محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٥ من سورة المائدة في ١٢٧ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٨٠ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٥ من سورة المائدة

١٢٧ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿الْيَوْمَ أُحِلّ لَكُمُ الطّيّبَاتُ وَطَعَامُ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلّ لّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلّ لّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنّ أُجُورَهُنّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتّخِذِيَ أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله : اليَوْمَ أُحِلّ لَكُمُ الطّيّباتُ : اليوم أحلّ لكم أيها المؤمنون الحلال من الذبائح والمطاعم، دون الخبائث منها. قوله : وَطَعامُ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلّ لَكُمْ وذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وهم الذين أوتوا التوراة والإنجيل، وأنزل عليهم، فدانوا بهما أو بأحدهما حِلّ لَكُمْ يقول : حلال لكم أكله دون ذبائح سائر أهل الشرك الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب وعبدة الأوثان والأصنام، فإن من لم يكن منهم ممن أقرّ بتوحيد الله عزّ ذكره ودان دين أهل الكتاب، فحرام عليكم ذبائحهم.
ثم اختلف فيمن عنى الله عزّ ذكره بقوله : وَطَعامُ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابِ من أهل الكتاب، فقال بعضهم : عنى الله بذلك ذبيحة كلّ ممن أنزل عليه التوراة والإنجيل، أو ممن دخل في ملتهم فدان دينهم وحرّم ما حرّموا وحلل ما حللوا منهم ومن غيرهم من سائر أجناس الأمم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال : حدثنا عبد الواحد، قال : خَصيف، قال : حدثنا عكرمة، قال : سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى بني تغلب، فقرأ هذه الآية : يا أيها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا اليَهُودَ. . . إلى قوله : وَمَنْ يَتَوَلّهُمْ مِنْكُمْ فإنّهُ مِنْهُمْ. . . الاَية.
حدثنا ابن بشار، قال : ثنا عبد الرحمن قال : ثنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن عثمة، قال : حدثنا سعيد بن بشر، عن قتادة، عن الحسن وعكرمة : أنهما كانا لا يريان بأسا بذبائح نصارى بني تغلب وبتزوّج نسائْهم، ويتلوان : وَمَنْ يَتَوَلّهُمْ مِنْكُمْ فإنّهُ مِنْهُمْ.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن وسعيد بن المسيب : أنهما كانا لا يريان بأسا بذبيحة نصارى بني تغلب.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن الشعبيّ : أنه كان لا يرى بأسا بذبائح نصارى بني تغلب، وقرأ : وَما كانَ رَبكَ نَسِيّا.
حدثني ابن بشار وابن المثنى، قالا : حدثنا أبو عاصم، قال : أخبرنا ابن جريج، قال : ثني ابن شهاب عن ذبيحة نصارى العرب، قال : تؤكل من أجل أنهم في الدين أهل كتاب، ويذكرون اسم الله.
حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا ابن جريج : قال : قال عطاء : إنما يقرءون ذلك الكتاب.
حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، قال : حدثنا شعبة، قال : سألت الحكم وحمادا وقتادة عن ذبائح نصارى بني تغلب، فقالوا : لا بأس بها. قال : وقرأ الحكم : وَمِنْهُمْ أُمّيّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلاّ أمانِيّ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج، قال : حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : كلوا من ذبائح بني تغلب، وتزوّجوا من نسائهم، فإن الله قال في كتابه : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا اليَهُودَ وَالنّصَارَى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلّهُمْ مِنْكُمْ فإنّهُ مِنْهُمْ فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة : أن الحسن كان لا يرى بأسا بذبائح نصارى بني تغلب، وكان يقول : انتحلوا دينا فذاك دينهم.
وقال آخرون : إنما عَنَى بالذين أوتوا الكتاب في هذه الاَية، الذين أنزل عليهم التوراة والإنجيل، من بني إسرائيل وأبنائهم، فأما من كان دخيلاً فيهم من سائر الأمم ممن دان بدينهم وهم من غير بني إسرائيل، فلم يُعْنَ بهذه الاَية وليس هو ممن يحلّ أكل ذبائحه لأنه ليس ممن أوتى الكتاب من قَبْل المسلمين. وهذا قول كان محمد بن إدريس الشافعيّ يقوله حدثنا بذلك عنه الربيعّ ويتأوّل في ذلك قول من كره ذبائح نصارى العرب من الصحابة والتابعين. ذكر من حرّم ذبائح نصارى العرب :
حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد، عن عبيدة قال : قال عليّ رضوان الله عليه : لا تأكلوا ذبائح نصارى بني تغلب، فإنهم إنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر.
حدثنا يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن عليّ، قال : لا تأكلوا ذبائح نصارى بني تغلب، فإنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر.
حدثنا الحسن بن عرفة، قال : حدثنا عبد الله بن بكر، قال : حدثنا هشام، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، قال : سألت عليّا عن ذبائح نصارى العرب، فقال : لا تؤكل ذبائحهم، فإنهم لم يتعلقوا من دينهم إلا بشرب الخمر.
حدثني علي بن سعيد الكندي، قال : حدثنا عليّ بن عابس، عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري، قال : نهانا عليّ عن ذبائح نصارى العرب.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي حمزة القصاب، قال : سمعت محمد بن عليّ يحدثّ عن عليّ : أنه كان يكره ذبائح نصارى بني تغلب.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن ليث، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : لا تأكلوا ذبائح نصارى العرب وذبائح نصارى أرمينية.
وهذه الأخبار عن عليّ رضوان الله عليه، إنما تدلّ على أنه كان ينهي عن ذبائح نصارى بني تغلب من أجل أنهم ليسوا على النصرانية، لتركهم تحليل ما تحلل النصارى وتحريم ما تحرّم غير الخمر. ومن كان منتحلاً ملة هو غير متمسك منها بشيء، فهو إلى البراءة منها أقرب إلى اللحاق بها وبأهلها، فلذلك نهى عليّ عن أكل ذبائح نصارى بني تغلب، لا من أجل أنهم ليسوا من بني إسرائيل. فإذا كان ذلك كذلك، وكان إجماعا من الحجة إحلال ذبيحة كلّ نصرانيّ ويهوديّ، إن انتحل دين النصارى أو اليهود، فأحلّ ما أحلوا، وحرّم ما حرّموا من بني إسرائيل كان أو من غيرهم، فبّين خطأ من قال الشافعي في ذلك وتأويله الذي تأوّله في قوله : وَطَعامُ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلّ لَكُمْ : أنه ذبائح الذين أوتوا الكتاب التوراة والإنجيل من بني إسرائيل، وصواب ما خالف تأويله ذلك، وقول من قال : إن كل يهوديّ ونصرانيّ فحلال ذبيحته من أيّ أجناس بني آدم كان.
وأما الطعام الذي قال الله : وَطَعامُ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ فإنه الذبائح. وبمثل ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا : حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد : وَطَعامُ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلّ لَكُمْ قال : الذبائح.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله : وَطَعامُ الّذِينَ أُتُوا الكِتابَ حِلّ لَكُمْ قال : ذبائحهم.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، مثله.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو نعيم وقبيصة، قالا : حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، عن أبي سنان، عن ليث، عن مجاهد، مثله.
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَطَعامُ الّذينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلّ لَكُمْ قال : ذبيحة أهل الكتاب.
حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم في قوله : وَطَعامُ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلّ لَكُمْ قال : ذبائحهم.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان عن المغيرة، عن إبراهيم، بمثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو نعيم وقبيصة، قالا : حدثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم مثله.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : وَطَعامُ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلّ لَكُمْ قال : ذبائحهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا المعلى بن أسد، قال : حدثنا خالد، عن يونس، عن الحسن، مثله.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَطَعامُ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلّ لَكُمْ : أي ذبائحهم.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَطَعامُ الّذِينَ أُوتُوا الكِتاب حِلّ لَكُمْ أما طعامهم فهو الذبائح.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَطَعامُ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلّ لَكُمْ قال : أحلّ الله لنا طعامهم ونساءهم.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس أما قوله : وَطَعَامُ الّذِينَ أُوتُوا الكِتاب حِلّ لَكُمْ فإنه أحلّ لنا طعامهم ونساءهم.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : سألته يعني ابن يزيد عما ذُبح للكنائس وسُمي عليها فقال : أحلّ الله لنا طعام أهل الكتاب، ولم يستثن منه شيئا.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : ثني معاوية، عن أبي الزاهرية حدير بن كريب، عن أبي الأسود، عن عمير بن الأسود : أنه سأل أبا الدرداء عن كبش ذبح لكنيسة يقال لها جرجس أهدوه لها، أنأكل منه ؟ فقال أبو الدرداء : اللهمّ عفوا إنهم هم أهل كتاب، طعامهم حلّ لنا وطعامنا حلّ لهم. وأمره بأكله.
وأما قوله وَطَعامُكُمْ حِلّ لَهُمْ فإنه يعني : ذبائحكم أيها المؤمنون حلْ لأهل الكتاب.

القول في تأويل قوله تعالى : والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِنات والمُحْصَناتُ مِنَ الّذِينَ أُتُوا الكِتَابَ أُوتُوا مِنْ قَبْلِكُمْ إذا آتَيْتُمُوهُنّ أُجُورَهُنّ.


يعني جلّ ثناؤه بقوله : والمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِناتِ أحلّ لكم أيها المؤمنون المحصنات من المؤمنات وهنّ الحرائر منهنّ أن تنكحوهنّ. والمُحْصَنَاتُ مِنَ الّذِين أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني : والحرائر من الذين أعطوا الكتاب، وهم اليهود والنصارى الذين دانوا بما في التوراة والإنجيل من قبلكم أيها المؤمنون بمحمد ﷺ من ا
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"والمحصنات من المؤمنات"، أحل لكم، أيها المؤمنون، المحصنات من المؤمنات = وهن الحرائر منهن (١) = أن تنكحوهن ="والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، يعني: والحرائر من الذين أعطوا الكتاب (٢) وهم اليهود والنصارى الذين دانوا بما في التوراة والإنجيل من قبلكم، أيها المؤمنون بمحمد ﷺ من العرب وسائر الناس، أن تنكحوهن أيضًا ="إذا آتيتموهن أجورهن"، يعني: إذا أعطيتم من نكحتم من محصناتِكم ومحصناتهم (٣) ="أجورهن"، وهي مهورُهن. (٤)
* * *
واختلف أهل التأويل في المحصنات اللاتي عناهن الله عز ذكره بقوله:"والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم".
فقال بعضهم: عنى بذلك الحرائر خَاصة، فاجرةً كانت أو عفيفةً. وأجاز قائلو هذه المقالة نكاح الحرة، مؤمنة كانت أو كتابية من اليهود والنصارى، من أيِّ أجناس الناس كانت (٥) بعد أن تكون كتابية، فاجرة كانت أو عفيفةً.
(١) انظر تفسير"المحصنات"، و"الإحصان" فيما سلف ٨: ١٥١-١٦٩/ ثم ٨: ١٨٥-١٩٠.
(٢) انظر تفسير"آتى" فيما سلف من فهارس اللغة.
(٣) انظر تفسير"آتى" فيما سلف من فهارس اللغة.
(٤) انظر تفسير"الأجور" فيما سلف من فهارس اللغة.
(٥) في المطبوعة والمخطوطة: "من أي أجناس كانت"، وزدت"الناس"، لأن السياق يقتضيها اقتضاء لا شك فيه. ولو قلت مكانها: "من أي أجناس اليهود والنصارى كانت"، لكان صوابا أيضًا.
وحرّموا إماء أهل الكتاب أن يُتَزَوَّجن بكل حال (١) لأن الله جل ثناؤه شرطَ من نكاح الإماء الإيمانَ بقوله: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ)، [سورة النساء: ٢٥].
*ذكر من قال ذلك:
١١٢٥٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو داود، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب"، قال: من الحرائر.
١١٢٥٧- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، قال: من الحرائر.
١١٢٥٨- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: أن رجلا طلَّق امرأته وخُطِبَت إليه أخته، وكانت قد أحدثت، فأتى عمر فذكر ذلك له منها، فقال عمر: ما رأيت منها؟ قال: ما رأيت منها إلا خيرًا! فقال: زوِّجها ولا تُخْبِر.
١١٢٥٩- حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا سليمان الشيباني قال، حدثنا عامر قال: زنت امرأة منَّا من همدان، قال: فجلدها مُصَدِّق رسول الله ﷺ الحدَّ (٢) ثم تابت. فأتوا عمر فقالوا:
(١) في المطبوعة: "أن نتزوجهن"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٢) "المصدق" هو العامل على الصدقات، يجمعها من أهلها.
نزوّجها، وبئسَ ما كان من أمرها! قال عمر: لئن بلغني أنكم ذكرتم شيئًا من ذلك، لأعاقبنكم عقوبةً شديدة.
١١٢٦٠- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: أن رجلا أراد أن يزوِّج أخته، فقالت: إني أخشى أن أفضَح أبي، فقد بَغَيْتُ! فأتى عمر، فقال: أليس قد تابت؟ قال: بلى! قال: فزوّجها.
١١٢٦١- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي: أن نُبَيْشة، امرأةً من همدان، بغتْ، فأرادت أن تذبح نفسها، قال: فأدركوها، فداووها فبرئت، فذكروا ذلك لعمر، فقال: انكحوها نكاحَ العفيفة المسلمة.
١١٢٦٢- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عامر: أن رجلا من أهل اليمن أصابت أختُه فاحشة، فأمرَّت الشَّفرة على أوداجها، فَأُدْرِكت، فدُووِي جُرْحها حتى برئت. ثم إن عمها انتقل بأهله حتى قدم المدينة، فقرأت القرآن ونَسَكت، حتى كانت من أنسك نسائهم. فخطبت إلى عمها، وكان يكره أن يدلِّسها، ويكره أن يفشي على ابنة أخيه، فأتى عمر فذكر ذلك له، فقال عمر: لو أفشيت عليها لعاقبتك! إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوّجها إيّاه.
١١٢٦٣- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر: أن جارية باليمن يقال لها:"نبيشة"، أصابت فاحشة، فذكر نحوه.
١١٢٦٤- حدثنا تميم بن المنتصر قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا إسماعيل، عن عامر قال: أتى رجل عمر فقال: إن ابنةً لي كانت وُئِدت في الجاهلية، فاستخرجتها قبل أن تموت، فأدركت الإسلام، فلما أسلمت أصابت حدًّا من
حدود الله، فعمدتْ إلى الشفرة لتذبح بها نفسها، فأدركتها وقد قطعت بعض أوداجها، فداويتها حتى برئت، ثم إنها أقبلت بتوبة حسنة، فهي تخطب إلَيّ يا أمير المؤمنين، فأخبر من شأنها بالذي كان؟ فقال عمر: أتخبر بشأنها؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نَكالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاحِ العفيفة المسلمة. (١)
١١٢٦٥- حدثنا أحمد بن منيع قال، حدثنا مروان، عن إسماعيل، عن الشعبي قال: جاء رجل إلى عمر، فذكر نحوه.
١١٢٦٦- حدثنا مجاهد قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير: أن رجلا خطب من رجل أخته، فأخبره أنها قد أحدثتْ. فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فضرب الرجل وقال: ما لك والخبر! أنكح واسكُت. (٢)
١١٢٦٧- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا أبو هلال، عن قتادة، عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن لا أدع أحدًا أصابَ فاحشة في الإسلام أن يتزوج مُحْصنة! فقال له أبيّ بن كعب: يا أمير المؤمنين، الشرك أعظم من ذلك، وقد يقبل منه إذا تاب!
* * *
وقال آخرون: إنما عنى الله بقوله:"والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، العفائفَ من الفريقين، إماءً كنَّ أو حرائر. فأجاز قائلو هذه المقالة نكاحَ إماء أهل الكتاب الدائنات دينَهم بهذه الآية،
(١) "الأوداج" جمع"ودج" (بفتحتين) : وهو عرق متصل من الرأس إلى النحر، والأوداج: عروق تكتنف الحلقوم.
(٢) هذه الأخبار السالفة، أدب من آداب هذا الدين عظيم، وهدي من هدي أهل الإيمان، أمروا به، ومضوا عليه. حتى خلفت من بعدهم الخلوف، فجهلوا أمر دينهم، وغالوا غلوا فاحشًا في استبشاع زلة من زل من أهل الإيمان، فقتل الرجل منهم بنته وأخته ومن له عليها الولاية. وما فعلوا ذلك، إلا بعد أن فارقوا جادة الإيمان في سائر ما أمرهم الله به، فاستمسكوا بالغلو الفاحش، وظنوا ذلك من تمام ديانتهم ومروءتهم. وهذا دليل على أن كل تفريط في الدين، يقابله في الجانب الآخر غلو في التدين بغير دين! ورحم الله عمر بن الخطاب، ما كان أبصره بالناس وأرحمه بهم.
وحرَّموا البغايا من المؤمنات وأهل الكتاب.
*ذكر من قال ذلك:
١١٢٦٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد في قوله:"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، قال: العفائف.
١١٢٦٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، مثله.
١١٢٧٠- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن مطرف، عن عامر:"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، قال: إحصان اليهودية والنصرانية: أن لا تزني، وأن تغتَسِل من الجنابة.
١١٢٧١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن مطرف، عن عامر:"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، قال: إحصان اليهودية والنصرانية: أن تغتسل من الجنابة، وأن تحصن فرجَها.
١١٢٧٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن مطرف، عن رجل، عن الشعبي في قوله:"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، قال: إحصان اليهودية والنصرانية: أن لا تزني، وأن تغتسل من الجنابة.
١١٢٧٣- حدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن مطرف، عن الشعبي في قوله:"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، قال: إحصانها: أن تغتسل من الجنابة، وأن تحصن فرجها من الزنا.
١١٢٧٤- حدثني المثنى قال، حدثنا معلى بن أسد قال، حدثنا خالد، قال، أخبرنا مطرف، عن عامر، بنحوه.
١١٢٧٥- حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك قال: سمعت سفيان يقول في قوله: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب)، قال: العفائف.
١١٢٧٦- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، قال: أما"المحصنات"، فهنّ العفائف.
١١٢٧٧- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: أن امرأة اتخذت مملوكها (١) وقالت: تأوّلت كتابَ الله:"وما ملكت أيمانكم"، قال: فأتى بها عمر بن الخطاب، فقال له ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: تأوّلت آية من كتاب الله على غير وجهها. قال فغَرَّب العبد وجزَّ رأسه. (٢) وقال: أنتِ بعده حرام على كل مسلم.
١١٢٧٨- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن إبراهيم أنه قال: في التي تزني قبل أن يُدْخل بها (٣) قال: ليس لها صداق، ويفرَّق بينهما.
١١٢٧٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا أشعث، عن الشعبي، في البكر تفجُر (٤) قال: تضرب مئة سوط، وتنفى سنة، وترُدّ على زوجها ما أخذت منه.
١١٢٨٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا أشعث، عن أبي الزبير، عن جابر، مثل ذلك.
١١٢٨١- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا أشعث عن الحسن، مثل ذلك.
(١) قوله: "اتخذت مملوكها"، أي أمكنته من نفسها، وتسرت به كأنه زوج لها.
(٢) في المطبوعة: "فقرب العبد" بالقاف، وهو في المخطوطة كما أثبته غير منقوط، وصواب قراءته ما أثبت. و"التغريب": النفي. و"جز رأسه": أي قص شعره. ولم يرد القتل.
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: "تسرى قبل أن يدخل بها"، وكأن الصواب ما أثبت. انظر الأثر التالي.
(٤) في المطبوعة والمخطوطة: "في البكر تهجر"، ولا معنى لذلك، والصواب ما أثبت.
١١٢٨٢- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن يونس: أن الحسن كان يقول: إذا رأى الرجل من امرأته فاحشةً فاستيقن، فإنه لا يمسكها.
١١٢٨٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي ميسرة قال: مملوكات أهل الكتاب بمنزلة حرائرهم.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في حكم قوله عز ذكره:"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، أعام أم خاصٌّ؟
فقال بعضهم: هو عامٌّ في العفائف منهن، لأن"المحصنات"، العفائف. وللمسلم أن يتزوج كل حرة وأمة كتابيةٍ، حربيةً كانت أو ذميَّةً.
واعتلُّوا في ذلك بظاهر قوله تعالى:"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، وأن المعنيَّ بهن العفائف، كائنة من كانت منهن. وهذا قول من قال: عني بـ "المحصنات" في هذا الموضع: العفائف.
* * *
وقال آخرون: بل اللواتي عنى بقوله جل ثناؤه:"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، الحرائرَ منهن، والآية عامة في جميعهن. فنكاح جميع الحرائر اليهود والنصارى جائز، حربيّات كنّ أو ذميات، من أيِّ أجناس اليهود والنصارى كنَّ. وهذا قول جماعة من المتقدمين والمتأخرين.
*ذكر من قال ذلك:
١١٢٨٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب والحسن: أنهما كانا لا يريان بأسًا بنكاح نساء اليهود والنصارى، وقالا أحلَّه الله على علم.
* * *
وقال آخرون منهم: بل عنى بذلك نكاحَ بني إسرائيل الكتابياتِ منهن
خاصة، دون سائر أجناس الأمم الذين دانوا باليهودية والنصرانية. وذلك قول الشافعي ومن قال بقوله. (١)
* * *
وقال آخرون: بل ذلك معنىٌّ به نساءُ أهل الكتاب الذين لهم من المسلمين ذمَّة وعهدٌ. فأما أهل الحرب، فإن نساءهم حرام على المسلمين.
*ذكر من قال ذلك:
١١٢٨٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا محمد بن عقبة، قال، حدثنا الفزاري، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: من نساء أهل الكتاب من يحلُّ لنا، ومنهم من لا يحلُّ لنا، ثم قرأ: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ)، [سورة التوبة: ٢٩]. فمن أعطى الجزية حلَّ لنا نساؤه، ومن لم يعط الجزية لم يحل لنا نساؤه = قال الحكم: فذكرت ذلك لإبراهيم، فأعجبه. (٢)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، قولُ من قال:
(١) انظر الأم ٥: ٦ قوله: "ولا يحل نكاح حرائر من دان من العرب دين اليهودية والنصرانية، لأن أصل دينهم كان الحنيفية، ثم ضلوا بعبادة الأوثان، وإنما انتقلوا إلى دين أهل الكتاب بعده، لا بأنهم كانوا الذين دانوا بالتوراة والإنجيل فضلوا عنهما وأحدثوا فيها، إنما ضلوا عن الحنيفية، ولم يكونوا كذلك، لا تحل ذبائحهم، وكذلك كل أعجمي كان أصل دين من مضى من آبائه عبادة الأوثان، ولم يكن من أهل الكتابين المشهورين التوراة والإنجيل، فدان دينهم، لم يحل نكاح نسائهم". وانظر سنن البيهقي ٧: ١٧٣.
(٢) الأثر: ١١٢٨٥-"محمد بن عقبة بن المغيرة الشيباني"، "أبو عبد الله الطحان". روى عن أبي إسحق الفزاري، وسوار بن مصعب، وغيرهما. روى عنه البخاري وأبو كريب وغيرهما. قال البخاري"معروف الحديث"، وقال أبو حاتم"ليس بالمشهور"، وذكره ابن حبان في الثقات. قال ابن حجر: "وماله في البخاري سوى حديثين: أحدهما في الجمعة، متابعة. والآخر في الاعتصام، مقرونًا". مترجم في التهذيب، والكبير ١/١/٢٠٠.
و"الفزاري"، هو"أبو إسحق الفزاري": "إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة الفزاري"، الإمام الثقة. مضى برقم: ٣٨٣٣.
و"سفيان بن حسين الواسطي"، مضى برقم: ٣٤٧١، ٦٤٦٢.
عنى بقوله:"والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، حرائرَ المؤمنين وأهل الكتاب. لأن الله جل ثناؤه لم يأذن بنكاح الإماء الأحرارِ في الحال التي أباحهن لهم، إلا أن يكنَّ مؤمنات، فقال عز ذكره: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) [سورة النساء: ٢٥]، فلم يبح منهن إلا المؤمنات. فلو كان مرادًا بقوله:"والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب"، العفائفَ، لدخل العفائف من إمائهم في الإباحة، وخرج منها غير العفائف من حرائرهم وحرائر أهل الإيمان. وقد أحل الله لنا حرائر المؤمنات، وإن كن قد أتين بفاحشة بقوله: (وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) [سورة النور: ٣٢]. وقد دللنا على فساد قول من قال:"لا يحلُّ نكاح من أتى الفاحشة من نساء المؤمنين وأهل الكتاب للمؤمنين"، في موضع غير هذا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (١)
= فنكاح حرائر المسلمين وأهل الكتاب حلال للمؤمنين، كن قد أتين بفاحشة أو لم يأتين بفاحشة، ذميةً كانت أو حربيّةً، بعد أن تكون بموضع لا يخافُ الناكح فيه على ولده أن يُجْبر على الكفر، بظاهر قول الله جل وعز:"والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم".
* * *
فأما قول الذي قال:"عنى بذلك نساء بني إسرائيل، الكتابيّات منهن خاصة" (٢) فقول لا يوجب التشاغل بالبيان عنه، لشذوذه والخروج عما عليه علماء الأمة، من تحليل نساء جميع اليهود والنصارى. وقد دللنا على فساد قول قائل
(١) انظر ما سلف ٨: ١٨٩، ١٩٠.
(٢) يعني قول الشافعي فيما سلف ص ٥٨٧، ٥٨٨: تعليق: ١.
هذه المقالة من جهة القياس في غير هذا الموضع بما فيه الكفاية، فكرهنا إعادته. (١)
* * *
وأما قوله:"إذا آتيتموهن أجورهن"، فإن"الأجر": العوض الذي يبذله الزوج للمرأة للاستمتاع بها، وهو المهر. (٢) كما:-
١١٢٨٦- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله:"آتيتموهن أجورهن"، يعني: مهورهن.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾


قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أحل لكم المحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، وأنتم محصنون غير مسافحين ولا متخذي أخدان.
ويعني بقوله جل ثناؤه:"محصنين"، أعفَّاء ="غير مسافحين"، يعني: لا معالنين بالسفاح بكل فاجرة، وهو الفجور ="ولا متخذي أخدان"، يقول: ولا منفردين ببغيّة واحدة، قد خادنها وخادنته، واتخذها لنفسه صديقة يفجر بها.
* * *
وقد بينا معنى"الإحصان" ووجوهه = ومعنى"السفاح" و"الخدن" في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (٣) وهو كما:-
(١) انظر ما سلف ٤: ٣٦٢-٣٦٩.
(٢) انظر تفسير"الأجر" فيما سلف من فهارس اللغة.
(٣) انظر تفسير"الإحصان" فيما سلف ٨: ١٥١-١٦٩/ ثم ٨: ١٨٥-١٩٠ = وتفسير"السفاح" فيما سلف ٨: ١٧٤، ١٧٥، ١٩٣-١٩٥ = وتفسير"الخدن" فيما سلف ٨: ١٩٣-١٩٥.
١١٢٨٧- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"محصنين غير مسافحين"، يعني: ينكحوهن بالمهر والبينة (١) غير مسافحين متعالنين بالزنا ="ولا متخذي أخدان"، يعني: يسرُّون بالزنا.
١١٢٨٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: أحل الله لنا محصنتين: محصنة مؤمنة، ومحصنة من أهل الكتاب ="ولا متخذي أخدان": ذات الخدان، ذات الخليل الواحد.
١١٢٨٩- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سليمان بن المغيرة، عن الحسن قال: سأله رجل: أيتزوّج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟ قال: ما له ولأهل الكتاب، وقد أكثر الله المسلمات! فإن كان لا بد فاعلا فليعمد إليها حَصانًا غير مسافحة. قال الرجل: وما المسافحة؟ قال: هي التي إذا لَمَح الرجل، إليها بعينه اتّبعته. (٢)
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾


قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"ومن يكفر بالإيمان"، ومن يجحد ما أمر الله بالتصديق به، من توحيد الله ونبوّة محمد ﷺ وما جاء به
(١) "البينة"، سلف ذكرها في الأثرين رقم ٩٠٠٢، ٩٠٠٨ (انظر ٨: ١٦١، تعليق: ١ = ثم ص: ١٦٢ تعليق: ٢). وقد بدا لي هنا أنه عنى بقوله"البينة"، إعلان النكاح. فراجع ما كتبته هناك، فإني في شك من ذلك كله.
(٢) الأثر: ١١٢٨٩-"سليمان بن المغيرة القيسي"، "أبو سعيد البصري"، روى عن أبيه، وثابت البناني، والحسن، وابن سيرين، وغيرهم. روى عنه الثوري وشعبة، وماتا قبله، ثم جماعة كثيرة من الثقات، من ثقات أهل البصرة. مترجم في التهذيب.
من عند الله = وهو"الإيمان"، الذي قال الله جل ثناؤه:"ومن يكفر بالإيمان فقد حَبِطَ عمله" = يقول: فقد بَطل ثواب عمله الذي كان يعمله في الدنيا، يرجو أن يدرك به منزلة عند الله. (١) ="وهو في الآخرة من الخاسرين"، يقول: وهو في الآخرة من الهالكين، الذين غَبَنوا أنفسَهم حظوظها من ثواب الله بكفرهم بمحمد، وعملهم بغير طاعة الله. (٢)
* * *
وقد ذكر أن قوله:"ومن يكفر بالإيمان"، عنى به أهل الكتاب، وأنه أنزل على رسول الله صلى عليه وسلم من أجل قوم تحرَّجوا نكاح نساءِ أهل الكتاب لما قيل لهم:"أحِل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حِلٌّ لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم".
*ذكر من قال ذلك:
١١٢٩٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن ناسًا من المسلمين قالوا: كيف نتزوّج نساءهم = يعني: نساء أهل الكتاب = وهم على غير ديننا؟ فأنزل الله عز ذكره:"ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين"، فأحل الله تزويجهن على علم.
* * *
وبنحو الذي قلنا في تأويل"الإيمان" قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك.
١١٢٩١- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء:"ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله"، قال:"الله"، الإيمان. (٣)
(١) انظر تفسير"حبط" فيما سلف ٤: ٣١٧/٦: ٢٨٧.
(٢) انظر تفسير"الخاسر"، و"الخسران" فيما سلف ٩: ٢٢٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٣) في المطبوعة: "قال: بالإيمان، بالله"، غير ما في المخطوطة، وهو صواب.
١١٢٩٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن واصل، عن عطاء:"ومن يكفر بالإيمان"، قال:"الإيمان"، التوحيد.
١١٢٩٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد:"ومن يكفر بالإيمان"، قال: بالله.
١١٢٩٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
١١٢٩٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله:"ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله"، قال: من يكفر بالله.
١١٢٩٦- حدثنا محمد قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ومن يكفر بالإيمان"، قال: من يكفر بالله.
١١٢٩٧- حدثنا محمد قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ومن يكفر بالإيمان"، قال: الكفر بالله.
١١٢٩٨- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة. قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١١٢٩٩- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله"، قال: أخبر الله سبحانه أن"الإيمان" هو العروة الوثقى، وأنه لا يقبل عملا إلا به، ولا يحرِّم الجنة إلا على من تركه.
* * *
فإن قال لنا قائل: وما وجه تأويل مَنْ وجَّه قوله:"ومن يكفر بالإيمان"، إلى معنى: ومن يكفر بالله؟
قيل: وجه تأويله ذلك كذلك، أن"الإيمان" هو التصديق بالله وبرسله وما ابتعثهم به من دينه، و"الكفر" جحود ذلك. قالوا: فمعنى"الكفر بالإيمان"، هو جحود الله وجحود توحيده. ففسروا معنى الكلمة بما أريد بها، وأعرضوا عن تفسير الكلمة على حقيقة ألفاظها وظاهرها في التلاوة.
فإن قال قائل: فما تأويلها على ظاهرها وحقيقة ألفاظها؟
قيل: تأويلها: ومن يأبَ الإيمان بالله، ويمتنع من توحيده والطاعة له فيما أمره به ونهاه عنه، فقد حبط عمله. وذلك أن"الكفر" هو الجحود في كلام العرب، و"الإيمان" التصديق والإقرار. ومن أبى التصديق بتوحيد الله والإقرار به، فهو من الكافرين (١) فذلك تأويل الكلام على وجهه.
* * *
(١) انظر تفسير"الكفر" و"الإيمان" في فهارس اللغة.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
لما ذكر تعالى ما حرمه على عباده المؤمنين من الخبائث، وما أحله لهم من الطيبات، قال بعده :﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾
ثم ذكر حكم ذبائح أهل الكتابين من اليهود والنصارى، فقال :﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس، وأبو أمامة، ومجاهد، وسعيد بن جُبَيْر، وعِكْرِمة، وعَطاء، والحسن، ومَكْحول، وإبراهيم النَّخَعِي، والسُّدِّي، ومُقاتل بن حيَّان : يعني ذبائحهم.
وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء : أن ذبائحهم حلال للمسلمين ؛ لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عن قولهم، تعالى وتقدس. وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مُغَفَّل قال : دُلِّي بجراب من شحم يوم خيبر. [ قال ](١) فاحتضنته(٢) وقلت : لا أعطي اليوم من هذا أحدًا، والتفتُّ فإذا النبي ﷺ يتبسم. (٣)
فاستدل به الفقهاء على أنه يجوز تناولُ ما يحتاج إليه من الأطعمة ونحوها من الغنيمة قبل القسمة، وهذا ظاهر. واستدل به الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة على أصحاب مالك في منعهم أكل(٤) ما يعتقد اليهود تحريمه(٥) من ذبائحهم، كالشحوم ونحوها مما حرم عليهم. فالمالكية لا يجوزون للمسلمين أكله ؛ لقوله تعالى :﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قالوا : وهذا ليس من طعامهم. واستدل عليهم(٦) الجمهور بهذا الحديث، وفي ذلك نظر ؛ لأنه قضية عين، ويحتمل أنه كان شحما يعتقدون حله، كشحم الظهر والحوايا ونحوهما، والله أعلم.
وأجود منه في الدلالة ما ثبت في الصحيح : أن أهل خيبر أهدوا لرسول الله ﷺ شاة مَصْليَّة، وقد سَمّوا ذراعها، وكان يعجبه الذراع، فتناوله فنَهَشَ منه نَهْشةً، فأخبره الذراع أنه مسموم، فلَفَظَه وأثر ذلك السم في ثنايا رسول الله ﷺ وفي أبْهَرِه، وأكل معه منها بشر بن البراء بن مَعْرور ؛ فمات، فقتل اليهودية التي سمتها، وكان اسمها زينب، فقتلت ببشر بن البراء. (٧)
ووجه الدلالة منه أنه عزم على أكلها ومن معه، ولم يسألهم هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أم لا.
وفي الحديث الآخر : أن رسول الله ﷺ أضافه يهودي على خبز شعير وإهالة سنَخَة، يعني : ودَكا زنخا(٨)
وقال ابن أبي حاتم : قرئ على العباس بن الوليد بن مَزْيَد، أخبرنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان بن المنذر، عن مكحول قال : أنزل الله :﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ثم نسخها الرب، عز وجل، ورحم المسلمين، فقال :﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ فنسخها بذلك، وأحل طعام أهل الكتاب.
وفي هذا الذي قاله مكحول، رحمه الله، نظر، فإنه لا يلزم من إباحته طعام أهل الكتاب إباحةُ أكل ما لم يذكر اسم الله عليه ؛ لأنهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم، وهم متعبدون بذلك ؛ ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك ومن شابههم، لأنهم لم يذكروا اسم الله على ذبائحهم، بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة، بل يأكلون الميتة، بخلاف أهل الكتابين ومن شاكلهم من السامرة والصابئة، ومن تَمَسّك بدين إبراهيم وشيث وغيرهما من الأنبياء، على أحد قولي العلماء، ونصارى العرب كبني تَغْلِب وتَنُوخ وبَهْرَاء وجُذام ولَخْم وعَاملة ومن أشبههم، لا تؤكل ذبائحهم عند الجمهور.
[ و ](٩) قال أبو جعفر بن جرير : حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن أيوب، عن(١٠) محمد بن عَبِيدة قال : قال علي : لا تأكلوا ذبائح بنى تغلب ؛ لأنهم(١١) إنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر.
وكذا قال غير واحد من الخلف والسلف.
وقال سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة عن سعيد بن المسيب، والحسن ؛ أنهما كانا لا يريان بأسا بذبيحة نصارى بني تغلب.
وأما المجوس، فإنهم وإن أخذت منهم الجزية تبعا وإلحاقا لأهل الكتاب فإنهم(١٢) لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم، خلافا لأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، أحد الفقهاء من أصحاب الشافعي، وأحمد بن حنبل، ولما قال ذلك واشتهر عنه أنكر عليه الفقهاء ذلك، حتى قال عنه الإمام أحمد : أبو ثور كاسمه ! يعني في هذه المسألة، وكأنه تمسك بعموم حديث روي مرسلا عن النبي ﷺ أنه قال :" سُنوا بهم سنة أهل الكتاب "، (١٣) ولكن لم يثبت بهذا اللفظ، وإنما الذي في صحيح البخاري : عن عبد الرحمن بن عوف ؛ أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مَجوس هَجَر(١٤) ولو سلم صحة هذا الحديث، فعمومه مخصوص بمفهوم هذه الآية :﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ فدل بمفهومه - مفهوم المخالفة - على أن طعام من عداهم من أهل الأديان(١٥) لا يحل(١٦)
وقوله :﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ أي : ويحل لكم أن تطعموهم من ذبائحكم، وليس هذا إخبارا عن الحكم عندهم، اللهم إلا أن يكون خبرا عما أمروا به من الأكل من كل طعام ذكر اسم الله عليه، سواء كان من أهل ملتهم أو غيرها. والأول أظهر في المعنى، أي : ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم. وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة، كما ألبس النبي ﷺ ثوبه لعبد الله بن أبيّ بن سلول حين مات ودفنه فيه، قالوا : لأنه كان قد كسا العباس حين قدم المدينة ثوبه، فجازاه النبي ﷺ ذلك بذلك، فأما(١٧) الحديث الذي فيه :" لا تَصْحَبْ إلا مُؤْمِنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي " (١٨) فمحمول على الندب والاستحباب، والله أعلم.
وقوله :﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي : وأحل لكم نكاح الحرائر العفائف من النساء المؤمنات، وذكر هذا توطئة لما بعده، وهو قوله :﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُم﴾ فقيل :(١٩) أراد بالمحصنات : الحرائر دون الإماء، حكاه ابن جرير عن مجاهد. وإنما قال مجاهد : المحصنات : الحرائر، فيحتمل(٢٠) أن يكون أراد ما حكاه عنه، ويحتمل أن يكون أراد بالحرة العفيفة، كما قاله مجاهد في الرواية الأخرى عنه. وهو(٢١) قول الجمهور هاهنا، وهو الأشبه ؛ لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية، ويتحصل زوجها على ما قيل(٢٢) في المثل :" حَشفَا(٢٣) وسَوء كيلة ". (٢٤) (٢٥) والظاهر من الآية أن المراد بالمحصنات : العفيفات عن الزنا، كما قال في الآية الأخرى :﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥].
ثم اختلف المفسرون والعلماء في قوله :﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هل يعم كل كتابية عفيفة، سواء كانت حرة أو أمة ؟ حكاه ابن جرير عن طائفة من السلف، ممن فسر المحصنة بالعفيفة. وقيل : المراد بأهل الكتاب هاهنا الإسرائيليات، وهو مذهب الشافعي. وقيل : المراد بذلك : الذميات دون الحربيات ؛ لقوله :﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ[ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ]﴾ [التوبة: ٢٩] (٢٦)
وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية، ويقول : لا أعلم شركا أعظم من أن تقول : إن ربها عيسى، وقد قال الله تعالى :﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٢١].
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا محمد بن حاتم بن سليمان المؤدب، حدثنا القاسم بن مالك - يعني المُزَنِيّ - حدثنا إسماعيل بن سَمِيع، عن أبي مالك الغفاري، عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية :﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ قال : فحجز الناس عنهن حتى نزلت التي بعدها :﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فنكح الناس [ من ](٢٧) نساء أهل الكتاب.
وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى ولم يروا بذلك بأسا، أخذا بهذه الآية الكريمة :﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فجعلوا(٢٨) هذه مخصصة للآية التي البقرة :﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [ الآية : ٢٢١ ] إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها، وإلا فلا معارضة بينها وبينها(٢٩) ؛ لأن أهل الكتاب قد يُفْصَل في ذكرهم عن المشركين في غير موضع، كما قال تعالى :﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] وكقوله(٣٠) ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ الآية [آل عمران: ٢٠]، وقوله :﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي :(٣١) مهورهن، أي : كما هن محصنات عفائف، فابذلوا لهن المهور(٣٢) عن طيب نفس. وقد أفتى جابر بن عبد الله، وإبراهيم النخعي، وعامر الشعبي، والحسن البصري بأن الرجل إذا نكح امرأة فزنت قبل دخوله بها : أنه يفرق بينه وبينها، وتَرُدّ عليه ما بذل لها من المهر. رواه ابن جرير عنهم. .
وقوله :﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ فكما شرط الإحصان في النساء - وهي العفة - عن الزنا كذلك شرطها في الرجال وهو أن يكون الرجل أيضا محصنا عفيفا ؛ ولهذا قال :﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ وهم : الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية، ولا يردون أنفسهم عمن جاءهم، ﴿وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ أي : ذوي العشيقات الذين(٣٣) لا يفعلون إلا معهن، كما تقدم في سورة النساء سواء ؛ ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، إلى أنه لا يصح نكاح المرأة البَغي حتى تتوب، وما دامت كذلك لا يصح تزويجها من رجل عفيف، وكذلك لا يصح عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب ويقلع عما هو فيه من الزنا ؛ لهذه الآية وللحديث الآخر :" لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله. " (٣٤)
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن بَشّار، حدثنا سليمان بن حَرْب، حدثنا أبو هلال، عن قتادة، عن الحسن قال : قال عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ](٣٥) لقد هممت ألا أدع أحدًا أصاب فاحشة في الإسلام أن يتزوج محصنة. فقال له أبيّ بن كعب : يا أمير المؤمنين، الشرك أعظم من ذلك، وقد يقبل منه إذا تاب. (٣٦)
وسيأتي الكلام على هذه المسألة مستقصى [ إن شاء الله تعالى ](٣٧) عند قوله :﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] ؛ ولهذا قال تعالى هاهنا :{ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْ
١ زيادة من أ..
٢ في أ: "فاحتبسته"..
٣ صحيح البخاري برقم (٣١٥٣) وصحيح مسلم برقم (١٧٧٢)..
٤ في أ: "كل"..
٥ في أ: "وتحريمه"..
٦ في ر: "عليه"..
٧ ورواه أبو داود في سننه برقم (٤٥١٢) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه..
٨ رواه أحمد في مسنده (٣/٢١١) من حديث أنس، رضي الله عنه.
.

٩ زيادة من أ..
١٠ في ر، أ: "بن"..
١١ في ر، أ: "فإنهم"..
١٢ في أ "فإنه"..
١٣ رواه مالك في الموطأ (١/٢٧٨) ومن طريقة الشافعي في السنن (١١٨٣) والبيهقي في السنن الكبرى (٩/١٨٩) عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس، فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب". ومحمد بن علي لم يسمع من عمر، فهو منقطع..
١٤ صحيح البخاري برقم (٣١٥٦)..
١٥ في أ: "الأوثان"..
١٦ في د: "طعام غير أهل الكتاب لا يحل"..
١٧ في أ: "وأما"..
١٨ رواه أبو دواد في السنن برقم (٤٨٣٢) وابن ماجة في السنن برقم (٢٣٩٥) من حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه..
١٩ في د: "قيل"، وفي أ: "قلت"..
٢٠ في أ: "يحتمل"..
٢١ في أ: "وهي"..
٢٢ في د: "كما قيل"..
٢٣ في ر، د: "حثف"..
٢٤ في أ: "كلية"، وهو خطأ..
٢٥ الحشف: أردأ التمر، وانظر: مجمع الأمثال للميداني (١/٢٠٧)..
٢٦ زيادة من ر، أ. وفي هـ: "الآية"..
٢٧ زيادة من أ..
٢٨ في أ: "وجعلوا"..
٢٩ في ر، أ: "وبيننا"..
٣٠ في ر: "ولقوله"..
٣١ في أ: "يعني"..
٣٢ في أ: "مهورهن"..
٣٣ في ر، أ: "اللاتي"..
٣٤ رواه أبو داود في سننه برقم (٢٠٥٢) من طريق عمرو بن شعيب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة به..
٣٥ زيادة من أ..
٣٦ تفسير الطبري (٩/٥٨٤)..
٣٧ زيادة من أ.
.

المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: وَاسْمُهُ سَلَمَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ بْنِ صُهَيْبٍ -مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ-عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (١) عَلَى طَعَامٍ، لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللَّهِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (٢) فَيَضَعُ يَدَهُ، وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ طَعَامًا فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ، كَأَنَّمَا تُدفع، فَذَهَبَتْ تَضَعُ يَدَهَا فِي الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهَا، وَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَّمَا يُدفع، فَذَهَبَ يَضَعُ يَدَهُ فِي الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (٣) بِيَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ إِذَا لَمْ يُذْكِرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ (٤) بِهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، وَجَاءَ بِهَذَا الْأَعْرَابِيِّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ يَدَهُ فِي يَدِي مَعَ يَدِهِمَا (٥) يَعْنِي الشَّيْطَانَ. وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ بِهِ. (٦)
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ (٧) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللَّهَ (٨) عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيت لَكُمْ وَلَا عَشَاء، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ (٩) يُذْكَرِ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ (١٠) الْمَبِيتَ، فَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدْرَكْتُمُ (١١) الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ". لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ وَحْشِيّ بْنِ حَرْب بْنِ وَحْشِي بْنِ حَرْب، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّا نَأْكُلُ وَمَا نَشْبَعُ؟ قَالَ: "فَلَعَلَّكُمْ (١٢) تَأْكُلُونَ مُتَفَرِّقِينَ، اجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ. (١٣)
﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا حَرَّمَهُ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْخَبَائِثِ، وَمَا أَحَلَّهُ لَهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، قَالَ بَعْدَهُ: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾
(١) زيادة من أ.
(٢) زيادة من أ.
(٣) زيادة من و، أ.
(٤) في أ: "فيستحل".
(٥) في أ: "بيديهما".
(٦) المسند (٥/٣٨٢) وصحيح مسلم برقم (٢٠١٧) وسنن أبي داود برقم (٣٧٦٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٦٧٥٤).
(٧) صحيح مسلم برقم (٢٠١٨) وسنن أبي داود برقم (٣٧٦٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (٦٧٥٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٨٨٧).
(٨) في أ: "فذكر اسم الله".
(٩) في أ: "ولم".
(١٠) في أ: "أدركتكم".
(١١) في أ: "أدركتكم".
(١٢) في أ: "فعلكم".
(١٣) المسند (٣/٥٠١) وسنن أبي داود برقم (٣٧٦٤) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٨٦).
ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وعِكْرِمة، وعَطاء، وَالْحَسَنُ، ومَكْحول، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِي، والسُّدِّي، ومُقاتل بْنُ حيَّان: يَعْنِي ذَبَائِحَهُمْ.
وَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ ذَبَائِحَهُمْ حَلَالٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَ الذَّبْحِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَا يَذْكُرُونَ عَلَى ذَبَائِحِهِمْ إِلَّا اسْمَ اللَّهِ، وَإِنِ اعْتَقَدُوا فِيهِ تَعَالَى مَا هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ قَوْلِهِمْ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّل قَالَ: دُلِّي بِجِرَابٍ مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ. [قَالَ] (١) فَاحْتَضَنْتُهُ (٢) وَقُلْتُ: لَا أُعْطِي الْيَوْمَ مِنْ هَذَا أَحَدًا، والتفتُّ فَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَسَّمُ. (٣)
فَاسْتَدَلَّ بِهِ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تناولُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْفُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي مَنْعِهِمْ أَكْلَ (٤) مَا يَعْتَقِدُ الْيَهُودُ تَحْرِيمَهُ (٥) مِنْ ذَبَائِحِهِمْ، كَالشُّحُومِ وَنَحْوِهَا مِمَّا حَرُمَ عَلَيْهِمْ. فَالْمَالِكِيَّةُ لَا يُجَوِّزُونَ لِلْمُسْلِمِينَ أَكْلَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قَالُوا: وَهَذَا لَيْسَ مِنْ طَعَامِهِمْ. وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِمُ (٦) الْجُمْهُورُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَضِيَّةُ عَيْنٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ شَحْمًا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ، كَشَحْمِ الظَّهْرِ وَالْحَوَايَا وَنَحْوِهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَجْوَدُ مِنْهُ فِي الدَّلَالَةِ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ أَهْلَ خَيْبَرَ أَهْدَوْا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةٌ مَصْليَّة، وَقَدْ سَمّوا ذِرَاعَهَا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ الذِّرَاعُ، فَتَنَاوَلَهُ فنَهَشَ مِنْهُ نَهْشةً، فَأَخْبَرَهُ الذِّرَاعُ أَنَّهُ مَسْمُومٌ، فلَفَظَه وَأَثَّرَ ذَلِكَ السُّمُّ فِي ثَنَايَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي أبْهَرِه، وَأَكَلَ مَعَهُ مِنْهَا بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرور؛ فَمَاتَ، فَقَتَلَ الْيَهُودِيَّةَ الَّتِي سَمَّتْهَا، وَكَانَ اسْمُهَا زَيْنَبَ، فَقُتِلَتْ بِبِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ. (٧)
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ عَزَمَ عَلَى أَكْلِهَا وَمَنْ مَعَهُ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ هَلْ نَزَعُوا مِنْهَا مَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ مِنْ شَحْمِهَا أَمْ لَا.
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَضَافَهُ يَهُودِيٌّ عَلَى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سنَخَة، يَعْنِي: ودَكا زَنِخًا (٨)
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قُرِئَ عَلَى الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَد، أَخْبَرْنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنِي النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢١] ثُمَّ نَسَخَهَا الرَّبُّ، عَزَّ وَجَلَّ، وَرَحِمَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ فَنَسَخَهَا بِذَلِكَ، وَأَحَلَّ طَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَفِي هَذَا الَّذِي قَالَهُ مَكْحُولٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ، نَظَرٌ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِبَاحَتِهِ طَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ إباحةُ أَكْلِ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى ذَبَائِحِهِمْ وَقَرَابِينِهِمْ، وَهُمْ متعبدون
(١) زيادة من أ.
(٢) في أ: "فاحتبسته".
(٣) صحيح البخاري برقم (٣١٥٣) وصحيح مسلم برقم (١٧٧٢).
(٤) في أ: "كل".
(٥) في أ: "وتحريمه".
(٦) في ر: "عليه".
(٧) ورواه أبو داود في سننه برقم (٤٥١٢) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.
(٨) رواه أحمد في مسنده (٣/٢١١) من حديث أنس، رضي الله عنه.
بِذَلِكَ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُبِحْ ذَبَائِحَ مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَمَنْ شَابَهَهُمْ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى ذَبَائِحِهِمْ، بَلْ وَلَا يَتَوَقَّفُونَ فِيمَا يَأْكُلُونَهُ مِنَ اللَّحْمِ عَلَى ذَكَاةٍ، بَلْ يَأْكُلُونَ الْمَيْتَةَ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَمَنْ شَاكَلَهُمْ مِنَ السَّامِرَةِ وَالصَّابِئَةِ، وَمَنْ تَمَسّك بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ وَشِيثَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَى أَحَدِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَنَصَارَى الْعَرَبِ كَبَنِي تَغْلِب وتَنُوخ وبَهْرَاء وجُذام ولَخْم وعَاملة وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ، لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
[وَ] (١) قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ (٢) مُحَمَّدِ بْنِ عَبِيدة قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: لَا تَأْكُلُوا ذَبَائِحَ بَنِي تَغْلِبَ؛ لِأَنَّهُمْ (٣) إِنَّمَا يَتَمَسَّكُونَ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ.
وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ؛ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بَأْسًا بِذَبِيحَةِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ.
وَأَمَّا الْمَجُوسُ، فَإِنَّهُمْ وَإِنْ أُخِذَتْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ تَبَعًا وَإِلْحَاقًا لِأَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُمْ (٤) لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ، خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ الْكَلْبِيِّ، أَحَدِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ وَاشْتَهَرَ عَنْهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ عَنْهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَبُو ثَوْرٍ كَاسْمِهِ! يَعْنِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَكَأَنَّهُ تَمَسَّكَ بِعُمُومِ حَدِيثٍ رُوِيَ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "سُنوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ"، (٥) وَلَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا الَّذِي فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أن رسول الله ﷺ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجوس هَجَر (٦) وَلَوْ سُلِّمَ صِحَّةُ هَذَا الْحَدِيثِ، فَعُمُومُهُ مَخْصُوصٌ بِمَفْهُومِ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ فَدَلَّ بِمَفْهُومِهِ -مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ-عَلَى أَنَّ طَعَامَ مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ (٧) لَا يَحِلُّ (٨)
وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ أَيْ: وَيَحِلُّ لَكُمْ أَنَّ تُطْعِمُوهُمْ مِنْ ذَبَائِحِكُمْ، وَلَيْسَ هَذَا إِخْبَارًا عَنِ الْحُكْمِ عِنْدَهُمْ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الْأَكْلِ مِنْ كُلِّ طَعَامٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ أَوْ غَيْرِهَا. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى، أَيْ: وَلَكُمْ أَنْ تُطْعِمُوهُمْ مِنْ ذَبَائِحِكُمْ كَمَا أَكَلْتُمْ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ. وَهَذَا مِنْ بَابِ الْمُكَافَأَةِ وَالْمُقَابَلَةِ وَالْمُجَازَاةِ، كَمَا أَلْبَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبَهُ لِعَبْدِ الله بن أبيّ بن سَلُولَ حِينَ مَاتَ وَدَفَنَهُ فِيهِ، قَالُوا: لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ كَسَا الْعَبَّاسَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ ثَوْبَهُ، فَجَازَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ بِذَلِكَ، فَأَمَّا (٩) الْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ: "لَا تَصْحَبْ إِلَّا مُؤْمِنا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ" (١٠) فَمَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(١) زيادة من أ.
(٢) في ر، أ: "بن".
(٣) في ر، أ: "فإنهم".
(٤) في أ "فإنه".
(٥) رواه مالك في الموطأ (١/٢٧٨) ومن طريقة الشافعي في السنن (١١٨٣) والبيهقي في السنن الكبرى (٩/١٨٩) عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس، فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أَشْهَدُ لَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب". ومحمد بن علي لم يسمع من عمر، فهو منقطع.
(٦) صحيح البخاري برقم (٣١٥٦).
(٧) في أ: "الأوثان".
(٨) في د: "طعام غير أهل الكتاب لا يحل".
(٩) في أ: "وأما".
(١٠) رواه أبو دواد في السنن برقم (٤٨٣٢) وابن ماجة في السنن برقم (٢٣٩٥) من حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أَيْ: وَأَحِلُّ لَكُمْ نِكَاحُ الْحَرَائِرِ الْعَفَائِفِ مِنَ النِّسَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ، وَذِكْرُ هَذَا تَوْطِئَةٌ لِمَا بَعْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُم﴾ فَقِيلَ: (١) أَرَادَ بِالْمُحَصَّنَاتِ: الْحَرَائِرُ دُونَ الْإِمَاءِ، حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ. وَإِنَّمَا قَالَ مُجَاهِدٌ: الْمُحْصَنَاتُ: الْحَرَائِرُ، فَيُحْتَمَلُ (٢) أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَا حَكَاهُ عَنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْحُرَّةِ الْعَفِيفَةَ، كَمَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْهُ. وَهُوَ (٣) قَوْلُ الْجُمْهُورِ هَاهُنَا، وَهُوَ الْأَشْبَهُ؛ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ فِيهَا أَنْ تَكُونَ ذِمِّيَّةً وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ عَفِيفَةٍ، فَيُفْسِدُ حَالَهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَيَتَحَصَّلُ زَوْجُهَا عَلَى مَا قِيلَ (٤) فِي الْمَثَلِ: "حَشفَا (٥) وسَوء كَيْلَةٍ". (٦) (٧) وَالظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُحْصَنَاتِ: الْعَفِيفَاتُ عَنِ الزِّنَا، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٥].
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ وَالْعُلَمَاءُ فِي قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هَلْ يَعُمُّ كُلَّ كِتَابِيَّةٍ عَفِيفَةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً؟ حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ، مِمَّنْ فَسَّرَ الْمُحْصَنَةَ بِالْعَفِيفَةِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ هَاهُنَا الْإِسْرَائِيلِيَّاتُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ: الذِّمِّيَّاتُ دُونَ الْحَرْبِيَّاتِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ [وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ]﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٩] (٨)
وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَا يَرَى التَّزْوِيجَ بِالنَّصْرَانِيَّةِ، وَيَقُولُ: لَا أَعْلَمَ شِرْكًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ تَقُولَ: إِنَّ رَبَّهَا عِيسَى، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ٢٢١].
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمُؤَدِّبُ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ -يَعْنِي المُزَنِيّ-حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَمِيع، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْغِفَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ قَالَ: فَحَجَزَ النَّاسُ عَنْهُنَّ حَتَّى نَزَلَتِ الَّتِي بَعْدَهَا: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فَنَكَحَ النَّاسُ [مِنْ] (٩) نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَقَدْ تَزَوَّجَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ نِسَاءِ النَّصَارَى وَلَمْ يَرَوْا بِذَلِكَ بَأْسًا، أَخْذًا بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فَجَعَلُوا (١٠) هَذِهِ مُخَصَّصَةً لِلْآيَةِ الَّتِي الْبَقَرَةِ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [الْآيَةَ: ٢٢١] إِنْ قِيلَ بِدُخُولِ الْكِتَابِيَّاتِ فِي عُمُومِهَا، وَإِلَّا فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا (١١) ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ يُفْصَل فِي ذِكْرِهِمْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [الْبَيِّنَةُ: ١] وَكَقَوْلِهِ (١٢) ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ الآية [آل عمران: ٢٠]
(١) في د: "قيل"، وفي أ: "قلت".
(٢) في أ: "يحتمل".
(٣) في أ: "وهي".
(٤) في د: "كما قيل".
(٥) في ر، د: "حثف".
(٦) في أ: "كلية"، وهو خطأ.
(٧) الحشف: أردأ التمر، وانظر: مجمع الأمثال للميداني (١/٢٠٧).
(٨) زيادة من ر، أ. وفي هـ: "الآية".
(٩) زيادة من أ.
(١٠) في أ: "وجعلوا".
(١١) في ر، أ: "وبيننا".
(١٢) في ر: "ولقوله".
، وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أَيْ: (١) مُهُورَهُنَّ، أَيْ: كَمَا هُنَّ مُحْصَنَاتٌ عَفَائِفُ، فَابْذُلُوا لَهُنَّ الْمُهُورَ (٢) عَنْ طِيبِ نَفْسٍ. وَقَدْ أَفْتَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بِأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا نَكَحَ امْرَأَةً فَزَنَتْ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا: أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وتَرُدّ عَلَيْهِ مَا بَذَلَ لَهَا مِنَ الْمَهْرِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُمْ..
وَقَوْلُهُ: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ فَكَمَا شَرَطَ الْإِحْصَانَ فِي النِّسَاءِ -وَهِيَ الْعِفَّةُ-عَنِ الزِّنَا كَذَلِكَ شَرَطَهَا فِي الرِّجَالِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ أَيْضًا مُحْصَنًا عَفِيفًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ وَهُمُ: الزُّنَاةُ الَّذِينَ لَا يَرْتَدِعُونَ عَنْ مَعْصِيَةٍ، وَلَا يَرُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ عَمَّنْ جَاءَهُمْ، ﴿وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ أَيْ: ذَوِي الْعَشِيقَاتِ الَّذِينَ (٣) لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا مَعَهُنَّ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ سَوَاءٌ؛ وَلِهَذَا ذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، إِلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمَرْأَةِ البَغي حَتَّى تَتُوبَ، وَمَا دَامَتْ كَذَلِكَ لَا يَصِحُّ تَزْوِيجُهَا مِنْ رَجُلٍ عَفِيفٍ، وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُ عَقْدُ الرَّجُلِ الْفَاجِرِ عَلَى عَفِيفَةٍ حَتَّى يَتُوبَ وَيُقْلِعَ عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ الزِّنَا؛ لِهَذِهِ الْآيَةِ وَلِلْحَدِيثِ الْآخَرِ: "لَا يَنْكِحُ الزَّانِي الْمَجْلُودُ إِلَّا مِثْلَهُ." (٤)
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّار، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (٥) لَقَدْ هَمَمْتُ أَلَّا أَدَعَ أَحَدًا أَصَابَ فَاحِشَةً فِي الْإِسْلَامِ أَنْ يَتَزَوَّجَ مُحْصَنَةً. فَقَالَ لَهُ أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الشِّرْكُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ يُقْبَلُ مِنْهُ إِذَا تَابَ. (٦)
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُسْتَقْصًى [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] (٧) عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النُّورِ: ٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى هَاهُنَا: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
(١) في أ: "يعني".
(٢) في أ: "مهورهن".
(٣) في ر، أ: "اللاتي".
(٤) رواه أبو داود في سننه برقم (٢٠٥٢) من طريق عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أبي هريرة به.
(٥) زيادة من أ.
(٦) تفسير الطبري (٩/٥٨٤).
(٧) زيادة من أ.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٥ ْ } ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ْ﴾
كرر تعالى إحلال الطيبات لبيان الامتنان، ودعوة للعباد إلى شكره والإكثار من ذكره، حيث أباح لهم ما تدعوهم الحاجة إليه، ويحصل لهم الانتفاع به من الطيبات.
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ ْ﴾ أي : ذبائح اليهود والنصارى حلال لكم -يا معشر المسلمين- دون باقي الكفار، فإن ذبائحهم لا تحل للمسلمين، وذلك لأن أهل الكتاب ينتسبون إلى الأنبياء والكتب.
وقد اتفق الرسل كلهم على تحريم الذبح لغير الله، لأنه شرك، فاليهود والنصارى يتدينون بتحريم الذبح لغير الله، فلذلك أبيحت ذبائحهم دون غيرهم.
والدليل على أن المراد بطعامهم ذبائحهم، أن الطعام الذي ليس من الذبائح كالحبوب والثمار ليس لأهل الكتاب فيه خصوصية، بل يباح ذلك ولو كان من طعام غيرهم. وأيضا فإنه أضاف الطعام إليهم.
فدل ذلك، على أنه كان طعاما، بسبب ذبحهم. ولا يقال : إن ذلك للتمليك، وأن المراد : الطعام الذي يملكون. لأن هذا، لا يباح على وجه الغصب، ولا من المسلمين.
﴿وَطَعَامُكُمْ ْ﴾ أيها المسلمون ﴿حِلٌّ لَّهُمْ ْ﴾ أي : يحل لكم أن تطعموهم إياه ﴿وَ ْ﴾ أحل لكم ﴿الْمُحْصَنَاتِ ْ﴾ أي : الحرائر العفيفات ﴿مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ ْ﴾ والحرائر العفيفات ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ْ﴾ أي : من اليهود والنصارى.
وهذا مخصص لقوله تعالى ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ْ﴾ ومفهوم الآية، أن الأرقاء من المؤمنات لا يباح نكاحهن للأحرار، وهو كذلك.
وأما الكتابيات فعلى كل حال لا يبحن، ولا يجوز نكاحهن للأحرار مطلقا، لقوله تعالى :﴿مِن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ْ﴾ وأما المسلمات إذا كن رقيقات فإنه لا يجوز للأحرار نكاحهن إلا بشرطين، عدم الطول وخوف العنت.
وأما الفاجرات غير العفيفات عن الزنا فلا يباح نكاحهن، سواء كن مسلمات أو كتابيات، حتى يتبن لقوله تعالى :﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ْ﴾ الآية.
وقوله :﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ْ﴾ أي : أبحنا لكم نكاحهن، إذا أعطيتموهن مهورهن، فمن عزم على أن لا يؤتيها مهرها فإنها لا تحل له.
وأمر بإيتائها إذا كانت رشيدة تصلح للإيتاء، وإلا أعطاه الزوج لوليها.
وإضافة الأجور إليهن دليل على أن المرأة تملك جميع مهرها، وليس لأحد منه شيء، إلا ما سمحت به لزوجها أو وليها أو غيرهما. ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ْ﴾ أي : حالة كونكم -أيها الأزواج- محصنين لنسائكم، بسبب حفظكم لفروجكم عن غيرهن.
﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ ْ﴾ أي : زانين مع كل أحد ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ْ﴾
وهو : الزنا مع العشيقات، لأن الزناة في الجاهلية، منهم من يزني مع من كان، فهذا المسافح. ومنهم من يزني مع خدنه ومحبه. فأخبر الله تعالى أن ذلك كله ينافي العفة، وأن شرط التزوج أن يكون الرجل عفيفا عن الزنا.
وقوله تعالى :﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ْ﴾ أي : ومن كفر بالله تعالى، وما يجب الإيمان به من كتبه ورسله أو شيء من الشرائع، فقد حبط عمله، بشرط أن يموت على كفره، كما قال تعالى :﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ْ﴾ ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ْ﴾ أي : الذين خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم يوم القيامة، وحصلوا على الشقاوة الأبدية.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٥} ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
كرر تعالى إحلال الطيبات لبيان الامتنان، ودعوة للعباد إلى شكره والإكثار من ذكره، حيث أباح لهم ما تدعوهم الحاجة إليه، ويحصل لهم الانتفاع به من الطيبات.
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ أي: ذبائح اليهود والنصارى حلال لكم -يا معشر المسلمين- دون باقي الكفار، فإن ذبائحهم لا تحل للمسلمين، وذلك لأن أهل الكتاب ينتسبون إلى الأنبياء والكتب.
وقد اتفق الرسل كلهم على تحريم الذبح لغير الله، لأنه شرك، فاليهود والنصارى يتدينون بتحريم الذبح لغير الله، فلذلك أبيحت ذبائحهم دون غيرهم.
والدليل على أن المراد بطعامهم ذبائحهم، أن الطعام الذي ليس من الذبائح كالحبوب والثمار ليس لأهل الكتاب فيه خصوصية، بل يباح ذلك ولو كان من طعام غيرهم. وأيضا فإنه أضاف الطعام إليهم.
فدل ذلك، على أنه كان طعاما، بسبب ذبحهم. ولا يقال: إن ذلك للتمليك، وأن المراد: الطعام الذي يملكون. لأن هذا، لا يباح على وجه الغصب، ولا من المسلمين.
﴿وَطَعَامُكُمْ﴾ أيها المسلمون ﴿حِلٌّ لَّهُمْ﴾ أي: يحل لكم أن تطعموهم إياه ﴿وَ﴾ أحل لكم ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي: الحرائر العفيفات ﴿مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ والحرائر العفيفات ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي: من اليهود والنصارى.
وهذا مخصص لقوله تعالى ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ -[٢٢٢]- ومفهوم الآية، أن الأرقاء من المؤمنات لا يباح نكاحهن للأحرار، وهو كذلك.
وأما الكتابيات فعلى كل حال لا يبحن، ولا يجوز نكاحهن للأحرار مطلقا، لقوله تعالى: ﴿مِن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ وأما المسلمات إذا كن رقيقات فإنه لا يجوز للأحرار نكاحهن إلا بشرطين، عدم الطول وخوف العنت.
وأما الفاجرات غير العفيفات عن الزنا فلا يباح نكاحهن، سواء كن مسلمات أو كتابيات، حتى يتبن لقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ الآية.
وقوله: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: أبحنا لكم نكاحهن، إذا أعطيتموهن مهورهن، فمن عزم على أن لا يؤتيها مهرها فإنها لا تحل له.
وأمر بإيتائها إذا كانت رشيدة تصلح للإيتاء، وإلا أعطاه الزوج لوليها.
وإضافة الأجور إليهن دليل على أن المرأة تملك جميع مهرها، وليس لأحد منه شيء، إلا ما سمحت به لزوجها أو وليها أو غيرهما. ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: حالة كونكم -أيها الأزواج- محصنين لنسائكم، بسبب حفظكم لفروجكم عن غيرهن.
﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: زانين مع كل أحد ﴿وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾.
وهو: الزنا مع العشيقات، لأن الزناة في الجاهلية، منهم من يزني مع من كان، فهذا المسافح. ومنهم من يزني مع خدنه ومحبه. فأخبر الله تعالى أن ذلك كله ينافي العفة، وأن شرط التزوج أن يكون الرجل عفيفا عن الزنا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ أي: ومن كفر بالله تعالى، وما يجب الإيمان به من كتبه ورسله أو شيء من الشرائع، فقد حبط عمله، بشرط أن يموت على كفره، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ ﴿وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: الذين خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم يوم القيامة، وحصلوا على الشقاوة الأبدية.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٧ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير الشافعي — الشافعي مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
ذَبَائِحُهُمْ.
وَالْمُحْصَنَاتُ
الحَرَائِرُ، العَفِيفَاتُ.
مُحْصِنِينَ
عَفِيفِينَ.
وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ
غَيْرَ مُتَّخِذِي عَشِيقَاتٍ.

إعراب الآية ٥ من سورة المائدة

من كتاب: إعراب القرآن

بالابتداء، والتقدير فإنّ الله له غفور رحيم ثم حذف له وأنشد سيبويه: [الرجز] ١١٨-
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعىعليّ ذنبا كلّه لم أصنع «١»
اضْطُرَّ في موضع جزم بالشرط إلّا أنه فعل ماض لا يعمل فيه عامل، ويجوز كسر النون وضمّها، وقرأ ابن محيصن فمن اطّرّ «٢» وهو لحن لأن الضاد فيها تفش فلا تدغم في شيء. غَيْرَ مُتَجانِفٍ «٣» على الحال، وإن شئت كسر النون في «فمن» على أصل التقاء الساكنين.

[سورة المائدة (٥) : آية ٤]

يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤)
يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ ما في موضع رفع بالابتداء، والخبر الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وذا زائدة، وإن شئت كان بمعنى الذي وكان الخبر قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وهو الحلال، وكل حرام فليس بطيب، وقيل: الطيب ما التذّه أكله وشاربه ولم يكن عليه منه ضرر في الدنيا ولا في الآخرة. وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ قال الأخفش: واحدتها جارحة. مُكَلِّبِينَ نصب على الحال. فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ الأصل أمسكنه وحذفت الهاء لطول الاسم وفي هذا وفيما قبله دليل على أنه أن أكل الجارحة لم يؤكل منه. وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ الذكر باللسان، وقيل: بالقلب والذي توجبه اللغة أن يكون باللسان حقيقة وبالقلب مجازا.

[سورة المائدة (٥) : آية ٥]

الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥)
مُحْصِنِينَ.
نصب على الحال. غَيْرَ مُسافِحِينَ مثله، وإن شئت كان نعتا. وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ عطف على مسافحين ولا يجوز أن يكون معطوفا على محصنين. وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ شرط والجواب فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ. قال أبو إسحاق «٤» : أي من بدل شيئا مما
(١) الشاهد لأبي النجم العجلي في تخليص الشواهد ٢٨١، والكتاب ١/ ١٣٨، وخزانة الأدب ١/ ٣٥٩، والدرر ٢/ ١٣، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٤، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٤٤، وشرح المفصل ٦/ ٩٠، والمحتسب ١/ ٢١١، ومعاهد التنصيص ١/ ١٤٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٢٤، وبلا نسبة في الخصائص ٢/ ٦١، وشرح المفصل ٢/ ٣٠ والمقتضب ٤/ ٢٥٢، وهمع الهوامع ١/ ٩٧.
(٢) انظر البحر المحيط ٣/ ٤٤٢ (بإدغام الضاد في الطاء).
(٣) وقرأ أبو عبد الرّحمن والنخعي وابن وثاب (متجنف) بدون ألف، انظر البحر المحيط ٣/ ٤٤٢.
(٤) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجّاج ٦٣٠.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٥ من سورة المائدة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

وَالْمُحْصَنَاتُ

(والمحصَنات) بفتح الصاد

خلف عن حمزة إدريس عن خلف إسحاق عن خلف روح عن يعقوب رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر خلاد عن حمزة قالون عن نافع حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع

(والمحصِنات) بكسر الصاد

أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٥ من سورة المائدة

١٦ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٨٠ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

نزول الآية

٣ أقوال
١
قال مقاتل بن حَيّان: نزلت فيما أحصن المسلمون من نساء أهل الكتاب. يقول: ليس إحصانُ المسلمين إيّاهُنَّ بالذي يُخْرِجُهُنَّ من الكفر١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٣.
٢
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿ولا متخذي أخدان﴾... قال: ذُكِر لنا: أنّ رجالًا قالوا: كيف نتزوج نساءهم، وهم على دين ونحن على غيره؟! فأنزل الله: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾، فأحَلَّ الله تزويجَهُنَّ على عِلْم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٥٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد دون آخره.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابن جرير (٨/١٤٩-١٥٠): «قد ذُكِرَ أنّ قوله: ﴿ومن يكفر بالإيمان﴾ عنى به: أهل الكتاب، وأنّه أنزل على رسول الله ﷺ من أجل قوم تَحَرَّجوا نكاحَ نساءِ أهل الكتاب لَمّا قيل لهم: ﴿أحِل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حِلٌّ لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾»، ثم ساق قول قتادة.
٣
قال مقاتل بن سليمان: فلَمّا أحلَّ الله عز وجل نساء أهل الكتاب؛ قال المسلمون: كيف تتزوجوهنَّ وهُنَّ على غير ديننا؟! وقالت نساء أهل الكتاب: ما أحَلَّ اللهُ تَزْوِيجَنا للمسلمين إلّا وقد رَضِي أعمالَنا. فأنزل الله عز وجل: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٥٥.

تفسير

٤٧ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق شَهْر بن حَوْشَب- قال: نَهى رسول الله ﷺ عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات، وحَرَّم كل ذات دين غير الإسلام، قال الله تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٥‏/‏٩١ (٢٩٢٢)، والترمذي ٥‏/‏٤٢٧-٤٢٨ (٣٤٩٤)، وابن جرير ٣‏/‏٧١٤ واللفظ له. قال الترمذي: «هذا حديث حسن». وقال ابن كثير في تفسيره ١‏/‏٥٨٢: «حديث غريب جدًّا».
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾، قال: أخبر الله أنّ الإيمان هو العُرْوَة الوُثْقى، وأنه لا يقبل عملًا إلا به، ولا يُحَرِّم الجنةَ إلّا على مَن تَرَكَه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٥١.
٣
عن عبد الله بن عباس: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ﴾: ومن يكفر بالله١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٣.
٤
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿ومن يكفر بالإيمان﴾، قال: بالله١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٥٠-١٥١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّهَ ابن جرير (٨/١٥١-١٥٢) تأويل مجاهد هذا بقوله: «وجْهُ تأويلِه ذلك كذلك: أنّ الإيمان هو التصديق بالله، وبرسله، وما ابتعثهم به من دينه، والكفر جحود ذلك. قالوا: فمعنى الكفر بالإيمان هو: جحود الله، وجحود توحيده. ففَسَّروا معنى الكلمة بما أُرِيد بها، وأعرضوا عن تفسير الكلمة على حقيقة ألفاظها وظاهرها في التلاوة. فإن قال قائل: فما تأويلها على ظاهرها وحقيقة ألفاظها؟ قيل: تأويلها: ومن يَأْبَ الإيمان بالله، ويمتنع من توحيده، والطاعة له فيما أمره به ونهاه عنه؛ فقد حَبِط عمله. وذلك أن الكفر هو الجحود في كلام العرب، والإيمان التصديق والإقرار. ومَن أبى التَّصْدِيق بتوحيد الله والإقرار به فهو من الكافرين. فذلك تأويل الكلام على وجهه».
٥
عن عطاء [بن أبي رباح] -من طريق واصِل- ﴿ومن يكفر بالإيمان﴾، قال: الإيمان: التوحيد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٥٠.
٦
عن عطاء [بن أبي رباح]-من طريق ابن جُرَيْج- ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾، قال: بالإيمان: بالله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٥٠.
٧
عن قتادة بن دِعامة: في قوله: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾، قال: لا والله، لا يقبل الله عملًا إلا بالإيمان١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٨
عن محمد بن السائب الكَلْبِيّ: ﴿بالإيمان﴾، أي: بكلمة التوحيد، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٣‏/‏٢٠.
٩
عن محمد بن السائب الكلبي: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ﴾، أي: بما أُنزِل على محمد ﷺ١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٣.
١٠
عن مقاتل: بما أُنزِل على محمد ﷺ، وهو القرآن١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٣‏/‏٢٠.
١١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ﴾ يعني: من نساء أهل الكتاب، بتوحيد الله ﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٥٥.
١٢
عن عبد الله بن عباس: في قوله: ﴿وهو في الآخرة من الخاسرين﴾: خَسِر الثواب١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٣‏/‏٢٠.
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾، يعني: من الكافرين١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٥٥.
١٤
عن مُقاتِل بن حَيّان: ﴿وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾، يعني: من أهل النار١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٣.
١٥
عن سعيد بن المسيب، والحسن البصري -من طريق قتادة -: أنهما كانا لا يَرَيان بأسًا بنكاح نساء اليهود والنصارى، وقالا: أحَلَّه الله على عِلْم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨/ ١٤٥.
١٦
عن إبراهيم النخعي -من طريق منصور-: أنّه قال في التي تَسَرَّي قبل أن يدخل بها. قال: ليس لها صَداق، ويُفَرَّق بينهما١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٤٤.
١٧
عن عامر الشعبي -من طريق مُطَرِّف- في قوله: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، قال: التي أحْصَنَت فرجَها، واغتسلت من الجنابة١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق (١٠٠٦٦).
١٨
عن عامر الشعبي -من طريق أشعث- في البكر تَفْجُر، قال: تُضْرَب مائة سوط، وتُنفى سنة، وتَرُدُّ على زَوْجِها ما أخَذَتْ منه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٤٤.
١٩
عن جابر بن عبد الله -من طريق أبي الزُّبَيْر-، مثل ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٤٤.
٢٠
عن الحسن البصري -من طريق أشعث-، مثل ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٤٤.
٢١
عن الحسن البصري -من طريق يونس- يقول: إذا رأى الرجل من امرأته فاحشةً، فاستيقن؛ فإنه لا يُمْسِكُها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٤٤.
٢٢
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، قال: أحَلَّ الله لنا مُحْصَنَتَيْن: مُحْصَنَة مؤمنة، ومُحْصَنَة من أهل الكتاب، نساؤنا عليهم حرام، ونساؤهم لنا حلال١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٤٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢٣
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال عز وجل: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ﴾ يعني: وأحلَّ لكم تزويج العفائف من المؤمنات، ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ يعني: وأحلَّ تزويج العفائف من حرائر نساء اليهود والنصارى، نكاحهن حلال للمسلمين١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٥٥.
٢٤
قال مالك بن أنس: لا يَحِلُّ نكاح أمَة يهودية ولا نصرانية؛ لأنّ الله -تبارك وتعالى- يقول في كتابه: ﴿والمحصنات من المؤمنات، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، فهن الحرائر من اليهوديات والنصرانيات، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ [النساء:٢٥]، فهن الإماء المؤمنات١
التخريج
  1. ١أخرجه مالك في الموطأ (ت: د. بشار عواد) ٢‏/‏٤٨ (١٥٥٠).
٢٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿إذا آتيتموهن أجورهن﴾، يعني: مهورهن١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٤٨، والبيهقي في سننه ٧‏/‏١٧١، ٩‏/‏٢٨٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، والنحاس.
٢٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، يعني: إذا أعطيتموهن مهورهن١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٥٥.
٢٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿إذا آتيتموهن أجورهن﴾ يعني: مهورهن، ﴿محصنين﴾ يعني: تنكحوهن بالمهر والبَيِّنة، ﴿غير مسافحين﴾ غير: مُتَعالِنِين بالزِّنا، ﴿ولا متخذات أخدان﴾ يعني: يُسْرِرْنَ بالزِّنا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٤٨، والبيهقي في سننه ٧‏/‏١٧١، ٩‏/‏٢٨٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، والنحاس.
٢٨
عن الحسن البصري -من طريق المُغيرة- أنه سُئِل: أيتزوج الرجلُ المرأةَ من أهل الكتاب؟ قال: ما له ولأهل الكتاب! وقد أكثر الله المسلمات، فإن كان لا بُدَّ فاعلًا فلْيَعْمَد إليها حَصانًا غير مُسافِحَة. قال الرجل: وما المُسافِحَة؟ قال: هي التي إذا ألْمَح إليها الرجلُ بعينه تَبِعَتْه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٤٩.
٢٩
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿ولا متخذي أخدان﴾، قال: ذو الخِدْن: ذو الخليلة الواحدة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وأخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٤٩ بلفظ: ذات الخدن: ذات الخليل الواحد.
٣٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿مُحْصِنِينَ﴾ لفروجهنَّ من الزنا، ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ يعني: غير مُعْلِناتٍ بالزِّنا عَلانِيَة، ﴿ولا مُتَّخِذِي أخْدانٍ﴾ يعني: لا تَتَّخذ الخليلَ في السِّرِّ فيأتيها١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٥٥.
٣١
عن عمر بن الخطاب -من طريق الحسن- قال: لقد هَمَمْتُ أن لا أدَع أحدًا أصاب فاحشة في الإسلام أن يتزوج مُحْصَنَة. فقال له أبيُّ بن كعب: يا أمير المؤمنين، الشرك أعظم من ذلك، وقد يُقْبَل منه إذا تاب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٤٢.
٣٢
عن طارق بن شهاب: أنّ رجلًا طلَّق امرأته، وخُطِبَت إليه أختُه، وكانت قد أحْدَثَتْ، فأتى عمرَ، فذكر ذلك له منها، فقال عمر: ما رأيتَ منها؟ قال: ما رأيتُ منها إلا خيرًا. فقال: زَوِّجها ولا تُخْبِر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٤٠، وأخرج نحوه ٨‏/‏١٤٠-١٤١ من طريق الشعبي بألفاظ متعددة.
٣٣
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد-: أنّ امرأة اتخذت مملوكها، وقالت: تَأَوَّلْتُ كتابَ الله: ﴿وما ملكت أيمانكم﴾ [النساء:٣٦]. قال: فأُتِيَ بها عمر بن الخطاب، فقال له ناس من أصحاب النبي ﷺ: تَأَوَّلَتْ آيةً من كتاب الله على غير وجهها. قال: فغَرَّب العبد، وجَزَّ رأسه، وقال: أنتِ بعده حرام على كل مسلم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٤٤.
٣٤
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، قال: من الحَرائِر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٣٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ليث- في قوله: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، قال: العَفائِف١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٤٢.
٣٦
عن الضحاك بن مُزاحِم: في قوله: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، قال: من العَفائِف١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣٧
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، قال: أمّا المحصنات فهُنَّ العَفائِف١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٤٣.
٣٨
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ قال عز وجل: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ﴾، يعني: وأحل لكم تزويج العفائف من المؤمنات١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٥٥.
٣٩
عن سفيان الثوري -من طريق ابن المبارك- يقول في قوله: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾، قال: العفائف١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٤٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفادت الآثار الاختلاف في المراد بالمحصنات في الآية على قولين: أحدهما: الحرائر دون الإماء. والآخر: العفيفات وإن كنّ إماءً. واختلفوا في قوله: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ أهو عامّ، أو خاصّ؟ على ثلاثة أقوال: أولها: هو عامّ يشمل كل نساء أهل الكتاب. ثانيها: هو خاصّ بالذِّمِّيّات دون الحربيات. ثالثها: هو خاص بنساء بني إسرائيل دون غيرهن من نساء أهل الكتاب. ورجَّحَ ابن جرير (٨/١٤٦-١٤٧) قولَ مجاهد وغيرِه: أنّ المراد بهن حرائر المؤمنين، وأهل الكتاب عامة، بدلالة القرآن والإجماع، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب: قولُ من قال: عنى بقوله: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾: حرائرَ المؤمنين وأهل الكتاب؛ لأن الله -جل ثناؤه- لم يأذن بنكاح الإماءِ الأحرارَ في الحال التي أباحهنَّ لهم، إلا أن يَكُنَّ مؤمنات، فقال -عزَّ ذِكْرُه-: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء:٢٥]، فلم يُبِح منهنَّ إلا المؤمنات. فلو كان مرادًا بقوله: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾: العفائف؛ لدخل العفائف من إمائهم في الإباحة، وخرج منها غير العفائف من حرائرهم وحرائر أهل الإيمان. وقد أحل الله لنا حرائر المؤمنات، وإن كُنَّ قد أتين بفاحشة بقوله: ﴿وأَنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ والصّالِحِينَ مِن عِبادِكُمْ وإمائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]. فنكاح حرائر المسلمين وأهل الكتاب حلال للمؤمنين، كُنَّ قد أتين بفاحشة أو لم يأتين بفاحشة، ذِمِّيَّةً كانت أو حَرْبِيَّةً، بعد أن تكون بموضع لا يَخافُ الناكحُ فيه على ولده أن يُجْبر على الكفر، بظاهر قول الله -جل وعز-: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾. فأمّا قول الذي قال: عنى بذلك: نساء بني إسرائيل؛ الكتابيّات منهن خاصة، فقول لا يوجب التشاغل بالبيان عنه؛ لشذوذه، والخروج عما عليه علماء الأمة من تحليل نساء جميع اليهود والنصارى». وذَهَبَ ابن كثير (٥/٨٢) إلى أنّ المراد بالمحصنات: العفيفات، مستندًا إلى النظائر، والدلالة العقلية، وقال تعليقًا على ما حكاه ابن جرير عن مجاهد من أنهن الحرائر: «إنما قال مجاهد: المحصنات: الحرائر. فيحتمل أن يكون أراد ما حكاه عنه، ويحتمل أن يكون أراد بالحرة: العفيفة، كما قاله مجاهد في الرواية الأخرى عنه. وهو قول الجمهور هاهنا، وهو الأشبه؛ لِئَلّا يجتمع فيها أن تكون ذمية وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية، ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل: حَشَفًا وسوء كيلة. والظاهر من الآية أن المراد بالمحصنات: العفيفات عن الزنا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان﴾ [النساء:٢٥]».
٤٠
عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «نتزوج نساء أهل الكتاب، ولا يتزوجون نساءنا»١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧١٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ جرير (٣/٧١٦): «هذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فالقول به؛ لإجماع الجميع على صحة القول به».
٤١
عن عمر بن الخطاب -من طريق زيد بن وهب- قال: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصرانيُّ المسلمةَ١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق (١٠٠٥٨)، وابن جرير ٣‏/‏٧١٥-٧١٦.
٤٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عَطِيَّة- ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، قال: حِلٌّ لكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٣٧، وابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢‏/‏١٢-، والبيهقي في سننه ٧‏/‏١٧١، ٩‏/‏٢٨٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، والنحاس.
٤٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية- في الآية، قال: أُحِلَّ لنا طعامهم، ونساؤهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٣٧.
٤٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق مِقْسَم- قال: من نساء أهل الكتاب مَن يَحِلُّ لنا، ومنهم من لا يَحِلُّ لنا. ثم قرأ: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية﴾ [التوبة:٢٩]، فمن أعطى الجزية حَلَّ لنا نساؤه، ومن لم يُعْط الجزية لم يَحِلَّ لنا نساؤه. قال الحكم: فذكرت ذلك لإبراهيم، فأعجبه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٤٦.
٤٥
عن ميمون بن مِهْران، قال: سألتُ ابن عمر عن نساء أهل الكتاب. فتلا عَلَيَّ هذه الآية: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، وتلا: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ [البقرة:٢٢١]١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٤٦
عن جابر بن عبد الله -من طريق أبي الزُّبَيْر-: أنه سُئِل عن نكاح المسلمِ اليهوديةَ والنصرانيةَ. فقال: تَزَوَّجْناهُنَّ زمن الفتح، ونحن لا نكاد نجد المسلمات كثيرًا، فلمّا رجعنا طلقناهُنَّ. قال: ونساؤهم لنا حِلٌّ، ونساؤنا عليهم حرام١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق (١٢٦٧٧). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٤٧
عن أبي مَيْسَرة [عمرو بن شُرَحبيل] -من طريق مغيرة- قال: مملوكات أهل الكتاب بمنزلة حرائرهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٤٥.

النسخ في الآية

٣ أقوال
١
عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم بن عبد الله- أنّه قال: وقال: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم﴾ [البقرة:٢٢١]، فنُسخ، واستثنى منها، فأحل من المشركات نساءَ أهل الكتاب في سورة المائدة، قال الله: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ [المائدة:٥]١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ٣‏/‏٦٧ (١٥١).
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي مالك الغِفارِيّ- قال: نزلت هذه الآية: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ [البقرة:٢٢١]، فحَجَزَ الناس عنهنّ، حتى نزَلت الآيةُ التي بعدَها: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، فنكَح الناسُ نساءَ أهل الكتاب١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ١٢‏/‏١٠٥ من طريق القاسم بن مالك المزني، عن إسماعيل بن سميع الحنفي، عن أبي مالك الغفاري، عن ابن عباس به، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٣‏/‏٤٢-. قال الهيثمي في المجمع ٤‏/‏٢٧٤: «رجاله ثقات».
٣
عن مكحول -من طريق النعمان بن المُنذِر- قال: أنزل الله: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام:١٢١]، ثم نسخها الرب، ورحم المسلمين، فقال: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ فنسخها بذلك، وأحلَّ طعام أهل الكتاب١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٢‏/‏٤٠-.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابن كثير (٥/٧٩) على قول مكحول بقوله: «وفي هذا الذي قاله مكحول رحمه الله نظر؛ فإنه لا يلزم من إباحته طعام أهل الكتاب إباحةُ أكل ما لم يذكر اسم الله عليه؛ لأنهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم، وهم مُتَعَبَّدون بذلك، ولهذا لم يُبِح ذبائحَ مَن عداهم من أهل الشرك ومَن شابههم؛ لأنهم لم يذكروا اسم الله على ذبائحهم، بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة، بل يأكلون الميتة، بخلاف أهل الكتابين ومن شاكلهم من السامرة والصابئة، ومن تَمَسّك بدين إبراهيم وشيث وغيرهما من الأنبياء، على أحد قولي العلماء، ونصارى العرب كبني تَغْلِب وتَنُوخ وبَهْراء وجُذام ولَخْم وعاملة ومن أشبههم، لا تؤكل ذبائحهم عند الجمهور».

آثار في أحكام الآية

١٧ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: كُلُوا من ذبائح بني تَغْلِب، وتَزَوَّجوا من نسائهم؛ فإن الله قال في كتابه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾، فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٣٢، ونحوه في ٨‏/‏١٣٠ مختصرًا.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: لا تأكلوا ذبائح نصارى العرب، وذبائح نصارى إرْمِينِيَةَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٣٤.
٣
عن سعيد بن المسيب، والحسن البصري -من طريق قتادة-: أنّهما كانا لا يَرَيان بأسًا بذبيحة نصارى بني تَغْلِب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨/ ١٣١.
٤
عن القاسم بن مُخَيْمِرَة، قال: كُلْ من ذبيحته، وإن قال: باسم جِرْجِس١
التخريج
  1. ١عَلَّقه النحاس في الناسخ والمنسوخ ٢‏/‏٢٤٣.
٥
وهو قول عبادة بن الصامت، وعامر الشعبي، وربيعة [الرأي]١
التخريج
  1. ١علَّقه النحاس في الناسخ والمنسوخ ١/ ٣٦٤.
٦
عن عامر الشعبي -من طريق أبي حصين-: أنه كان لا يرى بأسًا بذبائح نصارى بني تَغْلِب، وقرأ: ﴿وما كان ربك نسيا﴾ [مريم:٦٤]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٣١.
٧
عن الحسن البصري، وعكرمة مولى ابن عباس -من طريق قتادة-: أنهما كانا لا يريان بأسًا بذبائح نصارى بني تَغْلِب، وبتَزَوُّج نسائهم، ويَتْلُوان: ﴿ومَن يَتَوَلَّهُمْ مِنكُمْ فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨/ ١٣١.
٨
عن شعبة، قال: سألت الحكم [بن عُتَيْبة]، وحَمّاد [بن أبي سليمان]، وقتادة عن ذبائح نصارى بني تَغْلِب، فقالوا: لا بأس بها. قال: وقرأ الحكم: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ [البقرة: ٧٨]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨/ ١٣٢.
٩
عن عطاء [بن أبي رباح] -من طريق ابن جُرَيْج-: إنما يُفَرِّق بين ذلك الكتاب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٣١.
١٠
عن عطاء، قال: كُلْ من ذبيحة النصراني وإن قال: باسم المسيح؛ لأنّ الله تعالى قد أحَلَّ ذبائحهم، وقد عَلِم ما يقولون١
التخريج
  1. ١علَّقه النحاس في الناسخ والمنسوخ ٢‏/‏٢٤٢.
١١
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق ابن جُرَيْج- في ذبيحة نصارى العرب، قال: تُؤْكَل من أجل أنّهم في الدين أهل كتاب١، ويذكرون اسم الله٢
التخريج
  1. ٢أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٣١.
تعليقات المحققين
  1. ١أفادت الآثار الاختلاف في المراد بـ﴿الذين أوتوا الكتاب﴾على قولين: الأول: أنهم كل كتابيٍّ ممن أُنزل عليه التوراة والإنجيل، أو مِمَّن دخل في مِلَّتهم، فدانَ دينهم، وحرَّمَ ما حرَّموا، وحلَّل ما حلَّلوا، منهم ومن غيرهم من سائر أجناس الأمم. والثاني: أنهم الذين أنزل عليهم التوراة والإنجيل من بني إسرائيل وأبنائهم، دون غيرهم ممن دان بدينهم، وهم من غير بني إسرائيل. ورجَّحَ ابن جرير (٨/١٣٤) القولَ الأولَ؛ لإجماع الحجة، وهو قول ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وابن المسيب، والشعبي، وابن شهاب، وعطاء، والحكم، وحماد، وقتادة. وبيَّنَ أنّ ما ورد بالنهي عن ذبائح نصارى العرب كان من أجل أنهم تركوا تحليل ما تُحَلِّل النصارى، وتحريم ما تُحَرّم غير الخمر، لا من أجل أنهم ليسوا من بني إسرائيل. ومَن كان مُنتَحِلًا ملّةً هو غير متمسك منها بشيء، فهو إلى البراءة منها أقرب منه إلى اللحاق بها وبأهلها. ثمَّ قال: «فإذا كان ذلك كذلك، وكان إجماعًا من الحُجَّة أن لا بأس بذبيحة كل نصرانيّ ويهوديّ دان دين النصرانيّ أو اليهودي، فأحل ما أحلُّوا، وحرَّم ما حرموا، من بني إسرائيل كان أو من غيرهم؛ فبيِّنٌ خطأ ما قال الشافعي في ذلك، وتأويله الذي تأوّله في قوله: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حِلٌّ لكم﴾ أنّه ذبائح الذين أوتوا الكتابَ التوراةَ والإنجيلَ من بني إسرائيل، وصواب ما خالف تأويله ذلك، وقولِ من قال: إن كل يهودي ونصراني فحلال ذبيحتُه، من أيِّ أجناس بني آدم كان».
١٢
عن ابن وهْب، قال: سألته -يعني: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم- عَمّا ذُبِح للكنائس، وسُمِّي عليها. فقال: أحَلَّ الله لنا طعام أهل الكتاب، ولم يستثن منه شيئًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٣٧.
١٣
عن عمير بن الأسود، أنّه سأل أبا الدرداء عن كبش ذبح لكنيسة، يقال لها: جِرْجِس، أهدوه لها، أنأكل منه؟ فقال أبو الدرداء: اللهم عفوًا، إنهم هم أهل كتاب، طعامهم حلٌّ لنا، وطعامنا حلٌّ لهم. وأمره بأكله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٣٨.
١٤
عن علي بن أبي طالب -من طريق محمد بن علي-: أنّه كان يكره ذبائح نصارى بني تَغْلِب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٣٣.
١٥
عن أبي البَخْتَرِيِّ، قال: نهانا علِيٌّ عن ذبائح نصارى العَرَب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٣٣.
١٦
عن علي بن أبي طالب -من طريق عُبَيْدَة- قال: لا تأكلوا ذبائح نصارى بني تَغْلِب؛ فإنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٣٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابن جرير (٨/١٣٤) على قول عليّ رضي الله عنهما بقوله: «وهذه الأخبار عن عليّ -رضوان الله عليه- إنّما تدل على أنه كان ينهى عن ذبائح نصارى بني تَغْلِب، من أجل أنهم ليسوا على النصرانية؛ لتركهم تحليل ما تُحَلِّل النصارى، وتحريم ما تُحَرّم، غير الخمر. ومن كان منتحلًا مِلَّةً هو غير متمسك منها بشيء فهو إلى البراءة منها أقرب منه إلى اللحاق بها وبأهلها. فلذلك نهى عليٌّ عن أكل ذبائح نصارى بني تغلب، لا من أجل أنهم ليسوا من بني إسرائيل». وبنحوه قال ابن عطية (٣/١١١).
١٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- أنه سُئِل عن ذبائح نصارى العرب. فقال: لا بأس. ثم قرأ: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٣٠.

تفسير الآية

١٠ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب﴾، قال: ذبائحهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٣٦، وابن أبي حاتم أوله -كما في الإتقان ٢‏/‏١٢-، والبيهقي في سننه ٧‏/‏١٧١، ٩‏/‏٢٨٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، والنحاس.
٢
عن الحسن البصري -من طريق يونس-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٣٧.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: إنما أُحِلَّت ذبائحُ اليهود والنصارى من أجل أنهم آمنوا بالتوراة والإنجيل١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني (١١٧٧٨)، والحاكم ٢‏/‏٣١١.
٤
عن إبراهيم النخعي -من طريق مُغِيرَة- في قوله: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب﴾، قال: ذبائحهم١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٠١٨٢)، وفي التفسير ١‏/‏١٨٦، وابن جرير ٨‏/‏١٣٦.
٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾، قال: ذبيحتهم١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد (ص٣٠٠)، وأخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٣٥، وابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ١٧‏/‏٤٢٠ (٣٣٣٦٣). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٦
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾، قال: أحَلَّ اللهُ لنا طعامَهم ونساءَهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٣٧.
٧
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾، أي: ذبائحُهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٣٧.
٨
عن عبيد الله بن عبيد الكَلاعِيّ، قال: سألت مَكْحُولًا عن ذبائح عِيدات أهل الكتاب، والمُرَتَّبات لكنائسهم. فتلا هذه الآية: ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وطَعامُكُمْ حِلٌّ﴾، قال: طعامهم: ذبائحهم١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور في سننه (ت: سعد آل حميد) ٤‏/‏١٤٣٩-١٤٤٠ (٧١٤).
٩
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾: أما طعامهم فهو الذبائح١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏١٣٧.
١٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ يعني: الحلال، أي: الذبائح من الصيد، ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ يعني بالطعام: ذبائحَ الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى، ذبائحهم ونسائهم حلالٌ للمسلمين، ﴿وطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ يعني: ذبائح المسلمين وذبائح نسائهم حلال لليهود والنصارى١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٥٤-٤٥٥.
التفسير بالمأثور لسورة المائدة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٥ من سورة المائدة

٩ وقفات في هذه الآية

  • " ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله "ألا ترون أن الإيمان صار حصريا لديننا أنا متأكد أن أي فكرة تناقض الإسلام لا يؤمن بها صاحبها في الحقيقة.

    — عبدالله بلقاسم

  • دلت آية الوضوء: على سبعة أصول، كلها مثنى: طهارتان: الوضوء والغسل.ومطهران: الماء والتراب. وحُكمان: الغسل والمسح. وموجبان: الحدث والجنابة. ومبيحان: المرض والسفر.وكنايتان: الغائط والملامسة. وكرامتان: تطهير الذنوب وإتمام النعمة.

    — البجيرمي

  • مسألة: قوله تعالى: (محصنات غير مسافحات) . وفى المائدة: (محصنين غير مسافحين) ؟ . جوابه: أن آية النساء في نكاح الإماء، وكان كثير منهن مسافحات فناسب جمع المؤنث بالإحصان. وأية المائدة في من يحل للرجال من النساء فناسب وصف الرجال بالإحصان، ولأنه تقدم ذكر النساء بالإحصان، فذكر إحصان الرجال أيضا تسوية بينهما، لأنه مطلوب فيهما.

    — كتاب كشف المعاني / لابن جماعة

  • آية (٥) : (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) * قال سبحانه (فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) ولم يقل فقد بطل عمله أو فسد: الحبط هو فساد شيء كان صالحاً وهو أيضًا مرض يصيب الإبل من جراء أكل الخُضر في أول الربيع فتنتفخ أمعاءها وقد تموت جراء ذلك فكان استعمال الحبط في وصف فساد أعمالهم دقة عجيبة بينت أن عملهم كان صالحًا ولكنهم خربوه وأضاعوا ثماره بسبب سوء صنعهم فانقلب إلى فاسد.

    — مختصر لمسات بيانية

  • آية (5): *(الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ (5) المائدة) انظر كيف عبر ربنا عن الطعام بالطيبات فقال (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) فهل هذا يدل على أن الأطعمة إذا كان طعمها مراً فهي محرمة حتى خص الطيبات بالتحليل؟(ورتل القرآن ترتيلاً) إن الطيبات هي صفة لموصوف محذوف أي الأطعمة الطيبة وقد أطلق ربنا الطيب على المباح شرعاً للإيماء أن إباحة الشرع للشيء علامة على حسنه وسلامته من المضرة. *(وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5)) لم قال ربنا فقد حبط عمله ولم يقل فقد بطل عمله أو فسد؟(ورتل القرآن ترتيلاً) الحبط هو فساد شيء كان صالحاً وقد آثر ربنا أن يصف بطلان عملهم بالحبط لما في هذا اللفظ من الدقة في تصوير فساد أعمالهم لأن الحبط هو مرض يصيب الإبل من جراء أكل الخُضر في أول الربيع فتنتفخ أمعاءها وقد تموت جراء ذلك فكان استعمال الحبط في وصف فساد أعمالهم دقة عجيبة بينت أن أعمالهم كانت صالحة ولكنهم خربوه وأضاعوا ثماره بسبب سوء صنعهم فانقلب عملهم إلى فاسد.

    — برنامج ورتل القران ترتيلا

  • قوله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُر بِالِإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ. .) الآية. قياسُ قولِهِ " وَمَنْ يُؤْمنْ باللَّهِ " أن يُقالَ: وَمَنْ يكفرْ باللَّهِ، فالمرادُ بالكفر هنا الارتداد، والباءُ بمعنى " عَنْ " كما في قوله " سأل سائلٌ بعذابٍ واقع " أي ومن ارتدَّ عن الِإيمان. وقيلَ: المرادُ بالِإيمان المؤمَنُ به، تسميةً للمفعول بالمصدر، كما في قوله تعالى " أُحِلَّ لكم صيدُ البحر " أي مصيدُه.

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

  • برنامج التفسير الفقهي سورة المائدة آية 5

    — سعد الشثري

  • التفسير الفقهي سورة المائدة آية 5

    — سعد الشثري

  • التفسير الفقهي سورة المائدة آية 5.

    — سعد الشثري

الناسخ والمنسوخ في الآية ٥ من سورة المائدة

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ﴾

قوله تعالى: ﴿وطَعَامُ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَكُم، وطَعَامُكُمْ حِلٌّلَهُمْ﴾:
أباح الله لنا أن نأكل طعامهم ونطعمهم طعامنا.
وقد روي عن أبي الدّرداء وعبادة بن الصامت أنهما قالا: هذا ناسخ لقوله: ﴿وَلاَ تَأكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اسمُ اللهِ علَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] فأَحلَّ لنا بهذه الآية أكل ذبائح أهل الكتاب، وإن لم يذكروا اسمَ الله عليه.
وقد قال جماعةٌ من (أهل العلم): آيةُ الأنعام محكمةٌ، وإذا ذبح أَهلُ الكتاب ولم يذكروا اسم الله عليها لم تؤكل ذبيحتُهم، وإنما أحلَّ الله لنا أن نأكلَ ذبائحَهم إذا ذكروا اسمَ الله عليها، بدلالة قوله: ﴿ولاَتأكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذكرِ اسمُ اللهِ عَلَيْه﴾ [الأنعام: ١٢١].
وقد قيل: إن آيةَ الأنعام مخصوصٌ حُكْمُها فيما ذُبِحَ للأصنام من ذبائح غير أهل الكتاب، وآيةُ المائدة في (إباحة أكل) ذبائح أهل الكتاب. فالآيتان على هذا في حكمين مختلفين مُحَكَميْن لا نسخَ في واحدٍمنهما.
وقد قال عليٌّ وعائشةُ وابنُ عمر: إذا علم أن الكتابيَّ لم يَذْكُر اسمَ الله على ذبيحته لم تؤكل.
فآية الأنعام على هذا محكمة غيرُ منسوخة عامَّة في كل ما ذبح ولم يذكر اسمُ الله عليه، كتابياً كان الذابح أو غير كتابي أو مُسْلِماً إذا تعمّد ترك التسمية - وهو ظاهرُ التلاوة - ومفهوم الخطاب. وكذلك ذبيحة المسلم إذا تعمد ترك التسمية لا تؤكل بظاهر الآية.
وكان مالك يكره (أكلَ) ذبيحة الكتابي إذا لم يذكُر اسمَ الله عليها، ولا يُحَرِّمُه، وهذا يدل (من مذهبه) على أن آية الأنعام مخصوصة في غير أهل الكتاب. ولو كانت عنده عامة في أهل الكتاب وغيرهم لحرَّم أكل ذبيحة الكتابي إذا عُلِمَ أنه (لم يذكر) اسمَ الله عليها. وكره مالك أيضاً أكل (لحوم) ما ذبحوا لكنائسهم ولم يُحَرِّمْه، وكذلك إذا ذكروا عليه المسيح، وذلك منه لعموم التحليل في قوله: ﴿وطَعَامُ الذِينَ أوتوا الكتاب حِلٌّ لَكُمْ﴾، فأَحلَّ طعامهم تحليلاً عاماً، وقد علم الله أنهم لا يَذْكُرونَ اسمَ الله على الذَّبائح.
وقد أجاز ابنُ عباسٍ أَكْلَ ذبائح المجوس ونصارى تغلب؛ لقول النبي- عليه السلام -: "سنّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتاب".
ومنع من ذلك عليُّ بنُ أبي طالب - رضي الله عنه - وغيرُه، (وتأَوَّلوا)الحديثَ في الجزية لا غير، وقد أُجمعَ على منع نكاح نسائهم، فقد خرجوا بذلك عن سُنَّةِ أهل الكتاب، فدلَّ ذلك على إخراجهم أَيضاً من سُنَّةِ أهل الكتاب في الذبائح، وإن الحديث إنما هو في الجزية خاصة، ولو كان عاما في سُنَّةِ أهل الكتاب لجاز نكاحُ نسائهم كأهل الكتاب ومنعُ ذلك إجماع، وقد تقدم الكلام في حكم تحليل نكاح الكتابيات، وما قيل فيذلك.

فتاوى متعلقة بالآية ٥ من سورة المائدة

٣ فتاوى تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٥ من سورة المائدة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(5) This day [all] good foods have been made lawful, and the food of those who were given the Scripture is lawful for you and your food is lawful for them. And [lawful in marriage are] chaste women from among the believers and chaste women from among those who were given the Scripture before you, when you have given them their due compensation,[244] desiring chastity, not unlawful sexual intercourse or taking [secret] lovers. And whoever denies the faith - his work has become worthless, and he, in the Hereafter, will be among the losers.
[244]- The specified bridal gift (mahr).
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال