غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿ولا يجرمنكم﴾ بالنون الخفيفة : روي عن رويس. الباقون مثقلة. ﴿شنآن﴾ في الموضعين بسكون النون : ابن عامر وإسماعيل وأبو بكر وحماد ويزيد من طريق ابن وردان. الباقون بالفتح. ﴿أن صدّوكم﴾ بكسر الهمز : ابن كثير أبو عمرو. الباقون بالفتح. ﴿ولا تعاونوا﴾ بتشديد التاء : البزي وابن فليح. ﴿الميتة﴾ و ﴿فمن اضطر﴾ كما مر في البقرة. ﴿واخشوني﴾ بالياء في الوقف : سهل ويعقوب. ﴿وأرجلكم﴾ بالنصب : ابن عامر ونافع وعلي والمفضل وحفص ويعقوب والأعشى في اختياره. الباقون بالجر.
الوقوف :﴿بالعقود﴾ ط لاستئناف الفعل. ﴿حرم﴾ ط ﴿ما يريد﴾ ه ﴿ورضواناً﴾ ط ﴿فاصطادوا﴾ ط لابتداء نهي أن تعتدوا لئلاّ يتوهم العطف وحذف التاء من تعاونوا. ﴿والتقوى﴾ ص لعطف المتفقتين. ﴿والعدوان﴾ ص كذلك ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿شديد العقاب﴾ ه ﴿بالأزلام﴾ ط ﴿فسق﴾ ط ﴿واخشوني﴾ ط ﴿ديناً﴾ ط لأنّ الشرط من تمام التحريم لا مما يليه. ﴿لإثم﴾ لا لأن ما بعده جزاء. ﴿رحيم﴾ ه ﴿أحل لهم﴾ ط فصلاً بين السؤال والجواب. ﴿الطيبات﴾ ط للعطف أي وصيد ما علمتم. ﴿مما علمكم الله﴾ ز لفاء التعقيب مع عطف المختلفين. ﴿عليه﴾ ص ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿الحساب﴾ ه ﴿الطيبات﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ. ﴿لكم﴾ ص لعطف المتفقتين. ﴿لهم﴾ ز لأن قوله :﴿والمحصنات﴾ عطف على ﴿وطعام الذين﴾ لا على ما يليه. ﴿أخدان﴾ ط ﴿عمله﴾ ز لعطف المختلفين مع أن ما بعده من تمام جزاء الكفر معنى. ﴿الخاسرين﴾ ه ﴿الكعبين﴾ ط لابتداء حكم. ﴿فاطهروا﴾ ط كذلك. ﴿وأيديكم منه﴾ ط ﴿تشكرون﴾ ه ﴿واثقكم به﴾ لا لأن " إذ " ظرف المواثقة. ﴿وأطعنا﴾ ز لعطف المتفقتين مع وقوع العارض. ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿الصدور﴾ ه ﴿بالقسط﴾ ز لعطف المتفقتين مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف. ﴿أن لا تعدلوا﴾ ط للاستئناف. ﴿اعدلوا﴾ ج وقفة لطيفة لأن الضمير مبتدأ مع شدة اتصال المعنى. ﴿للتقوى﴾ ز ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿بما تعملون﴾ ه ﴿الصالحات﴾ لا لأن ما بعده مفعول الوعد أي أن لهم. ﴿عظيم﴾ ه ﴿الجحيم﴾ ه ﴿أيديهم عنكم﴾ ج لاعتراض الظرف بين المتفقين. ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿المؤمنون﴾ ه.
﴿اليوم أحلّ لكم الطيبات﴾ فائدة الإعادة أن يعلم بقاء هذا الحكم عند إكمال الدين واستقراره ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم﴾ الأكثرون على أنّ المراد بالطعام الذبائح لأنّ ما قبل الآية في بيان الصيد والذبائح ولأنّ ما سوى الصيد والذبائح محللة قبل إن كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة.
وعن بعض أئمة الزيدية أن المراد هو الخبز والفاكهة وما لا يحتاج فيه إلى الذكاة. وقيل : إنه جميع المطعومات. ﴿وطعامكم حلّ لهم﴾ أي يحل لكم أن تطعموهم من طعامكم لأنه لا يمتنع أن يحرم الله تعلى إطعامهم من ذبائحنا. وأيضاً فالفائدة في ذكره أن يعلم أن إباحة الذبائح حاصلة في الجانبين وليست كإباحة المناكحة فإنها غير حاصلة في الجانبين ﴿والمحصنات﴾ الحرائر أو العفائف من المؤمنات، وعلى الثاني يدخل فيه نكاح الإماء. وقد يرجح الأول بأنه تعالى قال :﴿إذا آتيتموهن أجورهن﴾ ومهر الإماء لا يدفع إليهن بل إلى ساداتهن، وبأن نكاح المحصنات ههنا مطلق ونكاح الأمة مشروط بعدم طول الحرة وخشية العنت، وبأن تخصيص العفائف بالحل يدل ظاهراً على تحريم نكاح الزانية، وقد ثبت أنه غير محرم. ولو حملنا المحصنات على الحرائر لزم تحريم نكاح الأمة ونحن نقول به على بعض التقديرات، وبأن وصف التحصين في حق الحرة أكثر ثبوتاً منه في حق الأمة لأن الأمة لا تخلو من البروز للرجال ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ احتج بها كثير من الفقهاء في أنه لا يحل نكاح الكتابية إلاّ إذا دانت بالتوراة والإنجيل قبل نزول الفرقان، لأنّ قوله :﴿من قبلكم﴾ ينافي من دان بهما بعد نزوله. وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات أصلاً متمسكاً بقوله تعالى ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾[البقرة: ٢٢١] ويقول : لا أعلم شركاً أعظم من قولها إن ربها عيسى. وأوّل الآية بأنّ المراد التي آمنت منهن. فمن المحتمل أن يخطر ببال أحد أن الكتابية، إذا آمنت هل يحل للمسلم التزوج بها أم لا ؟ وعن عطاء أن الرخصة كانت مختصة بذلك الوقت لأنه كان في المسلمات قلة ولأن الاحتراز عن مخالطة الكفار واجب.
﴿ولا تتخذوا بطانة من دونكم﴾[آل عمران: ١١٨] وأي خلطة أشد من الزوجية وقد يحدث ولد ويميل إلى دين الأم. وقال سعيد بن المسيب والحسن : الكتابيات تشمل الذميات والحربيات فيجوز التزوج بكلهن. وأكثر الفقهاء على أنّ ذلك مخصوص بالذمية فقط وهو مذهب ابن عباس فإنه قال : من أعطى الجزية حل ومن لم يعط لم يحل لقوله تعالى :﴿حتى يعطوا الجزية﴾[التوبة: ٢٩] واتفقوا على أن المجوس قد سنّ بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم. ﴿إذا آتيتموهن أجورهن﴾ فيه أن من تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقاً كان كالزاني. والزنا ضربان : سفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان، واتخاذ خدن وهو على سبيل الإسرار فحرمهما الله تعالى في الآية وأحلّ التمتع بهن على سبيل الإحصان وهو التزوج بالشروط والأركان.
ثم حث على التزام التكاليف المذكورة بقوله :﴿ومن يكفر بالإيمان﴾ أي بشرائع الله وتكاليفه التي هي من نتائج الإيمان بالله ورسوله. وقال ابن عباس ومجاهد : معناه ومن يكفر برب الإيمان أي بالله. وقال قتادة : ومن يكفر بالقرآن الذي أنزل فيه هذه التكاليف التي لا بد منها في الإيمان فقد خاب وخسر. وفيه أن أهل الكتاب وإن حصلت لهم فضيلة المناكحة وإباحة الذبائح في الدنيا إلاّ أن ذلك لا يفيدهم في الآخرة لأنّ كل من كفر بالله فقد حبط عمله في الدنيا ولم يصل إلى شيء من السعادات في الآخرة ألبتة. واعلم أنّ القائلين بالإحباط فسروا قوله :﴿قد حبط عمله﴾ بأنّ عقاب كفره يزيل ما كان حاصلاً له من ثواب أعماله. ومنكرو الإحباط قالوا : إنّ عمله الذي أتى به بعد ذلك الإيمان قد بان أنه لم يكن معتداً به وكان ضائعاً في نفسه. ثم إنه سبحانه لما افتتح السورة بطلب الوفاء بالعقود فكأن قائلاً قال : عهد الربوبية منك وعهد العبودية منا وأنت أولى بتقديم الوفاء بعهد الربوبية فأجاب الله تعالى نعم أنا أوفى بعهد الربوبية والكرم، ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين : لذات المطعم ولذات المنكح فبيّن الحلال والحرام من المطاعم والمناكح، وقدم المطعوم على المنكوح لأنه أهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : سماع اسم الله وهو من صفات الهيبة يوجب الفناء والغيبة، وسماع الرحمن الرحيم وهما من صفات اللطف يورث البقاء والقربة ﴿أوفوا﴾ أيها العشاق ﴿بالعقود﴾ التي جرت بيننا يوم الميثاق ليوم التلاق. فمن صبر على عهوده فقد فاز بمقصوده عند بذل وجوده ﴿أحلت لكم﴾ ذبح ﴿بهيمة﴾ النفس التي كالأنعام في طلب المرام إلا النفس المطمئنة التي تليت عليها ﴿ارجعي إلى ربك﴾[الفجر: ٢٨] فتنفرت من الدنيا بما فيها فهي كالصيد في الحرم ﴿وأنتم حرم﴾ بالتوجه إلى كعبة الوصال وإحرام الشوق إلى حضرة الجمال والجلال ﴿إن الله يحكم ما يريد﴾ لمن يريد فيأمر بذبح النفس إذا كانت متصفة بصفة البهيمة وبترك ذبحها إذا كانت مطمئنة بذكر الحق ومتسمة بسمات الملك. ثم أخبر عن تعظيم الشعائر من صدق الضمائر فقال :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ بشهود القلوب فقصدوا زيارة المحبوب وخرجوا عن أوطان الأوطار وسافروا عن ديار الأغيار ﴿لا تحلوا﴾ معالم الدين والشريعة ومواسم آداب الطريقة والحقيقة، وعظموا الزمان والمكان والإخوان القاصدين كعبة الوصول إلى الرحمن الذين أهدوا للقربان نفوسهم وقلدوها بلحاء الشجرة الطيبة ليأمنوا عن مكر الأعداء الخبيثة ﴿وإذا حللتم﴾ أتممتم مناسك الوصول ﴿فاصطادوا﴾ أرباب الطلب بشبكة الدعوة إلى الله، ولا يحملنكم حسد الحساد الذين يريدون أن يصدّوكم عن الحق على أن تعتدوا على الطالبين فتكونوا قطاع الطريق عليهم في طلب الحق. ﴿حرمت عليكم﴾ يا أهل الحق ﴿الميتة﴾ وهي الدنيا بأسرها ﴿والدم ولحم الخنزير﴾ أي حلالها وحرامها قليلها وكثيرها لأن من الدم ما هو حلال والخنزير كله حرام والدم بالنسبة إلى اللحم قليل ﴿وما أهل به﴾ أي كل طاعة هي ﴿لغير الله والمنخنقة والموقوذة﴾ يعني الذين يخنقون أنفسهم بالمجاهدات ويقذونها بالرياضات رياء وسمعة ﴿والمتردية والنطيحة﴾ الذين يتردون أنفسهم إلى أسفل سافلي الطبيعة بالتناطح مع الأقران والتفاخر بالعلم والزهد بين الإخوان ﴿وما أكل السبع﴾ الظلمة المتهارشون في جيفة الدنيا تهارش الكلاب ﴿إلاّ ما ذكيتم﴾ بالكسب الحلال ووجه صالح بقدر ضرورة الحال ﴿وما ذبح على النصب﴾ ما تذبح عليه النفوس من المطالب الفانية ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ أي أن تكونوا مترددين في طلب المرام، فإذا انتهيتم عن هذه المناهي وتخلصتم عن هذه الدواهي فقد عاد ليلكم نهاراً وظلمتكم أنواراً. ﴿اليوم يئس الذين كفروا﴾ من النفس وصفاتها والدنيا وشهواتها ﴿من دينكم فلا تخشوهم واخشون﴾ فإن كيدي متين. ﴿اليوم﴾ أي في الأزل ﴿أكملت لكم دينكم﴾ ولكن ظهر الأمر في حجة الوداع يوم عرفة. ﴿وأتممت عليكم نعمتي﴾ وهي أسباب تحصيل الكمال ببعثة النبي ﷺ ﴿فمن اضطر﴾ فمن ابتلى بالتفات لشيء من الدنيا والآخرة غير مائل إليه للإعراض عن الحق ولكن من فترة للطالبين أو وقفة للسالكين. ﴿يسألونك ماذا أحل﴾ لأرباب السلوك إذا الدنيا حرام على أهل الآخرة والآخرة حرام على أهل الدنيا وهما حرام على أهل الله الطيبات كل مأكول ومشروب وملبوس يكون سبباً للقيام بأداء الحقوق.
﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ تناولوا ما اصطادت النفوس المطمئنة المعلمة بعلوم الشريعة المؤدبة بآداب الطريقة المنورة بأنوار الحقيقة. ﴿واذكروا﴾ عند تناول كل ما ورد عليكم من الأمور الدنيوية والأخروية ﴿اسم الله﴾ أي لا تتصرفوا فيه إلاّ لله بالله في الله ﴿اليوم﴾ يعني الذي فيه ظهر كمالية الدين الأزلية وهو يوم عرفة. وهذه فائدة التكرار ﴿أحل لكم الطيبات﴾ ﴿أحل لكم الطيبات﴾ التي تتعلق بسعادة الدارين بل أحل لكم التخلق بالأخلاق الطيبات وهي أخلاق الله المنزهات عن الكميات والكيفيات ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب﴾ وهم الأنبياء ﴿حل لكم﴾ أي غذيتم بلبان الولاية كما غذوا بلبان النبوة ﴿وطعامكم حل لهم﴾ أي منبع لبن النبوة والولاية واحد وإن كان الثدي اثنين ﴿قد علم كل أناس مشربهم﴾[البقرة: ٦٠] وللنبي وراء ذلك كله مشرب " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ﴿والمحصنات من المؤمنات﴾ وهي أبكار حقائق القرآن ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ أبكار حقائق الكتب المنزلة على الأمم السالفة أي التي أدرجت في القرآن ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين﴾[السجدة: ١٧] ﴿إذا آتيتموهن أجورهن﴾ وهي بذل الوجود محصنين في هذا البذل ليكون على وجه الحق ﴿غير مسافحين﴾ على وجه الطبع ﴿ولا متخذي أخدان﴾ غير ملتفتين إلى شيء من الأكوان ﴿ومن يكفر بالإيمان﴾ بهذه المقامات ﴿فقد حبط عمله﴾ الذي عمل من دون المكاشفات. ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ إيماناً حقيقياً عند خطاب ألست بربكم ﴿إذا قمتم﴾ من نوم الغفلة ﴿إلى الصلاة﴾ وهي معراجكم للرجوع إلى مكامن قربكم ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ التي توجهتم بها إلى الدنيا ولطختموها بالنظر إلى الأغيار بماء التوبة والاستغفار ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ أي اغسلوا أيديكم من التمسك بالدارين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ ببذل نفوسكم ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ من طين طبيعتكم والقيام بأنانيتكم ﴿ولا يجرمنكم﴾ ولا يحملنكم حسد الحساد وعداوة الأنذال ﴿على أن لا تعدلوا﴾ مع أنفسكم ﴿إذ هم قوم﴾ من الشيطان والنفس والهوى ﴿أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم﴾ والله خير موفق ومعين.
الوقوف :﴿بالعقود﴾ ط لاستئناف الفعل. ﴿حرم﴾ ط ﴿ما يريد﴾ ه ﴿ورضواناً﴾ ط ﴿فاصطادوا﴾ ط لابتداء نهي أن تعتدوا لئلاّ يتوهم العطف وحذف التاء من تعاونوا. ﴿والتقوى﴾ ص لعطف المتفقتين. ﴿والعدوان﴾ ص كذلك ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿شديد العقاب﴾ ه ﴿بالأزلام﴾ ط ﴿فسق﴾ ط ﴿واخشوني﴾ ط ﴿ديناً﴾ ط لأنّ الشرط من تمام التحريم لا مما يليه. ﴿لإثم﴾ لا لأن ما بعده جزاء. ﴿رحيم﴾ ه ﴿أحل لهم﴾ ط فصلاً بين السؤال والجواب. ﴿الطيبات﴾ ط للعطف أي وصيد ما علمتم. ﴿مما علمكم الله﴾ ز لفاء التعقيب مع عطف المختلفين. ﴿عليه﴾ ص ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿الحساب﴾ ه ﴿الطيبات﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ. ﴿لكم﴾ ص لعطف المتفقتين. ﴿لهم﴾ ز لأن قوله :﴿والمحصنات﴾ عطف على ﴿وطعام الذين﴾ لا على ما يليه. ﴿أخدان﴾ ط ﴿عمله﴾ ز لعطف المختلفين مع أن ما بعده من تمام جزاء الكفر معنى. ﴿الخاسرين﴾ ه ﴿الكعبين﴾ ط لابتداء حكم. ﴿فاطهروا﴾ ط كذلك. ﴿وأيديكم منه﴾ ط ﴿تشكرون﴾ ه ﴿واثقكم به﴾ لا لأن " إذ " ظرف المواثقة. ﴿وأطعنا﴾ ز لعطف المتفقتين مع وقوع العارض. ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿الصدور﴾ ه ﴿بالقسط﴾ ز لعطف المتفقتين مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف. ﴿أن لا تعدلوا﴾ ط للاستئناف. ﴿اعدلوا﴾ ج وقفة لطيفة لأن الضمير مبتدأ مع شدة اتصال المعنى. ﴿للتقوى﴾ ز ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿بما تعملون﴾ ه ﴿الصالحات﴾ لا لأن ما بعده مفعول الوعد أي أن لهم. ﴿عظيم﴾ ه ﴿الجحيم﴾ ه ﴿أيديهم عنكم﴾ ج لاعتراض الظرف بين المتفقين. ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿المؤمنون﴾ ه.
﴿اليوم أحلّ لكم الطيبات﴾ فائدة الإعادة أن يعلم بقاء هذا الحكم عند إكمال الدين واستقراره ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم﴾ الأكثرون على أنّ المراد بالطعام الذبائح لأنّ ما قبل الآية في بيان الصيد والذبائح ولأنّ ما سوى الصيد والذبائح محللة قبل إن كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة.
وعن بعض أئمة الزيدية أن المراد هو الخبز والفاكهة وما لا يحتاج فيه إلى الذكاة. وقيل : إنه جميع المطعومات. ﴿وطعامكم حلّ لهم﴾ أي يحل لكم أن تطعموهم من طعامكم لأنه لا يمتنع أن يحرم الله تعلى إطعامهم من ذبائحنا. وأيضاً فالفائدة في ذكره أن يعلم أن إباحة الذبائح حاصلة في الجانبين وليست كإباحة المناكحة فإنها غير حاصلة في الجانبين ﴿والمحصنات﴾ الحرائر أو العفائف من المؤمنات، وعلى الثاني يدخل فيه نكاح الإماء. وقد يرجح الأول بأنه تعالى قال :﴿إذا آتيتموهن أجورهن﴾ ومهر الإماء لا يدفع إليهن بل إلى ساداتهن، وبأن نكاح المحصنات ههنا مطلق ونكاح الأمة مشروط بعدم طول الحرة وخشية العنت، وبأن تخصيص العفائف بالحل يدل ظاهراً على تحريم نكاح الزانية، وقد ثبت أنه غير محرم. ولو حملنا المحصنات على الحرائر لزم تحريم نكاح الأمة ونحن نقول به على بعض التقديرات، وبأن وصف التحصين في حق الحرة أكثر ثبوتاً منه في حق الأمة لأن الأمة لا تخلو من البروز للرجال ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ احتج بها كثير من الفقهاء في أنه لا يحل نكاح الكتابية إلاّ إذا دانت بالتوراة والإنجيل قبل نزول الفرقان، لأنّ قوله :﴿من قبلكم﴾ ينافي من دان بهما بعد نزوله. وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات أصلاً متمسكاً بقوله تعالى ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾[البقرة: ٢٢١] ويقول : لا أعلم شركاً أعظم من قولها إن ربها عيسى. وأوّل الآية بأنّ المراد التي آمنت منهن. فمن المحتمل أن يخطر ببال أحد أن الكتابية، إذا آمنت هل يحل للمسلم التزوج بها أم لا ؟ وعن عطاء أن الرخصة كانت مختصة بذلك الوقت لأنه كان في المسلمات قلة ولأن الاحتراز عن مخالطة الكفار واجب.
﴿ولا تتخذوا بطانة من دونكم﴾[آل عمران: ١١٨] وأي خلطة أشد من الزوجية وقد يحدث ولد ويميل إلى دين الأم. وقال سعيد بن المسيب والحسن : الكتابيات تشمل الذميات والحربيات فيجوز التزوج بكلهن. وأكثر الفقهاء على أنّ ذلك مخصوص بالذمية فقط وهو مذهب ابن عباس فإنه قال : من أعطى الجزية حل ومن لم يعط لم يحل لقوله تعالى :﴿حتى يعطوا الجزية﴾[التوبة: ٢٩] واتفقوا على أن المجوس قد سنّ بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم. ﴿إذا آتيتموهن أجورهن﴾ فيه أن من تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقاً كان كالزاني. والزنا ضربان : سفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان، واتخاذ خدن وهو على سبيل الإسرار فحرمهما الله تعالى في الآية وأحلّ التمتع بهن على سبيل الإحصان وهو التزوج بالشروط والأركان.
ثم حث على التزام التكاليف المذكورة بقوله :﴿ومن يكفر بالإيمان﴾ أي بشرائع الله وتكاليفه التي هي من نتائج الإيمان بالله ورسوله. وقال ابن عباس ومجاهد : معناه ومن يكفر برب الإيمان أي بالله. وقال قتادة : ومن يكفر بالقرآن الذي أنزل فيه هذه التكاليف التي لا بد منها في الإيمان فقد خاب وخسر. وفيه أن أهل الكتاب وإن حصلت لهم فضيلة المناكحة وإباحة الذبائح في الدنيا إلاّ أن ذلك لا يفيدهم في الآخرة لأنّ كل من كفر بالله فقد حبط عمله في الدنيا ولم يصل إلى شيء من السعادات في الآخرة ألبتة. واعلم أنّ القائلين بالإحباط فسروا قوله :﴿قد حبط عمله﴾ بأنّ عقاب كفره يزيل ما كان حاصلاً له من ثواب أعماله. ومنكرو الإحباط قالوا : إنّ عمله الذي أتى به بعد ذلك الإيمان قد بان أنه لم يكن معتداً به وكان ضائعاً في نفسه. ثم إنه سبحانه لما افتتح السورة بطلب الوفاء بالعقود فكأن قائلاً قال : عهد الربوبية منك وعهد العبودية منا وأنت أولى بتقديم الوفاء بعهد الربوبية فأجاب الله تعالى نعم أنا أوفى بعهد الربوبية والكرم، ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين : لذات المطعم ولذات المنكح فبيّن الحلال والحرام من المطاعم والمناكح، وقدم المطعوم على المنكوح لأنه أهم.
﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ تناولوا ما اصطادت النفوس المطمئنة المعلمة بعلوم الشريعة المؤدبة بآداب الطريقة المنورة بأنوار الحقيقة. ﴿واذكروا﴾ عند تناول كل ما ورد عليكم من الأمور الدنيوية والأخروية ﴿اسم الله﴾ أي لا تتصرفوا فيه إلاّ لله بالله في الله ﴿اليوم﴾ يعني الذي فيه ظهر كمالية الدين الأزلية وهو يوم عرفة. وهذه فائدة التكرار ﴿أحل لكم الطيبات﴾ ﴿أحل لكم الطيبات﴾ التي تتعلق بسعادة الدارين بل أحل لكم التخلق بالأخلاق الطيبات وهي أخلاق الله المنزهات عن الكميات والكيفيات ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب﴾ وهم الأنبياء ﴿حل لكم﴾ أي غذيتم بلبان الولاية كما غذوا بلبان النبوة ﴿وطعامكم حل لهم﴾ أي منبع لبن النبوة والولاية واحد وإن كان الثدي اثنين ﴿قد علم كل أناس مشربهم﴾[البقرة: ٦٠] وللنبي وراء ذلك كله مشرب " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ﴿والمحصنات من المؤمنات﴾ وهي أبكار حقائق القرآن ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ أبكار حقائق الكتب المنزلة على الأمم السالفة أي التي أدرجت في القرآن ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين﴾[السجدة: ١٧] ﴿إذا آتيتموهن أجورهن﴾ وهي بذل الوجود محصنين في هذا البذل ليكون على وجه الحق ﴿غير مسافحين﴾ على وجه الطبع ﴿ولا متخذي أخدان﴾ غير ملتفتين إلى شيء من الأكوان ﴿ومن يكفر بالإيمان﴾ بهذه المقامات ﴿فقد حبط عمله﴾ الذي عمل من دون المكاشفات. ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ إيماناً حقيقياً عند خطاب ألست بربكم ﴿إذا قمتم﴾ من نوم الغفلة ﴿إلى الصلاة﴾ وهي معراجكم للرجوع إلى مكامن قربكم ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ التي توجهتم بها إلى الدنيا ولطختموها بالنظر إلى الأغيار بماء التوبة والاستغفار ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ أي اغسلوا أيديكم من التمسك بالدارين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ ببذل نفوسكم ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ من طين طبيعتكم والقيام بأنانيتكم ﴿ولا يجرمنكم﴾ ولا يحملنكم حسد الحساد وعداوة الأنذال ﴿على أن لا تعدلوا﴾ مع أنفسكم ﴿إذ هم قوم﴾ من الشيطان والنفس والهوى ﴿أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم﴾ والله خير موفق ومعين.