التفسير المظهري — المظهري

عن الكتاب
﴿اليوم﴾ يعني الآن عند كمال الدين إلى يوم القيامة إذ لا نسخ بعد الإكمال ﴿أحل لكم الطيبات﴾ كرره للتأكيد، ولفظ الطيبات ضد الخبائث مجمل التحق الأحاديث النبوية البينة للطيبات وللخبائث بيانا له ثم قيس على موارد النصوص أشباهها، والأصل فيه أن ما ورد النص بكونه حلالا ظهر أنه طيب وما ورد النص بكونه حراما ظهر كونه خبيثا وما ورد الأمر بقتله وسماه خبيثا فاسقا فهو خبيث حرام، كما روى عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( خمس لا جناح على من قتلهن في الحرم والإحرام : الفأر والغراب(١) والحدأة والعقرب والكلب العقور )متفق عليه، وعن عائشة عنه صلى الله عليه وسلم قال :( خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم : الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحدأة ) متفق عليه، وعن أبي هريرة في الحية :( ما سالمناهم منذ حاربناهم ومن ترك شيئا منهم خيفة فليس منا )(٢) رواه أبو داود، وعن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اقتلوا الحياة كلهن فمن خاف ثأرهن فليس مني )(٣) رواه أبو النسائي. وما لم يرد النص فيه يقاس إما على الطيبات بجامع استطابة الطبائع السليمة من العرب، وإما على الخبائث بجامع استقذار الطبائع السليمة منهم وكانت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعون يكرهون ما يأكل الجيف أخرجه ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعي، ولذا قال جمهور العلماء : لا يؤكل من الدواب والطيور وما يأكل الجيف والنهي عن قتل حيوان لا يدل على حرمته ولا على كراهته ما لم يدل عليه دليل آخر عند الأئمة الثلاثة، وعند الشافعي يدل على تحريمه فلا يحرم الهدهد والطاووس عند الثلاثة خلافا للشافعي رضي الله عنه.
مسألة : كل حيوان ذي ناب من السباع كالأسد والذئب والنمر والفهد والكلب والهرة وذي مخلب من الطير كالصقر والباز والحدأة ونحوها فأكله حرام عند الأئمة الثلاثة، وقال مالك رضي الله عنه : يكره ولا يحرم شيء من ذلك لقوله تعالى :﴿قل أجد في ما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه﴾(٤) الآية. وهذا هو الأصل لمالك في جميع مسائل الباب. قلنا : هذه الآية تدل على عدم وجدان الحرمة في حالة نزول هذه الآية لا بعد ذلك وسنذكر البحث عن الآية في موضعها إن شاء الله تعالى وقد ظهر حرمة غير المذكورات في غير الآية بعد ذلك بنصوص صحيحة تلقته الأمة بالقبول. منها حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( كل ذي ناب من السباع فأكله حرام )(٥) رواه مسلم، وعن ابن عباس قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ( عن كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير )(٦) رواه مسلم، قال ابن عبد البر : مجمع على صحته، وكذا روى عبد الله بن أحمد في زيادات المسند من حديث علي وفي إسناده علة وروى أحمد نحوه من حديث جابر، وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الهر وأكل ثمنها (٧) رواه أبو داود والترمذي.
مسألة : الضبع والثعلب حرام عند أبي حنيفة رضي الله عنه مكروه عند مالك رضي الله عنه كسائر السباع، وقال الشافعي رضي الله عنه وأحمد رضي الله عنه بحلهما، وفي رواية عن أحمد رضي الله عنه لا يحل الثعلب، قال صاحب الهداية : هما من السباع، وفي الكفاية : إن لهما نابان يقاتلان بأنيابهما فلا يؤكلان كالذئب. احتج الشافعي رضي الله عنه بحديث جابر ( أنه سئل عن الضبع أصيد هي ؟ قال : نعم، قيل : أيؤكل ؟ قال : نعم، قيل : أسمعته من الرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال نعم )(٨) رواه الشافعي رضي الله عنه وأصحاب السنن غير أبي داود والبيهقي وصححه البخاري والترمذي وغيرهما وأعله ابن عبد البر بعبد الرحمن بن أبي عمارة ووثقه أبو زرعة والنسائي، وقال الشافعي رضي الله عنه : وما يباع لحم الضباع إلا بين الصفا والمروة، ورواه، أبو داود بلفظ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع، فقال :( صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم ) (٩) قلت كونه صيدا وجزائه بكبش في الإحرام لا يقتضي حله فإنه يجب على المحرم الجزاء بقتل صيد حرم لحمه والصيد هو الحيوان المتوحش الممتنع بالطبع وحديث حل الضبع لا يقوي قوة حديث حرمة السباع، وعند التعارض والترجيح للمحرم على المبيح احتياطا ولئلا يلزم تكرار النسخ كما بين في الأصول، وأما ما رواه الترمذي من حديث خزيمة بن جرير ( أو يأكل الضبع أحد ) فضعيف لاتفاقهم على ضعف عبد الكريم بن أمية والراوي عنه أمية بن مسلم.
مسألة : يحرم حشرات الأرض مثل الفأر والوزغ وغيرها عند الأئمة الثلاث، وقال مالك رضي الله عنه يكره ولا يحرم لما ذكرنا. لنا : حديث أم شريك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وقال :( كان ينفخ على إبراهيم )(١٠)متفق عليه، وعن سعد رضي الله عنه بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :) أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقا )(١١) رواه مسلم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال :( من قتل وزغا في أول ضربة كتبت له مئة حسنة وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك ) (١٢) رواه مسلم، وسبق في الحديث الأمر بقتل الفأرة في الحل والحرام وتسميته فاسقة فيحرم الحشرات كلها استدلالا بالوزغ والفأرة. ومنها القنفذ وهو حلال عند مالك رضي الله عنه والشافعي رضي الله عنه، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه بتحريمه لأنه من الحشرات، ولما روى أبو داود من حديث عيسى بن نملية عن أبيه قال : كنت عند ابن عمر فسئل عن القنفذ فقرأ هذه الآية ﴿قل لا أحد في ما أوحي إلي﴾الآية، فقال : شيخ عنده : سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول ذكر القنفذ عند الرسول صلى الله عليه وسلم فقال :( خبيثة من الخبائث ) فقال ابن عمر : إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو كما قال، (١٣) قال البيهقي : فيه ضعف ولم يرد إلا بهذا الإسناد.
مسألة : يحرم الضب واليربوع عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند مالك رضي الله عنه والشافعي رضي الله عنه هما حلالان، وقال أحمد : الضب حلال في اليربوع عنه روايتان. احتجوا على حل الضب بحديث ابن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الضب لست آكله ولا حرمه ) (١٤) متفق عليه، وعن ابن عباس رضي الله عنه أن خالد بن الوليد أخبره أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ميمونة وهي خالته وخالة ابن عباس، فوجد عندها ضبا محنوذا فقدمت الضب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضب فقال : خالد : أحرام الضب يا رسول الله ؟ قال :( لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه ) قال خالد : فاجتررت فأكلته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلي (١٥) متفق عليه. قال أبو حنيفة رضي الله عنه : الضب من الحشرات وهذا استدلال في مقابلة النص الصحيح والصريح، وذكر في الهداية أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عائشة حين سألت عن أكل الضب ولا أعرف ذلك الحديث.
مسألة : يحل أكل الجراد ميتا على كل حال، وقال مالك رضي الله عنه : لا يِؤكل منه ما مات على حتف أنفه من غير سبب يضع به يضع به يعني يكره، احتج الجمهور بحديث ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أحلت لنا ميتتان والدمان فأما الميتتان فالجراد والحوت وأما الدمان فالكبد والطحال )(١٦) رواه الشافعي وأحمد ابن ماجة والدارقطني والبيهقي من رواية عبد الرحمان بن زيد بن أسلم عن أبيه عنه وعبد الرحمان بن زيد ضعيف متروك، ورواه الدراقطني عن زيد بن أسلم موقوفا على ابن عمر فقال : وهو أصح، وكذا صحح الموقوف أبو زرعة وأبو حاتم، وأخرجه الخطيب من رواية مسور بن الصلت عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري والمسور قد كذبه أحمد بن حنبل، وقال ابن حبان : يروي عن الثقات الموضوعات.
مسألة : يحرم أكل لحوم الحمر الأهلية والبغال عند الأئمة الثلاثة، وقال مالك رضي الله عنه يكره. لنا : حديث أبي ثعلبة قال : حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية (١٧) متفق عليه، وفي رواية عن أحمد رضي الله عنه : أمر عبد الرحمان بن عوف ينادي بالناس أن لحوم الحمر الإنسية لا تحل لمن شهد أني رسول الله وعن جابر أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل متفق عليه، وعنه قال : حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خبير الحمر الإنسية ولحوم البغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ) رواه الترمذي وقال : حديث غريب، ورواه أحمد بلفظ : حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمر الإنسية ولحوم الثعالب وكل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير، وعنه قال : أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر (١٨) رواه الترمذي وصححه النسائي، وعن أبي هريرة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم يوم خبير كل ذي ناب من السباع والحمر الإنسية رواه أحمد، وعن البراء بن عازب قال : أصبنا يوم خبير كل ذي ناب من السباع والحمر الإنسية رواه أحمد، وعن البراء بن عازب قال : أصبنا يوم خبير حمرا فإذا ينادي منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اكفاوا القدور متفق عليه، وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عام خبير عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية. متفق عليه، وفي الباب حديث أبي سليط وأنس وابن عباس وسلمة بن الأكوع وعبد الله بن أبي أوفى وخالد بن الوليد وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جدة والمقدام بن معد يكرب وعمرو بن دينار.
مسألة : يحل أكل لحوم الخيل عند الجمهور وبه قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله، وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله يكره، ثم قيل : الكراهة عند أبي حنيفة رضي الله عنه كراهة تحريم وقيل كراهة تنزيه، وقال صاحب الهداية : الأول أصح. احتج الجمهور لما مر من حديث جابرأذن في الخيل وحديث أسماء قال : نحرنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا فأكلناه ونحن بالمدينة متفق عليه زاد أحمد فيه نحن وأهل بيته احتج أبو حنيفة رضي الله عنه يقول تعالى :﴿و الخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ (١٩) قال : خرج مخرج الامتنان والأكل من أعلى منافعها والحكيم لا يترك الامتناع بالأعلى ويمن بالأدنى، وبحديث خالد بن الوليد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( حرام لحوم الحمر الأهلية وخيلها ) وفي لفظ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير رواه أحمد برواية صالح بن يحيى بن المقدام عن جده المقدام عن خالد، قال أحمد : هذا حديث منكر، وقال موسى ابن هارون : لا يعرف صالح بن يحيى ولا أبوه إلا بجده، وقال الدارقطني هذا حديث ضعيف قال ابن الجوزي : وفي بعض ألفاظ هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمها يوم خيبر، قال الواقدي : إنما أسلم خالد بعد خيبر والله أعلم
مسألة : يكره عند أبي حنيفة رضي الله عنه ابن عرس فإنه من سباع الهوام. .
مسألة : يكره عند الأئمة الثلاثة أكل الرخم والبغاث لأنهما يأكلان الجيف والأبقع الذي يأكل الجيف وكذا الغراب وكذا النسر وكذا كل ما يأكل الجيف، ولا بأس بغراب الزرع لأنه يأكل الحب وليس من سباع الطير، ولا بأس بأكل العقعق لأنه يخلط بأشبه الدجاجة، وعن أبي يوسف رضي الله عنه : أنه يكره لأنه غالب أكله الجيف.
مسألة : يحرم أكل الجلالة وبيضها ولبنها عند أحمد رضي الله عنه
١ أخرجه البخاري في الكتاب: جزاء الصيد، باب: خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرام (١٨٢٦) وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: ما يذب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرام (١١٩٩).
٢ أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في القتل الحياة (٥٢٣٩).
٣ أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في قتل الحياة (٥٢٤٠).
٤ سورة الأنعام، الآية: ١٤٥.
٥ أخرجه مسلم فيس كتاب: الصيد والذبائح، باب: تحريم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير (١٩٣٣).
٦ أخرجه مسلم في كتاب: الصيد والذبائح، باب: تحريم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير (١٩٣٤).
٧ أخرجه الترمذي في كتاب: البيوع، باب: ما جاء في كراهية ثمن الكلب والسنور (١٢٨٠) وأخرجه أبو داود في كتاب الأطعمة باب: ماجاء في السباع (٣٨٠٢).
٨ أخرجه الترمذي في كتاب: الحج، باب: ما جاء في الضيع يصبيها المحرم (٨٥١) وأخرجه النسائي في كتاب: مناسك الحج، باب: ما لا يقتله المحرم (٢٨٢٧) وأخرجه ابن ماجة في كتاب: الصيد باب: الضيع (٣٢٣٦).
٩ أخرجه أبو داود في كتاب: الأطعمة، باب: في أكل الضبع (٣٧٩٦).
١٠ أخرجه البخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قوله الله تعالى ﴿و اتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ (٣٣٥٩)
.

١١ أخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: استحباب قتل الوزغ (٢٢٣٨).
١٢ أخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: أستجباب قتل الوزغ (٢٢٤٠).
١٣ أخرجه أبو داود في كتاب: الأطعمة، باب: في أكل الحشرات الأرض (٣٨٩٤).
١٤ أخرجه البخاري في كتاب: الذبائح والصيد، باب: الضب (٥٥٣٦) وأخرجه مسلم في كتاب: الصيد والذبائح، باب: إباحة الضب (١٩٤٣).
١٥ أخرجه البخاري في كتاب: الأطعمة، باب: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأكل حتى يسمى له فيعلم ماهو (١٩٤٥).
١٦ أخرجه ابن ماجة في كتاب: الأطعمة، باب: الكبد والطحال (٣٣١٤). وأخلاجه الشافعي في كتاب: الصيد والذبائح (٦٠٧).
١٧ أخرجه البخاري في كتاب: الذبائح والصيد، باب: تحريم لحوم الحمر الإنسية (٥٥٢٧) وأخرجه مسلم في كتاب: الصيد وو الذبائح باب: تحريم لحوم الحمر الإنسية (١٩٣٦).
١٨ أخرجه الترمذي في كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في أكل الخيل (١٧٩٧).
١٩ سورة النحل، الآية: ٩.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى