اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
لما حكى عنهم أنهم اتَّخَذُوا دِين الإسلام هُزُواً ولعِباً، فقال : ما الذي تَجِدُون فيه ممَّا يُوجِب اتَّخَاذه هُزُواً ولعباً ؟
قوله تعالى :" هل تَنْقِمُون " : قراءة الجُمْهُور بكسر القَافِ، وقراءة(١) النَّخْعي، وابن أبي عَبْلَة، وأبي حَيْوَة بِفَتْحها، وهاتان القِرَاءتَانِ مفرَّعَتَان على المَاضِي، وفيه لُغَتَان : الفُصْحَى، وهي التي حَكَاهَا ثَعْلَب في " فَصِيحه " : نَقَم بفتح القَاف، يَنْقِم بِكَسْرها.
والأخرى : نَقِم بكسر القاف يَنْقَمُ بفَتْحِها، وحكاها الكَسَائي، ولم يَقْرأ في قوله تعالى :﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ﴾ [البروج: ٨] إلا بالفتح.
قال الكسَائِي(٢) :" نقِم " بالكسر لُغَةً، ونَقَمْتُ الأمْر أيضاً، وَنَقِمْتُهُ إذا كَرِهْته، وانْتَقَم اللَّه منه إذا عَاقَبَه، والاسم منه : النِّقْمة، والجمع نَقِمَاتٌ ونَقِمٌ مثل كَلِمة وكَلِمَات وكَلِم، وإن شِئْت سَكَّنت القَافَ، ونَقَلْت حَرَكَتَها إلى النُّون فقلت نِقْمة، والجَمْع : نِقَم، مثل نِعْمة وَنِعَم، نقله القرطبي وأدغم الكسَائِي لام " أهَلْ " في تَاء " تَنْقِمُون "، وَلِذَلِكَ تُدْغَمُ لام " هَلْ " في التَّاء والنُّون ووافقه حَمْزة في التَّاء والثَّاء وأبُو عَمْرٍو في " هَلْ تَرَى " في موضعَيْن.

فصل


قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : أتى رسُول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - نَفَرٌ من اليَهُود : أبو يَاسِر بن أخْطَب، ورَافِع بن أبي رَافِع وغيرهما، فَسَألُوه : عمَّن يُؤمِن به من الرُّسُل، فقال :﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة: ١٣٦]، إلى قوله :﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] فلما ذكر عيسى - عليه الصلاة والسلام - جَحَدُوا نُبُوتَهُ، وقالُوا : والله ما نَعْلَمُ أهْلَ دِينٍ أكْثَر خَطَأ في الدُّنْيَا والآخِرَة مِنْكُم، ولا دِيناً شرًّا من دينكُمْ، فأنْزَل الله هذه الآية الكريمة(٣).
قوله تعالى :﴿إِلاَّ أَن آمَنَّا بِاللهِ﴾، مفعول ل " تَنْقِمُون " بمعنى : تَكْرَهُون وتَعِيبُون، وهو استِثْنَاء مُفَرَّغٌ.
و " مِنَّا " متعلِّق به، أيْ : ما تَكْرَهُون من جِهَتِنَا، إلاَّ الإيمَان وأصل " نَقَمَ " أن يتعدَّى ب " عَلَى "، نقول :" نَقَمْتُ عليْهِ كذا " وإنَّما عُدِّيَ هُنَا ب " مِنْ " لِمَعْنًى يَأتي.
وقال أبُو البَقَاء(٤) : و " منَّا " مفعول " تَنْقِمُون " الثَّاني، وما بَعْد " إلاَّ " هو المَفعُول الأوَّل، ولا يجُوز أن يكُون " منَّا " حالاً من " أنْ " والفِعْل لأمْرين :
أحدهما : تقدُّمُ الحالِ على " إلاَّ ".
والثاني : تقدم الصِّلَة على الموْصُول، والتَّقْدِير : هل تَكْرَهُون مِنَّا إلاَّ إيماننا. انتهى.
وفي قوله : مَفْعُول أوَّل، ومفعول ثَان نَظَر ؛ لأنَّ الأفْعَال الَّتِي تتعدَّى لاثْنَيْن إلى أحدهما بِنَفْسِها، وإلى الآخَرِ بحَرْف الجرِّ مَحْصُورة ك " أمر "، و " اخْتَار "، و " استغْفَرَ "، و " صَدَّق " و " سَمَّى "، و " دَعَا " بمعناه، و " زَوَّج "، و " نَبَّأ "، و " أنْبَأ "، و " خَبَّر "، و " أخْبَر "، و " حَدَّث " غير مُضَمَّنَةٍ معنى " أعْلَم "، وكلُّها يَجُوز فيها إسْقَاط الخَافِضِ والنَّصب، ولَيْسَ هذا مِنْها(٥).
وقوله :" ولا يجُوز أن يكُونَ حالاً " يعني : أنَّه لو تَأخَّر بعد " أن آمَنَّا " لَفْظَة " مِنّا "، لجاز أن تكون حَالاً من المصْدر المؤوَّل من " أنْ " وصلَتِها، ويَصِير التَّقْدِير : هل تكرهون إلاَّ الإيمان في حال كونه " منا "، لَكِنَّهُ امتنع من تقدُّمِهِ على " أنْ آمنَّا " للوجهين المذكورين.
أحدهما : تقدُّمه على " إلاّ " ويعني بذلك : أن الحال لا تتقدم على " إلاَّ ".
قال شهابُ الدِّين(٦) : ولا أدري ما يمنع ذلك لأنه إذا جعل " مِنَّا " حالاً من " أن " و " ما " في حيزها كان حال الحال مقدراً(٧)، ويكونُ صاحب الحال محصوراً، وإذا كان صاحب الحال محصوراً وَجَبَ تقديم الحال عليه، فيقال :" مَا جَاءَ رَاكِباً إلاَّ زَيْدٌ "، و " ما ضَربْتُ مَكْتُوفاً إلا عَمْراً "، ف " راكباً " و " مكتوفاً " حالان مقدمان وجوباً لحصر صاحبيهما فهذا مثله.
وقوله :" [ والثاني : تقدُّم الصلة على الموصول ](٨) " لم تتقدَّم صلة على موصول.
بيانه : أنَّ الموصول هو " أنْ "، والصلة " آمَنَّا "، و " منَّا " ليس متعلّقاً بالصلة، بل هو معمول لمقدَّر، ذلك المقدر في الحقيقة منصوب ب " تنقمون "، فَمَا أدْرِي ما توهمه حتى قال ما قال ؟
على أنه لا يجوز أن يكون حالاً، لكن لا لما ذكر ؛ بل لأنه يؤدي إلى أنه يصير التقدير :" هَلْ تَنْقِمُونَ إلا إيماننا منا " فمن نفس قوله :" إيماننا " فهم أنَّه منَّا، فلا فائدة فيه حينئذٍ.
فإن قيل : تكون حالاً مؤكدة.
قيل : هذا خلاف الأصل، وليس هذا من مَظَانِّهَا، وأيضاً فإنَّ هذا شبيه بتهيئة العامل للعمل، وقطعه عنه، فإن " تَنْقِمُونَ " يطلب هذا الجار طلباً ظاهراً.
وقرأ الجمهور " وما أنزل إلَيْنَا وما أنزل [ مِنْ قَبْل ](٩) " بالبناء للمفعول فيهما، وقرأ(١٠) أبو نهيك :" أنْزل، وأنْزل " بالبناء للفاعل، وكلتاهما واضحة.

فصل


المعنى : قُلْ لأهل الكتاب : لِمَ اتخذتم هذا الدين هزواً ولعباً، ثم قال على سبيلِ التعجب : هل تجدون في هذا الدين إلا الإيمان بالله ؟ ! فهو رَأسُ جميع الطاعات، وإلاَّ الإيمان بمحمد، وبجميع الأنبياء فهو الحق والصدق ؛ لأنه إذا كان الطريق إلى تصديق بعض الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في ادعاء الرسالة والنبوة هو المعجزة. ثم رأينا أن المعجز حصل على يدي محمد - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - فوجب الإقرار بكونه رسولاً، فأمَّا الإقرار بالبعض وإنكار البعض فذلك تناقض ومذهب باطل.
قوله تعالى :﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ قرأ الجمهور :" أنَّ " مفتوحة الهمزة.
وقرأ(١١) نعيم بن ميسرة بكسرها.
فأمَّا قراءة الجمهور فتحتمل " أنَّ " فيها أن تكون في محل رفع، أو نصب، أو جر، فالرفع من وجه واحد، وهو أن تكون مبتدأ، والخبر محذوف.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ(١٢) :" والخبر محذوف، أي : فسقكم ثابت معلوم عندكم ؛ لأنكم علمتم أنَّا على الحق، وأنْتُمْ على الباطل، إلا أن حب الرئاسة، وجمع الأموال لا يدعكم فتنصفوا ".
فقدر الخبر متأخراً.
قال أبُو حيَّان(١٣) : ولا ينبغي أن يُقَّدَرَ الخبر إلا مقدماً ؛ لأنه لا يبتدأ ب " أن " على الأصح إلا بعد " أمَّا " انتهى.
ويمكن أن يقال : يُغْتَفَرُ في الأمور التقديرية ما لا يغتفر في اللفظية، لا سيما أنَّ هذا جارٍ مجرى تفسير المعنى، والمراد إظهار ذلك الخبر [ كيف ] يُنْطَقُ به ؛ إذْ يقال : إنه يرى جواز الابتداء ب " أنَّ " مطلقاً، فحصل في تقدير الخبر وجهان بالنسبة إلى التقديم والتأخير.
وأمَّا النَّصْبُ فمن ستَّةِ أوجه :
أحدها : أن يُعْطَفَ على " أن آمنَّا " واستشكل هذا التخريج من حيث إنه يصير التقدير : هل تكرهون إلا إيماننا، وفسق أكثركم، وهم لا يعترفون بأن أكثرهم فاسقون حتى يكرهونه.
وأجاب الزمخشري وغيره عن ذلك بأن المعنى :" وما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا، وبين تمرُّدكم، وخروجكم عن الإيمان، كَأنَّه قِيلَ : وما تنكرون منا إلا مخالفتكم حَيْثُ دخلنا في دين الإسلام وأنتم خارجون منه ".
ونقل الواحدي عن بعضهم أن ذلك من باب المُقَابَلَة والازدواج، يعني أنه لما نقم اليهود عليهم الإيمان بجميع الرسل، وهو مما لا يُنْقَمُ ذَكَرَ في مُقَابلته فسقَهُمْ، وهو مما يُنْقَم، ومثل ذلك حَسًنٌ في الازدواج، يقول القائل :" هل تنقم مني إلا أن عفوت عنك، وأنَّكَ فاجر " فيحسن ذلك لإتمام المعنى بالمقابلة.
وقال أبُو البقاء(١٤) : والمعنى على هذا : إنكم كرهتم إيماننا وامتناعكم، أي كرهتم مخالفتنا إياكم وهذا كقولك للرجل :" ما كرهت مني إلا أني مُحَبَّبٌ للناس، وأنك مبغض "، وإن كان لا يعترف بأنه مبغض.
وقال ابن عطية(١٥) :﴿وأنَّ أكْثَرَكُمْ فاسِقُون﴾ هو عند أكثر المتأوِّلين معطوف على قوله :" أنْ آمنَّا "، فيدخل كونهم فاسقين فيما نَقَمُوهُ وهذا لا يتجه معناه.
ثم قال بعد كلام :" وإنَّمَا يَتَّجِهُ على أن يكون معنى المحاورة : هل تنقمون منا إلا مجموع هذه الحال من أنا مؤمنون وأنتم فاسقون، ويكون ﴿وأنَّ أكثركُمْ فَاسِقُون﴾ مما قرره المخاطب لهم، وهذا [ كما ](١٦) يقول لمن يخاصم :" هل تنقم عليَّ إلا أن صدقت أنا، وكذبت أنت "، وهو لا يُقِرُّ بأنه كاذب، ولا ينقم ذلك، لكن معنى كلامك : هل تنقم إلا مجموع هذه الحال " وهذا هو مجموع ما أجاب به الزَّمَخْشَرِيُّ والواحِديُّ.
الوجه الثاني من أوجه النصب : أن يكون معطوفاً على " أنْ آمنَّا " أيضاً، ولكن في الكلام مضاف محذوف لصحة المعنى، تقديره :" واعتقاد أنَّ أكثركم فاسقون " وهو معنى واضح، فإنَّ الكفار ينقمون اعتقاد المؤمنين أنهم فاسقون.
الثالث : أنه منصوب بفعل مقدر، تقديره : هل تنقمون منا إلا إيماننا، ولا تنقمون فسق أكثركم.
الرابع : أنه منصوب على المعيَّة، وتكون " الواو " بمعنى " مع " تقديره :" وما تنقمون منا إلا الإيمان مع أن أكثركم فاسقون ".
ذكر جميع هذه الأوجه أبُو القَاسِمِ الزَّمَخْشَرِيُّ(١٧) - رحمه الله -.
الخامس : أنه منصوب عَطْفاً على " أنْ آمنَّا "، و " أن آمنَّا " مفعول من أجله فهو منصوب، فعطف هذا عليه، والأصل :" هل تنقمون إلا لأجل إيماننا، ولأجل أن أكثركم فاسقون "، فلمَّا حذف حرف الجر من " أنْ آمنَّا " بقي منصوباً على أحد الوجهين المشهورين، إلا أنه يقال هنا : النصب هنا ممتنع من حيث إنَّهُ فُقِد شرطٌ من المفعول له، وهو اتحاد الفاعل، والفاعل هنا مختلف، فإن فاعل الانتقام غير فاعل الإيمان، فينبغي أن يُقَدَّر هنا محلُّ " أنْ آمنَّا " جراً ليس إلاَّ، بعد حذف حرف الجر، ولا يجري فيه الخلاف المشهور بين الخَلِيلِ وسيبَويْهِ في محل " أنْ " إذَا حذف منها حرف الجر، لعدم اتحاد الفاعل.
وأجِيبَ عن ذلك بأنَّا وإنْ اشترطنا اتحاد الفاعل فإنَّا(١٨) نجوِّزُ اعتقادَ النصب في " أنْ " و " أنَّ " إذا وقعا مفعولاً من أجله بعد حذف حرف الجر لا لكونهما مفعولاً من أجله، بل من حيث اختصاصهما من حيث هما بجواز حذف حرف الجر لطولهما بالصلة وفي هذه المسألة بخصوصها خلاف مذكور في بابه، ويدُلُّ على ذلك ما نقله الواحدي عن صاحب " النَّظْم "، فإنَّ صاحب " النظم " ذكر عن الزجاج(١٩) معنًى، وهو : هل تكرهون إلا إيماننا وفسقكم، أي : إنَّما كرهتم إيماننا، وأنتم تعلمون أنَّا على حق ؛ لأنَّكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم، وهذا معنى قول الحسنِ : نقمتم علينا.
قال صاحب " النَّظْمِ " : فعلى هذا يجب أن يكون موضع " أن " في قوله :{ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ
١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٢١٠، والبحر المحيط ٣/٥٢٧، والدر المصون ٢/٥٥٣، والشواذ (٣٩)..
٢ ينظر: تفسير القرطبي ٦/١٥١..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٦٣٢) عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٥٢٢) وزاد نسبته لابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ..
٤ ينظر: الإملاء ١/٢٢٠..
٥ في أ: منا..
٦ ينظر: الدر المصون ٢/٥٥٣..
٧ في أ: مقدم..
٨ في ب: وأصل الكلام، قدم الصلة على الموصول والموصول..
٩ سقط في أ..
١٠ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٢١٠، والدر المصون ٢/٥٥٣، والبحر المحيط ٣/٥٢٧..
١١ ينظر: الشواذ (٣٩)، الدر المصون ٢/٥٥٣، البحر المحيط ٣/٥٢٧..
١٢ ينظر: الكشاف ١/٦٥٠..
١٣ ينظر: البحر المحيط ٣/٥٢٧..
١٤ ينظر: الإملاء ١/٢٢٠..
١٥ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٢١٠..
١٦ سقط في أ..
١٧ ينظر: الكشاف ١/٦٥٠..
١٨ في أ: فإنما..
١٩ ينظر: معاني القرآن ٢/٢٠٥..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى