اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
لما نهى في الآية الأولى عن اتَّخَاذِ اليَهُود والنَّصَارى أوْلِيَاء، نهى هُنَا عن جَمِيع مُوالاَةِ الكُفَّار على العُمُوم، ف " الَّذِين " وصلتُهُ هو المَفْعُولُ الأوّلِ لقوله " لا تتَّخِذُوا "، والمفعُول الثاني : هو قوله " أوْلِيَاء "، و " دِينُكُم " مَفْعُول ل " اتَّخذُوا "، و " هُزُواً " مفعول ثان، وتقدَّم ما في " هُزْءاً " من القِراءَات والاشْتِقَاق.
قوله تعالى :﴿مِنَ الَّذِين أوتُوا﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أنَّهُ في محلِّ نَصْبٍ على الحَالِ، وصاحِبُها فيه وجهان :
أحدها : أنَّهُ الموصول الأوَّل.
والثاني : أنَّه فاعل " اتَّخَذُوا " والثاني من الوَجْهَيْن الأوَّلين : أنه بيانٌ للموصُول الأوَّل، فتكون " مِن " لِبَيَان الجِنْس.
وقوله تعالى :" مِنْ قَبْلكم " متعلِّق ب " أوتُوا " ؛ لأنَّهم أوتُوا الكِتَاب قَبْلَ المُؤمِنين، والمُرَاد بالكِتَاب : الجِنْس.
قال ابن عبَّاس - رضي الله تعالى عنهما - كان رِفاعة بن زَيْد بن التَّابُوت، وسُوَيْد بن الحَارِث قد أظهرا الإسْلام ثم نافَقَا، وكان رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمين يوادُّونَهُما، فأنْزل اللَّه - تعالى - هذه الآية(١)، ومعنى تَلاَعُبِهم واستهْزَائِهِم، إظْهَار ذلك باللِّسَان مع الإصْرَارِ على الكُفْر في القَلْبِ، ونَظِيرُه قوله في ذَلِك في سُورة " البقرة " :﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوا آمَنَّا﴾ [ آية : ١٤ ] إلى قوله :﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [ آية : ١٤ ]، والمعنى : أنَّ القَوْم لمَّا(٢) اتَّخَذُوا دينكُمْ هُزُواً ولَعِباً وسُخْرِية، فلا تتَّخِذُوهم أوْلِيَاء وأنْصَاراً وأحْبَاباً، فإن ذلك الأمْرَ خَارجٌ عن العَقْلِ والمرُوءَة.
قوله تعالى :" والكُفَّار " قرأ أبُو عَمْرو(٣) والكِسَائي :" والكُفَّارِ " بالخَفْض، والباقُون بالنَّصْب، وهما واضِحَتَانِ، فَقِرَاءة الخَفْضِ عَطْفٌ على المَوْصُول المَجْرُور ب " مِنْ "، ومعناها : أنَّه نَهَاهم أن يتَّخِذُوا المُسْتَهْزِئين أوْلِيَاء، وبَيَّنَ أن المُسْتَهْزِئين صِنفان : أهلُ كتاب متقدِّم، وهم اليَهُود والنَّصارى، وكفارٌ عَبَدة أوْثَان، وإن كان اسم الكُفْر ينطلقُ على الفَرِيقين، إلا أنَّه غَلَبَ على عَبَدَةِ الأوْثان : الكُفَّار، وعلى اليهُود والنَّصارى : أهْل الكِتَاب.
وقال تعالى :﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١]، وقال تعالى :﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥]، اتَّفقوا على جر " المُشْركين " عَطْفاً على أهْل الكِتَاب، ولم يَعْطف على العَامِل الرَّافع قاله الواحدي.
يعني [ بذلك ](٤) : أنَّه أطلق الكُفَّار على أهْلِ الكِتَاب، وعلى عبدةِ الأوْثَانِ المُشْرِكِين، ويدلُّ على أنَّ المُرَاد بالكُفَّار في آية المَائِدة " المُشْرِكُون "، قراءة عبد الله(٥) " ومِنَ الَّذِين أشْرَكُوا " ورُجِّحت قراءة أبِي عَمْرو أيضاً بالقُرْب، فإن المَعْطُوف عليه قرِيب، ورُجِّحَتْ أيضاً بقراءة أبَيّ " وَمِنَ الكُفَّار " بالإتْيَان ب " مِنْ ".
وأما قراءة البَاقِين، فوَجْهُهَا أنَّه عطف على المَوْصُول الأوَّل، أي : لا تَتَّخذُوا المُسْتَهْزِئين، ولا الكُفَّار أوْلِيَاء، فهو كقوله تعالى :﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨]، إلاَّ أنه ليس في هذه القراءة تَعَرُّضٌ للإخْبَار باسْتِهْزَاء المُشْرِكين، وهم مُسْتَهْزِئُون أيْضاً، قال تعالى :﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] فالمراد به : مُشْرِكو العرَب، ولوضوح قِرَاءة الجرِّ قال مَكي بن أبِي طالب :" ولولا اتِّفَاقُ الجماعةِ على النَّصْب، لاخترتُ الخَفْض لقوَّته في المَعْنى، ولِقُرْب المَعْطُوف من المَعْطُوف عليه ".
ثم قال تعالى :﴿اتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، والمعنى ظاهِر.
قوله تعالى :﴿مِنَ الَّذِين أوتُوا﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أنَّهُ في محلِّ نَصْبٍ على الحَالِ، وصاحِبُها فيه وجهان :
أحدها : أنَّهُ الموصول الأوَّل.
والثاني : أنَّه فاعل " اتَّخَذُوا " والثاني من الوَجْهَيْن الأوَّلين : أنه بيانٌ للموصُول الأوَّل، فتكون " مِن " لِبَيَان الجِنْس.
وقوله تعالى :" مِنْ قَبْلكم " متعلِّق ب " أوتُوا " ؛ لأنَّهم أوتُوا الكِتَاب قَبْلَ المُؤمِنين، والمُرَاد بالكِتَاب : الجِنْس.
فصل
قال ابن عبَّاس - رضي الله تعالى عنهما - كان رِفاعة بن زَيْد بن التَّابُوت، وسُوَيْد بن الحَارِث قد أظهرا الإسْلام ثم نافَقَا، وكان رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمين يوادُّونَهُما، فأنْزل اللَّه - تعالى - هذه الآية(١)، ومعنى تَلاَعُبِهم واستهْزَائِهِم، إظْهَار ذلك باللِّسَان مع الإصْرَارِ على الكُفْر في القَلْبِ، ونَظِيرُه قوله في ذَلِك في سُورة " البقرة " :﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوا آمَنَّا﴾ [ آية : ١٤ ] إلى قوله :﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [ آية : ١٤ ]، والمعنى : أنَّ القَوْم لمَّا(٢) اتَّخَذُوا دينكُمْ هُزُواً ولَعِباً وسُخْرِية، فلا تتَّخِذُوهم أوْلِيَاء وأنْصَاراً وأحْبَاباً، فإن ذلك الأمْرَ خَارجٌ عن العَقْلِ والمرُوءَة.
قوله تعالى :" والكُفَّار " قرأ أبُو عَمْرو(٣) والكِسَائي :" والكُفَّارِ " بالخَفْض، والباقُون بالنَّصْب، وهما واضِحَتَانِ، فَقِرَاءة الخَفْضِ عَطْفٌ على المَوْصُول المَجْرُور ب " مِنْ "، ومعناها : أنَّه نَهَاهم أن يتَّخِذُوا المُسْتَهْزِئين أوْلِيَاء، وبَيَّنَ أن المُسْتَهْزِئين صِنفان : أهلُ كتاب متقدِّم، وهم اليَهُود والنَّصارى، وكفارٌ عَبَدة أوْثَان، وإن كان اسم الكُفْر ينطلقُ على الفَرِيقين، إلا أنَّه غَلَبَ على عَبَدَةِ الأوْثان : الكُفَّار، وعلى اليهُود والنَّصارى : أهْل الكِتَاب.
وقال تعالى :﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١]، وقال تعالى :﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥]، اتَّفقوا على جر " المُشْركين " عَطْفاً على أهْل الكِتَاب، ولم يَعْطف على العَامِل الرَّافع قاله الواحدي.
يعني [ بذلك ](٤) : أنَّه أطلق الكُفَّار على أهْلِ الكِتَاب، وعلى عبدةِ الأوْثَانِ المُشْرِكِين، ويدلُّ على أنَّ المُرَاد بالكُفَّار في آية المَائِدة " المُشْرِكُون "، قراءة عبد الله(٥) " ومِنَ الَّذِين أشْرَكُوا " ورُجِّحت قراءة أبِي عَمْرو أيضاً بالقُرْب، فإن المَعْطُوف عليه قرِيب، ورُجِّحَتْ أيضاً بقراءة أبَيّ " وَمِنَ الكُفَّار " بالإتْيَان ب " مِنْ ".
وأما قراءة البَاقِين، فوَجْهُهَا أنَّه عطف على المَوْصُول الأوَّل، أي : لا تَتَّخذُوا المُسْتَهْزِئين، ولا الكُفَّار أوْلِيَاء، فهو كقوله تعالى :﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨]، إلاَّ أنه ليس في هذه القراءة تَعَرُّضٌ للإخْبَار باسْتِهْزَاء المُشْرِكين، وهم مُسْتَهْزِئُون أيْضاً، قال تعالى :﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] فالمراد به : مُشْرِكو العرَب، ولوضوح قِرَاءة الجرِّ قال مَكي بن أبِي طالب :" ولولا اتِّفَاقُ الجماعةِ على النَّصْب، لاخترتُ الخَفْض لقوَّته في المَعْنى، ولِقُرْب المَعْطُوف من المَعْطُوف عليه ".
ثم قال تعالى :﴿اتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، والمعنى ظاهِر.
١ أخرجه الطبري في "تفسيره"(٤/٦٣٠) عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٥٢١) وزاد نسبته لابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ..
٢ في أ: إنما..
٣ وروى حسين الجعفي عن أبي عمرو "والكفار" بالنصب.
ينظر: الحجة ٣/٢٣٤، والسبعة ٢٤٥، وحجة القراءات ٢٣٠، والعنوان ٨٨، وشرح شعلة ٣٥٢، وشرح الطيبة ٤/٢٣٢، وإتحاف ١/٥٣٩..
٤ سقط في أ..
٥ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٢٠٩، والبحر المحيط ٣/٥٢٦، والدر المصون ٢/٥٥٢..
٢ في أ: إنما..
٣ وروى حسين الجعفي عن أبي عمرو "والكفار" بالنصب.
ينظر: الحجة ٣/٢٣٤، والسبعة ٢٤٥، وحجة القراءات ٢٣٠، والعنوان ٨٨، وشرح شعلة ٣٥٢، وشرح الطيبة ٤/٢٣٢، وإتحاف ١/٥٣٩..
٤ سقط في أ..
٥ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٢٠٩، والبحر المحيط ٣/٥٢٦، والدر المصون ٢/٥٥٢..