذي يؤكد ما قلناه أنه تعالى منع المؤمنين من اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، ثم أمرهم بموالاة هؤلاء المؤمنين، فلابد وأن تكون موالاة هؤلاء المؤمنين حاصلة في الحال حتى يكون النفي والإثبات متواردين على شيء واحد، ولما كانت الولاية بمعنى التصرف غير حاصلة في الحال امتنع حمل الآية عليها.
الحجة الثالثة : أنه تعالى ذكر المؤمنين الموصوفين في هذه الآية بصيغة الجمع في سبعة مواضع وهي قوله ﴿والذين ءامنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكواة وهم راكعون﴾ وحمل ألفاظ الجمع وإن جاز على الواحد على سبيل التعظم لكنه مجاز لا حقيقة، والأصل حمل الكلام على الحقيقة.
الحجة الرابعة : أنا قد بينا بالبرهان البين أن الآية المتقدمة وهي قوله ﴿يأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه﴾ إلى آخر الآية من أقوى الدلائل على صحة إمامة أبي بكر، فلو دلت هذه الآية على صحة إمامة علي بعد الرسول لزم التناقض بين الآيتين، وذلك باطل، فوجب القطع بأن هذه الآية لا دلالة فيها على أن عليا هو الإمام بعد الرسول.
الحجة الخامسة : أن علي بن أبي طالب كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الروافض، فلو كانت هذه الآية دالة على إمامته لاحتج بها في محفل من المحافل، وليس للقوم أن يقولوا : إنه تركه للتقية فإنهم ينقلون عنه أنه تمسك يوم الشورى بخبر الغدير، وخبر المباهلة، وجميع فضائله ومناقبه، ولم يتمسك البتة بهذه الآية في إثبات إمامته، وذلك يوجب القطع بسقوط قول هؤلاء الروافض لعنهم الله.
الحجة السادسة : هي أنها دالة على إمامة علي، لكنا توافقنا على أنها عند نزولها ما دلت على حصول الإمامة في الحال : لأن عليا ما كان نافذ التصرف في الأمة حال حياة الرسول عليه الصلاة والسلام، فلم يبق إلا أن تحمل الآية على أنها تدل على أن عليا سيصير إماما بعد ذلك، ومتى قالوا ذلك فنحن نقول بموجبه ونحمله على إمامته بعد أبي بكر وعمر وعثمان، إذ ليس في الآية ما يدل على تعيين الوقت، فإن قالوا : الأمة في هذه الآية على قولين : منهم من قال : إنها لا تدل على إمامة علي، ومنهم من قال : إنها تدل على إمامته، وكل من قال بذلك قال : إنها تدل على إمام
وجه النظم أنه تعالى لما نهى في الآيات المتقدمة عن موالاة الكفار أمر في هذه الآية بموالاة من يجب موالاته وقال :﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا﴾ أي المؤمنون الموصوفون بالصفات المذكورة، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في قوله ﴿والذين ءامنوا﴾ قولان : الأول : أن المراد عامة المؤمنين، وذلك لأن عبادة بن الصامت لما تبرأ من اليهود وقال : أنا بريء إلى الله من حلف قريظة والنضير، وأتولى الله ورسوله نزلت هذه الآية على وفق قوله. وروي أيضا أن عبد الله بن سلام قال : يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل، فنزلت هذه الآية، فقال رضينا بالله ورسوله وبالمؤمنين أولياء، فعلى هذا : الآية عامة في حق كل المؤمنين، فكل من كان مؤمنا فهو ولي كل المؤمنين، ونظيره قوله تعالى :﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ وعلى هذا فقوله ﴿الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكواة﴾ صفة لكل المؤمنين، والمراد بذكر هذه الصفات تمييز المؤمنين عن المنافقين لأنهم كانوا يدعون الإيمان، إلا أنهم ما كانوا مداومين على الصلوات والزكوات، قال تعالى في صفة صلاتهم ﴿ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى﴾ وقال :﴿يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا﴾ وقال في صفة زكاتهم ﴿أشحة على الخير﴾ وأما قوله ﴿وهم راكعون﴾ ففيه على هذا القول وجوه : الأول : قال أبو مسلم : المراد من الركوع الخضوع، يعني أنهم يصلون ويزكون وهم منقادون خاضعون لجميع أوامر الله ونواهيه والثاني : أن يكون المراد : من شأنهم إقامة الصلاة، وخص الركوع بالذكر تشريفا له كما في قوله ﴿واركعوا مع الراكعين﴾ والثالث : قال بعضهم : إن أصحابه كانوا عند نزول هذه الآية مختلفون في هذه الصفات، منهم من قد أتم الصلاة، ومنهم من دفع المال إلى الفقير، ومنهم من كان بعد في الصلاة وكان راكعا، فلما كانوا مختلفين في هذه الصفات لا جرم ذكر الله تعالى كل هذه الصفات.
القول الثاني : أن المراد من هذه الآية شخص معين، وعلى هذا ففيه أقوال : روى عكرمة أن هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه. والثاني : روى عطاء عن ابن عباس أنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام. روي أن عبد الله بن سلام قال : لما نزلت هذه الآية قلت يا رسول أنا رأيت عليا تصدق بخاتمه على محتاج وهو راكع، فنحن نتولاه. وروي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال : صليت مع رسول الله ﷺ يوما صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء وقال : اللهم أشهد أني سألت في مسجد الرسول ﷺ فما أعطاني أحد شيئا، وعلي عليه السلام كان راكعا، فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم بمرأى النبي ﷺ، فقال :
«اللهم إن أخي موسى سألك » فقال :﴿رب اشرح لي صدري﴾ إلى قوله ﴿وأشركه في أمري﴾ فأنزلت قرآنا ناطقا ﴿سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا﴾ اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي عليا أشدد به ظهري. قال أبو ذر : فوالله ما أتم رسول الله هذه الكلمة حتى نزل جبريل فقال : يا محمد إقرأ ﴿إنما وليكم الله ورسوله﴾ إلى أخرها، فهذا مجموع مع يتعلق بالروايات في هذه المسألة.
المسألة الثانية : قالت الشيعة : هذه الآية دالة على أن الإمام بعد رسول الله ﷺ هو علي بن أبي طالب، وتقريره، أن نقول : هذه الآية دالة على أن المراد بهذه الآية إمام، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن يكون ذلك الإمام هو علي بن أبي طالب.
بيان المقام الأول : أن الولي في اللغة قد جاء بمعنى الناصر والمحب، كما في قوله ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ وجاء بمعنى المتصرف. قال عليه الصلاة والسلام :«أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها » فنقول : هاهنا وجهان : الأول : أن لفظ الولي جاء بهذين المعنيين ولم يعين الله مراده، ولا منافاة بين المعنيين، فوجب حمله عليهما، فوجب دلالة الآية على أن المؤمنين المذكورين في الآية متصرفون في الأمة. الثاني : أن نقول : الولي في هذه الآية لا يجوز أن يكون بمعنى الناصر، فوجب أن يكون بمعنى المتصرف، وإنما قلنا : إنه لا يجوز أن يكون بمعنى الناصر، لأن الولاية المذكورة في هذه الآية غير عامة في كل المؤمنين، بدليل أنه تعالى ذكر بكلمة ﴿إنما﴾ وكلمة ﴿إنما﴾ للحصر، كقوله :﴿إنما الله إله واحد﴾ والولاية بمعنى النصرة عامة لقوله ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ وهذا يوجب القطع بأن الولاية المذكورة في هذه الآية ليست بمعنى النصرة، وإذا لم تكن بمعنى النصرة كانت بمعنى التصرف، لأنه ليس للولي معنى سوى هذين، فصار تقدير الآية : إنما المتصرف فيكم أيها المؤمنون هو الله ورسوله والمؤمنون الموصوفون بالصفة الفلانية، وهذا يقتضي أن المؤمنين الموصوفين بالصفات المذكورة في هذه الآية متصرفون في جميع الأمة، ولا معنى للإمام إلا الإنسان الذي يكون متصرفا في كل الأمة، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على أن الشخص المذكور فيها يجب أن يكون إمام الأمة.
أما بيان المقام الثاني : وهو أنه لما ثبت ما ذكرنا وجب أن يكون ذلك الإنسان هو علي بن أبي طالب، وبيانه من وجوه : الأول : أن كل من أثبت بهذه الآية إمامة شخص قال : إن ذلك الشخص هو علي، وقد ثبت بما قدمنا دلالة هذه الآية على إمامة شخص، فوجب أن يكون ذلك الشخص هو علي، ضرورة أنه لا قائل بالفرق. الثاني : تظاهرت الروايات على أن هذه الآية نزلت في حق علي، ولا يمكن المصير إلى قول من يقول : إنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، لأنها لو نزلت في حقه لدلت على إمامته، وأجمعت الأمة على أن هذه الآية لا تدل على إمامته، فبطل هذا القول، والثالث : أن قوله ﴿وهم راكعون﴾ لا يجوز جعله عطفا على ما تقدم، لأن الصلاة قد تقدمت، والصلاة مشتملة على الركوع، فكانت إعادة ذكر الركوع تكرارا، فوجب جعله حالا أي يؤتون الزكاة حال كونهم راكعين، وأجمعوا على أن إيتاء الزكاة حال الركوع لم يكن إلا في حق علي، فكانت الآية مخصوصة به ودالة على إمامته من الوجه الذي قررناه، وهذا حاصل استدلال القوم بهذه الآية على إمامة علي عليه السلام.
والجواب : أما حمل لفظ الولي على الناصر وعلى المتصرف معا فغير جائز، لما ثبت في أصول الفقه أنه لا يجوز حمل اللفظ المشترك على مفهوميه معا.
أما الوجه الثاني : فنقول : لم لا يجوز أن يكون المراد من لفظ الولي في هذه الآية الناصر والمحب، ونحن نقيم الدلالة على أن حمل لفظ الولي على هذا المعنى أولى من حمله على معنى المتصرف. ثم نجيب عما قالوه فنقول : الذي يدل على أن حمله على الناصر أولى وجوه : الأول : أن اللائق بما قبل هذه الآية وبما بعدها ليس إلا هذا المعنى، أما ما قبل هذه لآية فلأنه تعالى قال :﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء﴾ وليس المراد لا تتخذوا اليهود والنصارى أئمة متصرفين في أرواحكم وأموالكم لأن بطلان هذا كالمعلوم بالضرورة، بل المراد لا تتخذوا اليهود والنصارى أحبابا وأنصارا، ولا تخالطوهم ولا تعاضدوهم، ثم لما بالغ في النهي عن ذلك قال : إنما وليكم الله ورسوله والمؤمنون والموصوفون، والظاهر أن الولاية المأمور بها هاهنا هي المنهي عنها فيما قبل، ولما كانت الولاية المنهي عنها فيما قبل هي الولاية بمعنى النصرة كانت الولاية المأمور بها هي الولاية بمعنى النصرة، وأما ما بعد هذه الآية فهي قوله ﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين﴾ فأعاد النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى والكفار أولياء، ولا شك أن الولاية المنهي عنها هي الولاية بمعنى النصرة، فكذلك الولاية في قوله ﴿إنما وليكم الله﴾ يجب أن تكون هي بمعنى النصرة، وكل من أنصف وترك التعصب وتأمل في مقدمة الآية وفي مؤخرها قطع بأن الولي في قوله ﴿إنما وليكم الله﴾ ليس إلا بمعنى الناصر والمحب، ولا يمكن أن يكون بمعنى الإمام، لأن ذلك يكون إلقاء كلام أجنبي فيما بين كلامين مسوقين لغرض واحد، وذلك يكون في غاية الركاكة والسقوط، ويجب تنزيه كلام الله تعالى عنه.
الحجة الثانية : أنا لو حملنا الولاية على التصرف والإمامة لما كان المؤمنون المذكورين في الآية موصوفين بالولاية حال نزول الآية، لأن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ما كان نافذ التصرف حال حياة الرسول، والآية تقتضي كون هؤلاء المؤمنون موصوفين بالولاية في الحال، أما لو حملنا الولاية على المحبة والنصرة كانت الولاية حاصلة في الحال، فثبت أن حمل الولاية على المحبة أولى من حملها على التصرف، والذي يؤكد ما قلناه أنه تعالى منع المؤمنين من اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، ثم أمرهم بموالاة هؤلاء المؤمنين، فلابد وأن تكون موالاة هؤلاء المؤمنين حاصلة في الحال حتى يكون النفي والإثبات متواردين على شيء واحد، ولما كانت الولاية بمعنى التصرف غير حاصلة في الحال امتنع حمل الآية عليها.
الحجة الثالثة : أنه تعالى ذكر المؤمنين الموصوفين في هذه الآية بصيغة الجمع في سبعة مواضع وهي قوله ﴿والذين ءامنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكواة وهم راكعون﴾ وحمل ألفاظ الجمع وإن جاز على الواحد على سبيل التعظم لكنه مجاز لا حقيقة، والأصل حمل الكلام على الحقيقة.
الحجة الرابعة : أنا قد بينا بالبرهان البين أن الآية المتقدمة وهي قوله ﴿يأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه﴾ إلى آخر الآية من أقوى الدلائل على صحة إمامة أبي بكر، فلو دلت هذه الآية على صحة إمامة علي بعد الرسول لزم التناقض بين الآيتين، وذلك باطل، فوجب القطع بأن هذه الآية لا دلالة فيها على أن عليا هو الإمام بعد الرسول.
الحجة الخامسة : أن علي بن أبي طالب كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الروافض، فلو كانت هذه الآية دالة على إمامته لاحتج بها في محفل من المحافل، وليس للقوم أن يقولوا : إنه تركه للتقية فإنهم ينقلون عنه أنه تمسك يوم الشورى بخبر الغدير، وخبر المباهلة، وجميع فضائله ومناقبه، ولم يتمسك البتة بهذه الآية في إثبات إمامته، وذلك يوجب القطع بسقوط قول هؤلاء الروافض لعنهم الله.
الحجة السادسة : هي أنها دالة على إمامة علي، لكنا توافقنا على أنها عند نزولها ما دلت على حصول الإمامة في الحال : لأن عليا ما كان نافذ التصرف في الأمة حال حياة الرسول عليه الصلاة والسلام، فلم يبق إلا أن تحمل الآية على أنها تدل على أن عليا سيصير إماما بعد ذلك، ومتى قالوا ذلك فنحن نقول بموجبه ونحمله على إمامته بعد أبي بكر وعمر وعثمان، إذ ليس في الآية ما يدل على تعيين الوقت، فإن قالوا : الأمة في هذه الآية على قولين : منهم من قال : إنها لا تدل على إمامة علي، ومنهم من قال : إنها تدل على إمامته، وكل من قال بذلك قال : إنها تدل على إمام