التفسير الحديث — دروزة

عن الكتاب
﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( ٥ )﴾ ( ٥ ).
تعليق على الآية
﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ...............﴾ الخ
وما فيها من أحكام وتلقين وصور وتمحيص دلالة أهل الكتاب فيها
في الآية تقرير تشريعي وجه الخطاب فيه إلى المسلمين واحتوى :
( ١ ) توكيد لحل الطيبات وإباحتها لهم بصورة عامة.
( ٢ ) وحل طعام الكتابيين وإباحته لهم وحل طعامهم للكتابيين وإباحته لهم.
( ٣ ) وحل التزوج بالمحصنات من المؤمنين والكتابيين وإباحته لهم ضمن نطاقه الشرعي من عقد ومهر ورغبة صادقة في الإحصان وليس بقصد السفاح والتخادن وقضاء الشهوة فقط.
( ٤ ) وإنذار لهم بوجوب الوقوف عند حدود الله وعدم تجاوزها. وبيانا لما في تجاوزهما من كفر بما آمنوا به ؛ ولما يؤدي هذا إليه من حبوط عمل وخسران في الآخرة.
ولم نطلع على رواية خاصة بمناسبة نزول الآية. غير أن الطبري روى عن قتادة أن الله لما أحل طعام أهل الكتاب ونساءهم في الآية قال أناس من المسلمين : كيف نتزوج نساءهم وهم على غير ديننا ؟ فأنزل الله عز وجل ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( ٥ )﴾.
وهذا يقتضي أن تكون الآية نزلت على دفعتين، مع أن الجملة منسجمة مع شطر الآية الأول ومعطوفة عليه.
ولقد أورد الطبري أقوالا عديدة معزوة إلى علماء التابعين تفيد أنهم فهموا من جملة :﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ أنها في صدد ذبائح أهل الكتاب أو أولوها بذلك. وجاراه في ذلك معظم المفسرين بعده ( ١ )(١)حيث يتبادر على ضوء ذلك أن الآية متصلة بسابقاتها سياقا وموضوعا. وأن مضمونها يلهم أنها وما قبلها سلسلة متلاحقة، وأن إباحة التزوج بالمحصنات من المؤمنات والكتابيات قد جاء على سبيل الاستطراد. فإن لم تكن الآية نزلت مع سابقاتها فتكون قد نزلت عقبها فوضعت بعدها، أو وضعت بعدها للمناسبة الموضوعية.
ومع ذلك فمن المحتمل جدا أن يكو ن أورد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم استفتاء في أمر ذبائح أهل الكتاب ونسائهم أو وقعت وقائع متصلة بذلك، فاقتضت الحكمة تنزيل الآية، ولعل ما ذكر في الآيات السابقة من الحالات التي يحرم فيها أكل الأنعام مما أثار ذلك، وقد يخطر بالبال أيضا أن يكون ذلك في مناسبة وقعة خيبر التي وقعت بعد صلح الحديبية بمدة قصيرة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الفتح استئناسا من كون الآيات قد نزلت بعد ذلك الصلح بمدة قصيرة على ما ذكرناه قبل. ولقد روي أن امرأة يهودية أهدت النبي صلى الله عليه وآله وسلم شاة مطبوخة، وأنه تزوج صفية بنت حيي بن أخطب زعيم اليهود التي كانت بين السبايا ( ١ )(٢). فلعل بعض المسلمين تساءل عن الأمر فنزلت الآية تؤيد ما فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ما تكرر وقوعه ومرت أمثلة عديدة منه. وجملة ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( ٥ )﴾ قد تكون تضمنت إيذانا بأن ما فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان بإلهام الله تعالى لحكمة سامية. وإنذارا للمسلمين بأن عليهم أن يؤمنوا بكل ما يفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لأنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن من يتردد أو يرتاب في ذلك يحبط عمله ويكون من الخاسرين في الآخرة. والله أعلم.
ويلفت النظر إلى كلمة ﴿اليوم﴾ التي استهلت بها الآية ثم إلى جملة ﴿أحل لكم الطيبات﴾ بعدها، والتي احتوت مثلها الآية السابقة للآية. فهذا وذاك من القرائن التي نراها قوية على صلة الآية بما سبقها نظما وسياقا وموضوعا وعلى قوة احتمال نزولها معها أو عقبها، وعلى ضعف احتمال انصراف كلمة ﴿اليوم﴾ في الآية الثالثة إلى يوم عرفة في حجة الوداع كيوم لنزولها.
والحكمة في هذا التشريع بليغة بعيدة المدى. فالقرآن ما فتئ يقرر وحدة المنبع والهدف التي تجمع بين المسلمين وأهل الكتاب، وتجعلهم بمثابة جبهة واحدة، ويوجب على المسلمين احترام كتبهم وأنبيائهم. فجاء هذا التشريع المستمد من تلك الوحدة التي ينطوي فيها تقرير كون الكتابيين مؤمنين بالله على كل حال صراحة أو تأويلا ولا يشبهون المشركين والوثنيين في طعامهم وذبائحهم ومناكحهم، وهذا ما علل به المفسرون حكمة التشريع خطوة جديدة قوية في سبيل إزالة الجفوة وتوطيد التآنس، والتواثق والتعامل والتقارب عمليا بينهم، ووسيلة لإظهار محاسن الإسلام ورحابة صدره.
وسياق الآية يلهم بقوة أنها نزلت بعد وقعة الحديبية. أو لعلها نزلت بعد وقعة خيبر التي كانت عقب تلك الوقعة. وبعبارة ثانية بعد خضد شوكة اليهود في المدينة والقرى، وهذا يجعل من المتبادر بالإضافة إلى تلك الحكمة أن المسلمين صاروا في موقف الآمن المطمئن وبخاصة من ناحية اليهود الذين هم الكتلة الكتابية الكبرى في بيئتهم، وأنه لم يبق ما يوجب التقاطع بينهم وبين المسلمين، فكان ذلك من أسباب وحكمة التنزيل. وقد اختصصنا اليهود بالذكر ؛ لأنه لم يكن في بيئة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتلة كبيرة من النصارى تستطيع أن تلعب دورا مؤذيا ومناوئا كالدور الذي لعبه اليهود أولا ؛ ولأن النصارى الذين كانوا في هذه البيئة كانوا على قدر كبير من الدماثة وحسن النية والبعد عن المناوأة والعداء، وقد اندمج معظمهم في الإسلام ثانيا ؛ ولأن النصارى عامة كانوا إجمالا أكثر دماثة وأحسن أخلاقا وأصفى قلبا من اليهود. وقد فرقت إحدى آيات هذه السورة بين الفريقين في مواقفهما من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته ومن المسلمين فقالت :﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ( ٨٢ )﴾.
وأثنت آية في سورة الحديد على أخلاقهم ثناء محببا هو على الغالب سجل لما كان واقع غالبهم وخاصة في بيئة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي :﴿ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة................﴾ هذا في حين احتوت آيات مدنية كثيرة تسجيلا ؛ لما كان من واقع غالب اليهود من أخلاق سيئة وقلوب قاسية وانحرافات خلقية ودينية خطيرة مما مر منه أمثلة كثيرة في سور البقرة وآل عمران والنساء والجمعة التي مر تفسيرها.
وواضح أن صيغة الآية تشريعية عامة. وأن ما نبهنا عليه مما احتوته من الحكم الظاهرة والمستنبطة شامل الاستمرار والمدى في كل ظروف المسلمين وأمكنتهم. وفي هذا ما فيه من التوجيه الحكيم في صدد التقريب والتيسير والتأليف والتأنيس بين المسلمين والكتابيين، وبخاصة حينما يكون هؤلاء منسجمين مع المسلمين في تواد وتفاهم. ولا يكون منهم مواقف عدائية ومكائد ونوايا مربية ضد المسلمين يخشى عواقبها في ظروف ومظاهر الحياة الخاصة والعامة.
ولقد أورد المفسرون ( ١ )(٣)أقوالا كثيرة معظمها معزو إلى ابن عباس وعلماء التابعين وتابعيهم في صدد ما انطوى في الآية من أحكام نوجزها ونعلق عليها كما يلي :
أولا : في صدد الطعام :
١- ما قلناه من أن أهل التأويل القدماء فهموا من جملة ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ أن المقصود هو ذبائحهم، فقد رووا عن ابن عباس وأبي الدرداء والشعبي أن الجملة عامة الشمول. وفيها إباحة أكل جميع طعام أهل الكتاب على اختلاف أنواعه. واستدرك بعضهم فقالوا : إن ما يحل لنا من طعامهم هو ما هو حلال لهم في شريعتهم. واستدرك آخرون فقالوا : إن ما هو محرم علينا نصا يظل محرما علينا لو قدموه لنا ولو كان حلالا في شريعتهم كالميتة حتف أنفها، أو ما يموت من نهش السباع أو وقذا أو نطحا أو ترديا أو خنقا ولحم الخنزير والدم المسفوح، أو ما يدخل الخمر فيه من طعام وما ذبح على سبيل الميسر. وهذه المحرمات وردت في الآية الثالثة من السورة وآية أخرى وردت في هذه السورة وفيها :﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( ٩٠ )﴾ وهناك محرمات أخرى وردت في أحاديث نبوية أوردناها في سياق تفسير الآية ( ١٤٥ ) من سورة الأنعام.
والقول الأول هو مقتضى الآية، والاستدراك الثاني هو حق وصواب. وتكون القاعدة أنه لا يجوز للمسلمين أن يأكلوا طعاما من أهل الكتاب محرم عليهم في كتاب الله وسنة رسوله. أما الاستدراك الأول فلا يكون صوابا فيما نرى إلا في نطاق الاستدراك الثاني. فالخمر عندهم غير محرم، فلا يصح للمسلم تناوله أو تناول طعام مصنوع به. ولا مانع يمنع المسلمين من أكل طعام فيه شحوم بقر وغنم ؛ لأن هذه الشحوم غير محرمة على المسلمين وإن كانت محرمة على الكتابيين في شريعتهم ونعني اليهود. ويقاس على هذا غيره مما هو محرم عندهم وغير محرم عند المسلمين.
٢- وفي مسألة حل ذبائح أهل الكتاب أقوال، فالآية ( ١٢١ ) من سورة الأنعام نهت عن أكل الذبائح التي لا يذكر اسم الله عليها. وبعض أهل التأويل قالوا مع ذلك بإباحة أكل الذبائح المنذورة للكنائس أو التي يذكر اسم المسيح عليها. ولقد روى البغوي عن ابن عمر أنه كان يحرم ما ذكر اسم المسيح عليه ثم قال – البغوي – : ولكن أكثر أهل العلم على حله. وروى – البغوي – أن الشعبي سئل عن ذلك فقال إنه حل. فقد أحل الله طعامهم وهو يعلم ما يقولون، وروى المفسر نفسه عن الحسن أن اليهودي أو النصراني إذا ذبح فذكر اسم غير الله وأنت تسمع فلا تأكل وإذا غاب عنك فقد أحل لك. ولم نر قولا في الذبيحة التي لا يذكر الكتابي اسم الله ولا غيره عليها. وتقتضي الآية ( ١٢١ ) من سورة الأنعام تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه. غير أن هناك أحاديث أوردناها في سياق تفسير هذه الآية تذكر أن المسلم إذا نسي ذكر الله حين الذبح لا يضره ذلك ويأكل مما ذبحه ؛ لأنه لا يؤمن إلا بالله وحده. ولا يكون عدم الذكر منه عمدا. وقد يصح أن يقال قياسا على ذلك والله أعلم : أن ذبيحة الكتابي أيضا تؤكل إذا نسي أن يذكر اسم الله عليها نسيانا وغير متعمد على اعتبار أنه يؤمن بالله صراحة أو تأويلا ويتعبد له. وتبعا لذلك قد يكون في القول الثالث الوسط صواب وسداد. فلا يجوز لمسلم أن يأكل ذبيحة الكتابي إذا سمع أو تيقن أنه ذكر اسم غير الله عليها، أما في حالة الغياب وع
١ انظر النيسابوري والنسفي والخازن والبغوي وابن كثير والزمخشري والطبرسي..
٢ انظر ابن سعد ج ٣ ص ١٦٢ – ١٦٣ وابن هشام ج ٣ ص ٣٨٨ – ٣٩٠..
٣ انظر تفسير الطبري والبغوي والطبرسي وابن كثير والخازن والنسفي والنيسابوري..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى