تفسير المراغي — المراغي

عن الكتاب
المعنى الجملي : روى ابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أبا رافع بقتل الكلاب في المدينة جاء الناس فقالوا : يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها ؟ فأنزل الله الآية فقرأها.
و روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أن عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : يا رسول الله قد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا ؟ فنزلت الآيات.
تفسير المفردات :
والأجور : المهور والمراد بالمحصنين الأعفاء عن الزنى مسافحين مجاهرين بالزنى متخذي أخدان : مسرين به والخدن الصديق يقع على الذكر والأنثى حبط عمله : بطل ثواب عمله.
الإيضاح :
و بعد أن بين وجوب التذكية للذبائح لإبعاد المسلمين مما كان عليه المشركون من أكل الميتة وشدد في التسمية على الطعام من صيد أو ذبيحة لإبعادهم عما كانوا عليه من الذبح لغير الله بالإهلال به لأصنامهم ليطهرهم من كل ما كانوا عليه من أدران الشرك بين حكم مؤاكلة أهل الكتاب ومناكحتهم لأنهم لما كانوا في الأصل أهل توحيد ثم سرت إليها نزعات الشرك ممن دخل في دينهم من المشركين كان هذا مظنة التشديد في مؤاكلتهم ومناحكتهم كما شدد في أكل ذبائح مشركي العرب ونكاح نسائهم فذكر أنا لا نعاملهم معاملة المشركين في ذلك بل تحل لنا مؤاكلتهم ونكاح نسائهم فقال :
﴿اليوم أحل لكم الطيبات﴾ أي اليوم أحلت لكم الطيبات على سبيل التفضيل بعد أن كانت حلالا بالإجمال وصار حكمها مستقرا ثابتا.
﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ الطعام هنا الذبائح لان غيرها حلال بأصله والذين أوتوا الكتاب : هم اليهود والنصارى أي وذبائح أهل الكتاب ممن أوتوا التوراة والإنجيل ودانوا بهما أو بأحدهما حلال لكم دون ذبائح أهل الشرك الذين لا كتاب لهم من عبدة الأصنام والأوثان.
وروى ابن جرير عن أبي الدرداء وابن زيد أنهما سئلا عما ذبحوه للكنائس فأفتيا بأكله قال ابن زيد : أحل الله طعامهم ولم يستثن منه شيئا وقال أبو الدرداء – وقد سئل عن كبش ذبح لكنيسة يقال لها جرجيس أهدوه لها أنأكل منه ؟ اللهم عفوا إنما هم أهل الكتاب طعماهم حل لنا وطعامنا حل لهم وأمره بأكله.
﴿وطعامكم حل لهم﴾ أي وذبائحكم أيها المؤمنون حل لأهل الكتاب فلا جناح عليكم أن تطعموهم من طعامكم أو تبيعوهم منه.
و فائدة ذكر ذلك بيان أن إباحة الذبائح حاصلة من الجانبين وليس كذلك إباحة المناكحة فذكره للتميز بين النوعين.
﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن﴾.
المحصنات هنا الحرائر : أي أحل لكم أيها المؤمنون نكاح الحرائر من المؤمنات ونكاح الحرائر من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وهم اليهود والنصارى إذا أعطيتم من نكحتم من محصناتكم ومحصناتهم مهورهن.
و تقييد الحل بإتيان المهور لتأكيد الوجوب لا لاشتراطه في الحل وتخصيص الحرائر بالذكر للحث على ما هو الأولى منهن لا لأن من عداهن لا يحل إذ نكاح الإماء المسلمات صحيح بالاتفاق وكذا نكاح الإماء الكتابيات عند أبي حنيفة.
﴿محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان﴾ المحصنون : الإعفاء عن الزنى والمسافحون الذين يأتون الفاحشة مجاهرين بها والمتخذو الأخدان : الذين يأتونها سرا بالاختصاص بخدن من الأخدان والخدن يطلق على الصاحب والصاحبة : أي هن حل لكم إذا آتيتموهن أجورهن فعلا والتزمتم به حال كونكم أعفاء من الزنى جهرا وسرا إذ المقصد من الزواج أن يكون الرجل محصنا والمرأة محصنة يعف كل منهما الآخر ويجعله في حصن يمنعه من الفاحشة على أي وجه كانت فلا يزني الرجل هجرة ولا سرا باتخاذ صاحبة خاصة به ولا تكون المرأة كذلك.
﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ أي ومن ينكر شرائع الإسلام التي من جملتها ما بين هنا من الأحكام المتعلقة بالحل والحرمة ويمتنع عن قبولها فقد حبط عمله الصالح الذي عمله قبل ذلك وبطل ثوابه وخسر في الآخرة ما عداه الله للمؤمنين من الجزاء العظيم على الإيمان الصحيح وهو إيمان الإذعان والعمل.
روى ابن جرير عن قتادة أنه قال : ذكر لنا أن ناسا من المسلمين قالوا كيف نتزوج نساءهم : يعني نساء أهل الكتاب وهم على غير ديننا ؟ فأنزل الله عز ذكره : ومن يكفر بالإيمان الخ فأحل الله تزويجهن على علم اه.
و المغزى من الآية تعظيم شأن ما أحله الله وما حرمه والتغليظ على من خالف ذلك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى