الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ﴾ : الآية، فالذين وصلته هو المفعولُ الأول لقولِه :﴿ولا تتَّخِذوا﴾ والمفعول الثاني هو قوله :" أولياء " و " دينَكم " مفعولٌ أولُ ل " اتخذوا " و " هُزُوا " مفعول ثان، وتقدَّم ما في " هُزْءاً " من القراءات والاشتقاق. وقوله :﴿مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ﴾ فيه وجهان، أحدُهما : أنه في محل نصب على الحال، وصاحبها فيه وجهان أحدُهما : أنه الموصولُ / الأول. والثاني : أنه فاعل " اتَّخذوا " الثاني من الوجهين الأولين أنه بيان للموصول الأول، فتكونُ " مِنْ " لبيانِ الجنس، وقوله :﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ متعلق " ب " أوتوا " ؛ لأنهم أُوتوا الكتابَ قبل المؤمنين، والمرادُ بالكتابِ الجنسُ.
قوله :﴿وَالْكُفَّارَ﴾ قرأ أبو عمرو والكسائي :" والكفارِ " بالخفض، والباقون بالنصب، وهما واضحتان، فقراءةُ الخفض عَطْفٌ على الموصول المجرور ب " من " ومعناها أنه نهاهم أن تيخذوا المستهزئين أولياءَ، وبيَّن أن المستهزئين صنفان : أهلُ كتاب متقدم وهم اليهود والنصارى، وكفارٌ عبدةُ أوثان، وإن كانَ اسمُ الكفر ينطلق على الفريقين، إلا أنه غَلَب على عبدة الأوثان : الكفار، وعلى اليهود والنصارى : أهل الكتاب. قال الواحدي :" وحجةُ هذه القراءة من التنزيلِ قولُه تعالى :﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥] اتفقوا على جَرِّ " المشركين " عطفاً على أهل الكتاب، ولم يُعْطَفْ على العامل الرافعِ " يعني بذلك أنه قد أَطْلَق الكفار على أهل الكتاب وعلى عبدة الأوثان : المشركين، ويدل على أنَّ المرادَ بالكفار في آية المائدة المشركون قراءةُ عبد الله :﴿ومن الذين أشركوا﴾ ورُجِّحت قراءةُ أبي عمرو وأيضاً بالقرب، فإن المعطوفَ عليه قريبٌ، ورُجِّحت أيضاً بقراءة أُبَيّ :" ومن الكفار " بالإِتيان ب " من " وأمَّا قراءةُ الباقين فوجهُها أنه عطفٌ على الموصول الأول أي : لا تتخذوا المستهزئين ولا الكفار أولياء، فهو كقوله تعالى :﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[آل عمران: ٢٨]، إلا أنه ليس في هذه القراءة تعرُّضٌ للإِخبار باستهزاءِ المشركين "، وهم مستهزئون أيضاً، قال تعالى :﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]، والمراد بهم مشركو العربِ، ولوضوحِ قراءةِ الجرِّ قال مكي بن أبي طالب :" ولولا اتفاقٌ الجماعة على النصب لاخترت الخفضَ لقوتِه في المعنى، ولقربِ المعطوف من المعطوف عليه ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى