البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ثم تكلم على ما بقي من حفظ الأنساب، وهو جواز نكاح الكتابية ؛ إذ لم يتكلم عليه في سورة النساء، فقال :
﴿. . . وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أُتوا الكتاب حل لكم﴾ فيتناول الذبائح وغيرها، ويعم أهل الكتاب اليهود والنصارى، واستثنى عليٌّ كرم الله وجهه نصارى بني تغلب، وقال :( ليسوا على النصرانية، ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر ). ولا يلحق بهم المجوس في ذلك، وإن ألحقوا بهم في الجزية، لقوله صلى الله عليه وسلم :( سُنوا بهم سُنةَ أهلِ الكِتاب، غير ألا تنكحوا نساءهم، ولا تأكلوا ذبائحهم " (١) وكذلك المرتد مطلقًا لا تؤكل ذكاته.
قال ابن جزي : وأما الطعام، فهو على ثلاثة أقسام : أحدها : الذبائح، قد اتفق العلماء على أنها مرادة في الآية، فأجازوا أكل ذبائح اليهود والنصارى، واختلفوا فيما هو محرم عليهم في دينهم، على ثلاثة أقوال : الجواز، والمنع، والكراهة، وهو مبني على : هل هو من طعامهم أم لا ؟ فإن أريد بطعامهم ما ذبحوه، جازت، وإن أريد ما يحل لهم، مُنع والكراهة توسط بين القولين. الثاني : ما لا محاولة لهم فيه، كالقمح والفاكهة، فهو جائز لنا اتفاقًا. والثالث : ما فيه محاولة كالخبز وتعصير الزيت وعقد الجبن، وشبه ذلك مما يمكن استعمال النجاسة فيه، فمنعه ابن عباس ؛ لأنه رأى أن طعامهم هو الذبائح خاصة، وأجازه الجمهور. لأنه رأوه داخلاً في طعامهم، وهذا إذا كان استعمال النجاسة فيه محتملاً، أما إذا تحققنا استعمال النجاسة فيه ؛ كالخمر والخنزير والميتة، فلا يجوز أصلاً، وقد صنف الطرطوشي في تحريم جبن النصارى، وقال : إنه يُنجس البائع والمشتري والآلة ؛ لأنهم يعقدونه على أنفحة الميتة. ه.
﴿وطعامكم حِلٌّ لهم﴾، فلا بأس أن تُطعموهم من طعامكم، وتبيعوه لهم، وأما ما حرم عليهم، فلا يجوز بيعه منهم. والله تعالى أعلم.
يقول الحقّ جلّ جلاله : وأحل لكم ﴿المحصنات﴾ أي : الحرائر ﴿من المؤمنات﴾ دون الإماء، إلا لخوف العنت، أو العفيفات دون البغايا، فإن نكاحها مكروه، ﴿و﴾ أحل لكم ﴿المحصنات﴾ أي : الحرائر ﴿من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، فأحل الله نكاح اليهودية والنصرانية الحُرتين دون إمائهم، ﴿إذا أتيتموهن أجورهن﴾ أي : أعطيتموهن مهورهن. فلا يجوز نكاح الكتابية إلا بصداق شرعي. حال كونكم ﴿محصنين﴾، أي : متعففين عن الزنى بنكاحها، ﴿غير مسافحين﴾ أي : مجاهرين بالزنى، ﴿ولا متخذي أخدان﴾ أي : أصحاب تُسرون معهن بالزنى، والخدن : الصاحب، يقع على الذكر والأنثى. والمعنى : أحللنا لكم نكاح الكتابيات، توسعة عليكم لتتعففوا عن الزنى سرًّا وجهرًا.
ولما نزل إباحة الكتابيات قال بعض الناس : كيف أتزوج من ليس على ديني ؟ فأنزل الله :﴿ومن يكفر بالإيمان﴾ أي : بشرائع الإيمان ﴿فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين﴾، ومن الكفر به إنكاره والامتناع منه.
الإشارة : قد تقدم أن علوم الحقائق أبكار، لأنها عرائس مخدّرة، مهرها النفوس، وما سواها من العلوم ثيبات وإماء ؛ لرخص مهرها، فإذا اتصل العارف بعلوم الحقائق ورسخ فيها ؛ أحل له أن ينكح المحصنات من علوم الطريقة وهي مبادئ التصوف، أي : التفنن فيها مع أهلها على وجه التركيز أو التعليم، والمحصنات من علوم الشريعة إذا أعطاها مهرها ؛ من الإخلاص وقصد التوسع بها وتعليمها لأهلها، وهذه العلوم كلها مشروعة، والمشتغل بها متوجه إلى الله تعالى، ﴿قّدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠]، فمن كفر بها فقد حبط عمله، وهو عند الله من الخاسرين.
١ أخرجه مالك في الزكاة، باب جزية أهل الكتاب، وعبد الرزاق في المصنف ٦/٦٩، والبيهقي في السنن الكبرى ٩/١٩٢..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى