أحكام القرآن — إلكيا الهراسي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطّيِّبَاتُ(١)﴾ : معنى الطيبات ما مضى.
وقوله اليوم، يجوز أن يكون اليوم الذي نزلت فيه الآية، ويجوز أن يكون المراد به اليوم الذي تقدم ذكره في قوله :﴿اليَوْمَ يَئِسَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ(٢)﴾، و ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ(٣)﴾، قيل : إنه يوم عرفة(٤) في حجة الوداع.
واعلم أنه ليس المقصود من ذكر اليوم ها هنا صورة اليوم، وإنما المراد به الزمان، كما يقال أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيام أبي بكر وعمر، وهو من قبيل ما يكون معنى الزمان منه أعم من اللفظ سابقاً إلى الفهم. مثله قوله تعالى :﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ(٥)﴾.
ولم يرد به صورة اليوم، وإنما عنى به الزمان، حتى إنه لو فرَّ من الزحف ليلاً كان آثماً.
قوله تعالى :﴿وَطَعَامُ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌ لَكُمْ(٦)﴾ : معناه ذبائحهم(٧)، إذ لا يجوز أن يكون المراد به طعامهم(٨)، إذ لا شبهة على أحد في حلِّ سائر طعامهم، سواء كان المتولي لصنعه كتابيّاً أو مجوسِيّاً.
فإذا كان أكل ذبيحة أهل الكتاب بالاتفاق، فلا شك أنّهم لا يُسمُّون على الذبيحة، إلا على الإله الذي ليس معبوداً حقيقة، مثل العزيرُ والمسيح، ولو سَمُّوا الإله حقيقة، لم تكن تسميتهم بطريق العبادة، وإنما تكون على طريق آخر، فاشتراط التسمية لا على وجه العبادة لا يعقل.
ووجود التسمية من الكافر وعدمها بمثابة واحدة، إذا لم تتصور منه العبادة، ولأن النصارى إنما يذبحون على اسم المسيح، وقد حكم الله تعالى بحل ذبائحهم مطلقاً، وفي ذلك دليل على أن التسمية لا تشترط أصلاً، كما يقول الشافعي.
قوله تعالى :﴿والمُحْصَنَاتُ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ(٩)﴾ : يدل على جواز نكاح الكتابيات، وقوله :﴿وَلاَ تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ﴾(١٠) يمنع نكاح النصارى، فإذا لم يكن بدّ من إعمالها صار الشافعي إلى تحريم الأمة الكتابية، أخذاً من قوله تعالى :﴿وَلاَ تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ﴾، وأباح نكاح الحرة الكتابية بقوله :﴿والمُحْصَنَاتُ مِنَ الّذِينَ أوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، والجمع بينهما أولى من تعطيل أحدهما.
وقد منع مانعون من نكاح الكافرات، كتابيات كن أو مجوسيات، وحملوا قوله :﴿والمحصَنَاتُ من الذينَ أوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ المراد به أنهن كن كتابيات ثم أسلمن، كما قال الله تعالى في آية أخرى :﴿وإنَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَمنْ يُؤْمِنُ باللهِ ومَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ(١١)﴾، وقوله تعالى :
﴿لَيْسُوا سَوْاءً مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللّيْلِ(١٢)﴾ الآية،
والمراد به من كان من أهل الكتاب وأسلم(١٣).
وقوله :﴿والمُحْصَنَاتُ مِنَ الّذِينَ أوتُوا الكِتَابَ مِنْ قبلكم﴾ فالمراد به من كان من أهل الكتاب وأسلم، وهذا بعيد، فإنه تعالى قال :﴿والمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ(١٤)﴾، وذلك يشتمل على جميع المؤمنات، فلا يجوز أن يعطف بعده المؤمنة على المؤمنة ويكون إسقاط فائدة ذكر المؤمنة.
والذي يحرم نكاح الحرة الكتابية يعتصم بقوله تعالى :﴿وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ(١٥)﴾، وذلك محمول عند مخالفهم على الحربية إذا خرج زوجها مسلماً، والحربي وتخرج امرأته مسلمة، ويدل عليه قوله :﴿واسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾(١٦) الآية، وحكي عن ابن عباس(١٧) أنه لم يجوِّز نكاح الكتابيات إذا كن حربيات، لقوله تعالى :﴿قَاتِلُوا الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾(١٨) الآية، وقال :﴿لا تَجِدُ قَوْمَاً يُؤْمِنُونَ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ(١٩)﴾. والنكاح يوجب المودة لقوله تعالى :﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسكُنُوا إلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً(٢٠)﴾، ويجوز أن يكون ذلك عند مخالفتهم، على معنى التشدد عليهم فيما أوجبه الدين، وإلا فيجوز شراء الأشياء وبيعها منه، وإن كانت الهبة سبب المودة.
وقوله اليوم، يجوز أن يكون اليوم الذي نزلت فيه الآية، ويجوز أن يكون المراد به اليوم الذي تقدم ذكره في قوله :﴿اليَوْمَ يَئِسَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ(٢)﴾، و ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ(٣)﴾، قيل : إنه يوم عرفة(٤) في حجة الوداع.
واعلم أنه ليس المقصود من ذكر اليوم ها هنا صورة اليوم، وإنما المراد به الزمان، كما يقال أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيام أبي بكر وعمر، وهو من قبيل ما يكون معنى الزمان منه أعم من اللفظ سابقاً إلى الفهم. مثله قوله تعالى :﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ(٥)﴾.
ولم يرد به صورة اليوم، وإنما عنى به الزمان، حتى إنه لو فرَّ من الزحف ليلاً كان آثماً.
قوله تعالى :﴿وَطَعَامُ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌ لَكُمْ(٦)﴾ : معناه ذبائحهم(٧)، إذ لا يجوز أن يكون المراد به طعامهم(٨)، إذ لا شبهة على أحد في حلِّ سائر طعامهم، سواء كان المتولي لصنعه كتابيّاً أو مجوسِيّاً.
فإذا كان أكل ذبيحة أهل الكتاب بالاتفاق، فلا شك أنّهم لا يُسمُّون على الذبيحة، إلا على الإله الذي ليس معبوداً حقيقة، مثل العزيرُ والمسيح، ولو سَمُّوا الإله حقيقة، لم تكن تسميتهم بطريق العبادة، وإنما تكون على طريق آخر، فاشتراط التسمية لا على وجه العبادة لا يعقل.
ووجود التسمية من الكافر وعدمها بمثابة واحدة، إذا لم تتصور منه العبادة، ولأن النصارى إنما يذبحون على اسم المسيح، وقد حكم الله تعالى بحل ذبائحهم مطلقاً، وفي ذلك دليل على أن التسمية لا تشترط أصلاً، كما يقول الشافعي.
قوله تعالى :﴿والمُحْصَنَاتُ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ(٩)﴾ : يدل على جواز نكاح الكتابيات، وقوله :﴿وَلاَ تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ﴾(١٠) يمنع نكاح النصارى، فإذا لم يكن بدّ من إعمالها صار الشافعي إلى تحريم الأمة الكتابية، أخذاً من قوله تعالى :﴿وَلاَ تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ﴾، وأباح نكاح الحرة الكتابية بقوله :﴿والمُحْصَنَاتُ مِنَ الّذِينَ أوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، والجمع بينهما أولى من تعطيل أحدهما.
وقد منع مانعون من نكاح الكافرات، كتابيات كن أو مجوسيات، وحملوا قوله :﴿والمحصَنَاتُ من الذينَ أوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ المراد به أنهن كن كتابيات ثم أسلمن، كما قال الله تعالى في آية أخرى :﴿وإنَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَمنْ يُؤْمِنُ باللهِ ومَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ(١١)﴾، وقوله تعالى :
﴿لَيْسُوا سَوْاءً مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللّيْلِ(١٢)﴾ الآية،
والمراد به من كان من أهل الكتاب وأسلم(١٣).
وقوله :﴿والمُحْصَنَاتُ مِنَ الّذِينَ أوتُوا الكِتَابَ مِنْ قبلكم﴾ فالمراد به من كان من أهل الكتاب وأسلم، وهذا بعيد، فإنه تعالى قال :﴿والمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ(١٤)﴾، وذلك يشتمل على جميع المؤمنات، فلا يجوز أن يعطف بعده المؤمنة على المؤمنة ويكون إسقاط فائدة ذكر المؤمنة.
والذي يحرم نكاح الحرة الكتابية يعتصم بقوله تعالى :﴿وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ(١٥)﴾، وذلك محمول عند مخالفهم على الحربية إذا خرج زوجها مسلماً، والحربي وتخرج امرأته مسلمة، ويدل عليه قوله :﴿واسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾(١٦) الآية، وحكي عن ابن عباس(١٧) أنه لم يجوِّز نكاح الكتابيات إذا كن حربيات، لقوله تعالى :﴿قَاتِلُوا الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾(١٨) الآية، وقال :﴿لا تَجِدُ قَوْمَاً يُؤْمِنُونَ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ(١٩)﴾. والنكاح يوجب المودة لقوله تعالى :﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسكُنُوا إلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً(٢٠)﴾، ويجوز أن يكون ذلك عند مخالفتهم، على معنى التشدد عليهم فيما أوجبه الدين، وإلا فيجوز شراء الأشياء وبيعها منه، وإن كانت الهبة سبب المودة.
١ - سورة المائدة، آية ٥..
٢ - سورة المائدة، آية ٣.
٣ - سورة المائدة، آية ٣..
٤ - والحديث في ذلك أخرجه البخاري في صحيحه عن قيس بن مسنم عن طارق ابن شهاب..
٥ - سورة الأنفال، آية ١٦..
٦ - سورة المائدة، آية ٥..
٧ - أي ذبائح اليهود والنصارى..
٨ - انظر تفسير القرطبي، ج ٦، ص ٧٦..
٩ - سورة المائدة، آية ٥..
١٠ - سورة البقرة، آية ٢٢١..
١١ - سورة آل عمران، آية ١٩٩..
١٢ - سورة آل عمران، آية ١١٣..
١٣ - انظر تفسير القرطبي..
١٤ - سورة المائدة، آية ٥..
١٥ - سورة الممتحنة، آية ١٠..
١٦ - سورة الممتحنة، آية ١٠..
١٧ - انظر أسد الغابة، ج ١، ص ٢٠٩ لابن الأثير الجزي..
١٨ - سورة التوبة، آية ٢٩..
١٩ - سورة المجادلة، آية ٢٢..
٢٠ - سورة الروم، آية ٢١..
٢ - سورة المائدة، آية ٣.
٣ - سورة المائدة، آية ٣..
٤ - والحديث في ذلك أخرجه البخاري في صحيحه عن قيس بن مسنم عن طارق ابن شهاب..
٥ - سورة الأنفال، آية ١٦..
٦ - سورة المائدة، آية ٥..
٧ - أي ذبائح اليهود والنصارى..
٨ - انظر تفسير القرطبي، ج ٦، ص ٧٦..
٩ - سورة المائدة، آية ٥..
١٠ - سورة البقرة، آية ٢٢١..
١١ - سورة آل عمران، آية ١٩٩..
١٢ - سورة آل عمران، آية ١١٣..
١٣ - انظر تفسير القرطبي..
١٤ - سورة المائدة، آية ٥..
١٥ - سورة الممتحنة، آية ١٠..
١٦ - سورة الممتحنة، آية ١٠..
١٧ - انظر أسد الغابة، ج ١، ص ٢٠٩ لابن الأثير الجزي..
١٨ - سورة التوبة، آية ٢٩..
١٩ - سورة المجادلة، آية ٢٢..
٢٠ - سورة الروم، آية ٢١..