بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ وذلك أن الله تعالى قد بسط عليهم الرزق، فلما عصوه وجحدوا نعمته، قتر عليهم الرزق، فقالوا عند ذلك :﴿يد الله مغلولة﴾ أي : محبوسة عن البسط، فأمسك عنا الرزق.
قال الله تعالى :﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يعني : أمسكت أيديهم عن الخير، ويقال : هذا وعيد لهم، غلت أيديهم في نار جهنم. ويقال : جُعِلوا بخلاء، فلا يعطون الناس شيئاً مما أعطاهم الله تعالى.
ثم قال :﴿وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾ يعني : عُذِّبوا وطُرِدوا من رحمة الله، لقولهم ذلك. ثم قال :﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ يعني : رزقه واسع باسط على خلقه ﴿يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ يقول : يرزق لمن يشاء مقدار ما يشاء، فله خزائن السموات والأرض. وهذا كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال :« قَالَ الله تَعَالى : لَوْ أنَّ أَوَّلَكُمْ، وَآخِرَكُمْ، وَجِنَّكُمْ، وَإِنْسَكُمْ، سَأَلَ كُلُّ رَجُلٍ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَتُهُ فَأَعْطَيْتُهُ، لَمْ يَنْقُصْ ذلك مِنْ خَزَائِنِ مُلْكِي مِقْدَارَ مَا يُغْتَرَفُ مِنَ البَحْرِ بِرَأسِ إبْرَةٍ وَاحِدَةٍ »
ثم قال تعالى :﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم﴾ يعني : من اليهود، ﴿مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ من القرآن، ﴿مِن رَّبّكَ طغيانا﴾ يعني : تمادياً بالمعصية، ﴿وَكُفْراً﴾ وجحوداً بالقرآن يعني : كل ما نزل عليك شيء من القرآن كفروا به، فيزيد جحودهم في طغيانهم، وإنما نسب ذلك إلى ما أنزله، لأن ذلك سبب لطغيانهم وجحودهم. وهذا كما قال في آية أخرى :﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرءان مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] يعني : أن ذلك سبب لخسرانهم.
ثم قال تعالى :﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضاء إلى يَوْمِ القيامة﴾ يعني : جعلهم الله مختلفين في دينهم، متباغضين كما قال في آية أخرى :﴿لاَ يقاتلونكم جَمِيعاً إِلاَّ في قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وراء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شتى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: ١٤].
ثم قال :﴿كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله﴾ يقول : كلما أجمعوا أمرهم على المكر بمحمد ﷺ وأصحابه فرقه الله تعالى، وأطفأ نار مكرهم، أي : يسكته الله تعالى، ووهن أمرهم، وهذا على وجه الكناية كما قال :﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ ثم قال :﴿وَيَسْعَوْنَ في الأرض فَسَاداً﴾ يعني : يعملون فيها بالمعاصي، ويدعون الناس إلى عبادة غير الله تعالى، ﴿والله لاَ يُحِبُّ المفسدين﴾ يعني : لا يرضى بعمل الذين يعملون بالمعاصي، والله لا يحب أهل الفساد، ولا عملهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى