محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٦٤ من سورة المائدة في ١١٦ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٤٥ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٦٤ من سورة المائدة

١١٦ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ وَلَيَزِيدَنّ كَثِيراً مّنْهُم مّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الْمُفْسِدِينَ﴾. .
وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن جراءة اليهود على ربهم ووصفهم إياه بما ليس من صفته، توبيخا لهم بذلك وتعريفا منه نبيه ﷺ قديمَ جهلهم واغترارهم به وإنكارهم جميع جميل أياديه له نبيّ مبعوث ورسول مرسل أن كانت هذه الأنباء التي أنبأهم بها كانت من خفيّ علومهم ومكنونها التي لا يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم دون غيرهم من اليهود فضلاً عن الأمة الأمية من العرب الذين لم يقرءوا كتابا ولا وَعَوْا من علوم أهل الكتاب علما فأطلع الله على ذلك نبيه محمدا ﷺ وسلم ليقرّر عندهم صدقه ويقطع بذلك حجتهم. يقول تعالى ذكره : وَقالَتِ اليَهُودُ من بين إسرائيل يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ يعنون : أن خير الله ممسك، وعطاءه محبوس عن الاتساع عليهم، كما قال تعالى ذكره في تأديب نبيه ﷺ : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلّ البَسْطِ. وإنما وصف تعالى ذكره اليد بذلك، والمعنى : العطاء، لأن عطاء الناس وبذل معروفهم الغالب بأيديهم، فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضا إذا وصفوه بجود وكرم أو ببخل وشحّ وضيق، بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه، كما قال الأعشى في مدح رجل :
يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ فَكَفّ مُفِيدَةٌوكَفّ إذا ما ضنّ بالزّادِ تُنْفِقُ
فأضاف ما كان صفة صاحب اليد من إنفاق وإفادة إلى اليد ومثل ذلك من كلام العرب في أشعارها وأمثالها أكثر من أن يحصى. فخاطبهم الله بما يتعارفونه، ويتحاورونه بينهم في كلامهم، فقال : وَقَالتِ اليَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ يعني بذلك أنهم قالوا : إن الله يبخل علينا ويمنعنا فضله فلا يفضل، كالمغلولة يده الذي لا يقدر أن يبسطها بعطاء ولا بذل معروف. تعالى الله عما قال أعداء الله فقال الله مكذّبهم ومخبرهم بسخطه عليهم : غُلّتْ أيْدِيهِمْ يقول : أُمْسكت أيديهم عن الخيرات، وقُبِضت عن الانبساط بالعطيات، ولُعِنوا بما قالوا، وأُبْعِدوا من رحمة الله وفضله بالذي قالوا من الكفر وافتروا على الله ووصفوه به من الكذب، والإفك. بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يقول : بل يداه مبسوطتان بالبذل والإعطاء وأرزاق عباده وأقوات خلقه، غير مغلولتين ولا مقبوضتين. يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ يقول : يعطى هذا ويمنع هذا فيقتر عليه.
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : وَقَالتِ اليَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلّتْ أيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قالُوا. قال : ليس يعنون بذلك أن يد الله موثقة، ولكنهم يقولون : إنه بخيل أمسك ما عنده. تعالى الله عما يقولون علوّا كبيرا
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ قال : لقد يجهدنا الله يا بني إسرائيل حتى جعل الله يده إلى نحره. وكذبوا
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ قال : اليهود تقول : لقد يجهدنا الله يا بني إسرائيل ويا أهل الكتاب حتى إن يده إلى نحره. بل يداه مبسوطتان، ينفق كيف يشاء.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَقَالتِ اليَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلّتْ أيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قالُوا. . . إلى : واللّهُ لا يُحِبّ المُفْسِدِينَ. أما قوله يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ قالوا : الله بخيل غير جواد، قال الله : بلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَقَالتِ اليَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلّتْ أيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ قالوا : إن الله وضع يده على صدره فلا يبسطها حتى يردّ علينا ملكنا.
وأما قوله : يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ يقول : يرزق كيف يشاء.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال عكرمة : وَقَالتِ اليَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ. . . الآية، نزلت في فنحاص اليهوديّ.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم، قوله : يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ يقولون : إنه بخيل ليس بجواد قال الله : غُلّت أيْدِيهِمْ : أمسكت أيديهم عن النفقة والخير. ثم قال يعني نفسه : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتان يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وقال : لا تجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةٌ يقول : لا تمسك يدك عن النفقة.
واختلف أهل الجدل في تأويل قوله : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتانِ فقال بعضهم : عُني بذلك نعمتاه، وقال : ذلك بمعنى : يد الله على خلقه، وذلك نعمه عليهم وقال : إن العرب تقول : لك عندي يد، يعنون بذلك : نعمة.
وقال آخرون منهم : عنى بذلك القوّة، وقالوا : ذلك نظير قول الله تعالى ذكره : وَاذْكُرْ عِبادَنا إبْرَاهِيمَ وإسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولى الأيْدِي.
وقال آخرون منهم : بل يده ملكه وقال : معنى قوله : وَقَالتِ اليَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ : ملكه وخزائنه. قالوا : وذلك كقول العرب للمملوك : هو ملك يمينه، وفلان بيده عقدة نكاح فلانة : أي يملك ذلك، وكقول الله تعالى ذكره : فَقَدّمُوا بينَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً.
وقال آخرون منهم : بل يد الله صفة من صفاته هي يد، غير أنها ليست بجارحة كجوارح بني آدم. قالوا : وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن خصوصية آدم بما خصه به من خلقه إياه بيده. قالوا : ولو كان لخصوصية آدم بذلك وجه مفهوم، إذ كان جميع خلقه مخلوقين بقدرته ومشيئته في خلقه تعمه وهو لجميعهم مالك. قالوا : وإذا كان تعالى ذكره قد خصّ آدم بذكره خلقه إياه بيده دون غيره من عباده، كان معلوما إنه إنما خصه بذلك لمعنى به فارق غيره من سائر الخلق. قالوا : وإذا كان ذلك كذلك، بطل قول من قال : معنى اليد من الله القوّة والنعمة أو الملك في هذا الموضع. قالوا : وأحرى أن ذلك لو كان كما قال الزاعمون إن يد الله في قوله : وَقَالتِ اليَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ هي نعمته، لقيل : بل يده مبسوطة، ولم يقل : بل يداه، لأن نعمة الله لا تحصى بكثرة وبذلك جاء التنزيل، يقول الله تعالى : وَإنْ تَعُدّوا نِعْمَةَ اللّهِ لا تُحْصُوها قالوا : ولو كانت نعمتين كانتا محصاتين.
قالوا : فإن ظنّ ظانّ أن النعمتين بمعنى النعم الكثيرة، فذلك منه خطأ وذلك أن العرب قد تخرج الجميع بلفظ الواحد لأداء الواحد عن جميع جنسه، وذلك كقول الله تعالى ذكره : وَالعَصْرِ إنّ الإنْسانَ لَفِي خُسْرٍ، وكقوله : لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ، وقوله : وكانَ الكافِرُ على رَبّهِ ظَهِيرا. قال : فلم يُرَدْ بالإنسان والكافر في هذه الأماكن إنسان بعينه، ولا كافر مشار إليه حاضر، بل عُني به جميع الإنس وجميع الكفار، ولكن الواحد أدّى عن جنسه كما تقول العرب : ما أكثر الدرهم في أيدي الناس، وكذلك قوله : وكانَ الكافِرُ معناه : وكان الذين كفروا. قالوا : فأما إذا ثني الاسم، فلا يؤدّي عن الجنس، ولا يؤدّي إلا عن اثنين بأعيانهما دون الجميع ودون غيرهما. قالوا : وخطأ في كلام العرب أن يقال : ما أكثر الدرهمين في أيدي الناس بمعنى : ما أكثر الدراهم في أيديهم. قالوا : وذلك أن الدرهم إذا ثني لا يؤدّي في كلامها إلا عن اثنين بأعيانهما. قالوا : وغير محال : ما أكثر الدرهم في أيدي الناس وما أكثر الدراهم في أيديهم لأن الواحد يؤدّي عن الجميع. قالوا : ففي قول الله تعالى : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتانِ مع إعلامه عباده أن نعمه لا تحصى، ومع ما وصفنا من أنه غير معقول في كلام العرب أن اثنين يؤدّيان عن الجميع، ما ينبئ عن خطأ قول من قال : معنى اليد في هذا الموضع : النعمة، وصحة قول من قال : إنّ يَدَ اللّهِ هي له صفة. قالوا : وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ، وقال به العلماء وأهل التأويل.

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَيزِيدَنّ كَثِيرا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبّكَ طُغْيانا وكُفْرا.


يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : إن هذا الذي أطلعناك عليه من خفيّ أمور هؤلاء اليهود مما لا يعلمه إلا علماؤهم وأحبارهم، احتجاجا عليهم لصحة نبوّتك، وقطعا لعذر قائل منهم أن يقول : ما جاءنا من بشير ولا نذير، ليزيدنّ كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا، يعني بالطغيان : الغلوّ في إنكار ما قد علموا صحته من نبوّة محمد ﷺ والتمادي في ذلك. وكُفْرا يقول : ويزيدهم مع غلوهم في إنكار ذلك جحودهم عظمة الله ووصفهم إياه بغير صفته، بأن ينسبوه إلى البخل، ويقولوا : يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ. وإنما أعلم تعالى ذكره نبيه ﷺ أنهم أهل عتوّ وتمرّد على ربهم، وأنهم لا يذعنون لحقّ وإن علموا صحته، ولكنهم يعاندونه يسلي بذلك نبيه محمدا ﷺ عن الموجِدة بهم في ذهابهم عن الله وتكذيبهم إياه. وقد بينت معنى الطغيان فيما مضى بشواهده بما أغنى عن إعادته.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَلَيزِيدَنّ كَثِيرا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبّكَ طُغْيانا وكُفْرا حملهم حسد محمد ﷺ والعرب على أن كفروا به، وهم يجدونه مكتوبا عندهم.

القول في تأويل قوله تعالى : وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ والبَغْضَاءَ إلى يَومْ القِيامَةِ.


يعني تعالى ذكره بقوله : وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ والبَغْضَاءَ إلى يَومْ القِيامَةِ بين اليهود والنصارى. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ والبَغْضَاءَ إلى يَومْ القِيامَةِ اليهود والنصارى.
فإن قال قائل : وكيف قيل : وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ والبَغْضَاءَ جعلت الهاء والميم في قوله بَيْنَهُمْ كناية عن اليهود والنصارى، ولم يجر لليهود والنصارى ذكر ؟ قيل : قد جرى لهم ذكر، وذلك قوله :
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
١٢٢٤١ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون"، يعني: الربانيين، أنهم: لبئس ما كانوا يصنعون.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن جرأة اليهود على ربهم، ووصفهم إياه بما ليس من صفته، توبيخًا لهم بذلك، وتعريفًا منه نبيَّه ﷺ قديمَ جهلهم واغترارهم به، وإنكارهم جميع جميل أياديه عندهم، وكثرة صفحه عنهم وعفوه عن عظيم إجرامهم= واحتجاجًا لنبيه محمد ﷺ بأنه له نبيٌّ مبعوث ورسول مرسل: أنْ كانت هذه الأنباء التي أنبأهم بها كانت من خفيِّ علومهم ومكنونها التي لا يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم دون غيرهم من اليهود، فضلا عن الأمة الأمية من العرب الذين لم يقرأوا كتابًا، ولا وعوا من علوم أهل الكتاب علمًا، فأطلع الله على ذلك نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، ليقرر عندهم صدقه، ويقطع بذلك حجتهم.
* * *
يقول تعالى ذكره:"وقالت اليهود"، من بني إسرائيل="يد الله مغلولة"، يعنون: أن خير الله مُمْسَك وعطاؤه محبوس عن الاتساع عليهم، كما قال تعالى
ذكره في تأديب نبيه صلى الله عليه وسلم: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) [سورة الإسراء: ٢٩].
* * *
وإنما وصف تعالى ذكره"اليد" بذلك، والمعنى العَطاء، لأن عطاء الناس وبذلَ معروفهم الغالبَ بأيديهم. فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضًا، إذا وصفوه بجود وكرم، أو ببخل وشحّ وضيق، بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه، كما قال الأعشى في مدح رجل:
يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ، فَكَفٌ مُفِيدَةٌوَكَفٌّ إذَا مَا ضُنَّ بِالزَّادِ تُنْفِقُ (١)
فأضاف ما كان صفة صاحب اليد من إنفاق وإفادة إلى"اليد". ومثل ذلك من كلام العرب في أشعارها وأمثالها أكثر من أن يُحْصى. فخاطبهم الله بما يتعارفونه ويتحاورونه بينهم في كلامهم فقال:"وقالت اليهود يد الله مغلولة"، يعني بذلك: أنهم قالوا: إن الله يبخل علينا، ويمنعنا فضله فلا يُفْضِل، كالمغلولة يده الذي لا يقدر أن يبسطَها بعطاء ولا بذلِ معروف، تعالى الله عما قالوا، أعداءَ الله! (٢)
(١) ديوانه: ١٥٠، وغيره. من قصيدته الغالية التي رفعت المحلق وطارت بذكره في الآفاق، يقول له:
لَعَمْرِي لَقَدْ لاحَتْ عُيُونٌ كَثِيرَةٌإلَى ضَوْءِ نارٍ في يَفَاٍع تُحَرَّقُ
تُشَبُّ لمقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيَانِهِاوَبَاتَ عَلَى النَّارِ النَّدَى والمحَلَّقُ
رَضِيعَيْ لِبَانٍ ثَدْيَ أُمٍّ تَحَالفَابِأَسْحَمَ عَوْضَ الدَّهْرِ لا نَتَفَرَّقُ
تَرَى الجُودَ يَجْرِيِ ظَاهِرًا فَوْقَ وَجْهِهِكَمَا زَانَ مَتْنَ اله ندواني رَوْنَقُ
يَدَاهُ يَدَا صِدْقٍ، فَكفٌّ مُفِيدَةٌوَكَفٌّ إذَا مَا ضُنَّ بِالْمَالِ تُنْفِقُ
هذه رواية مخطوطة ديوانه التي صورتها حديثًا، ورواية هذه المخطوطة تخالف الرواية المطبوعة في أشياء كثيرة، ولا سيما في ترتيب أبيات الشعر.
(٢) في المطبوعة: "عما قال أعداء الله"، وأثبت ما في المخطوطة، وقوله: "أعداء الله" منصوب على الذم.
فقال الله مكذِّبَهم ومخبرَهم بسخَطه عليهم:"غلت أيديهم"، يقول: أمسكت أيديهم عن الخيرات، وقُبِضت عن الانبساط بالعطيات="ولعنوا بما قالوا"، وأبعدوا من رحمة الله وفضله بالذي قالوا من الكفر، وافتروا على الله ووصفوه به من الكذب والإفك (١)
="بل يداه مبسوطتان"، يقول: بل يداه مبسوطتان بالبذل والإعطاء وأرزاق عباده وأقوات خلقه، غيُر مغلولتين ولا مقبوضتين (٢) ="ينفق كيف يشاء"، يقول: يعطي هذا، ويمنع هذا فيقتِّر عليه. (٣)
* * *
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٢٢٤٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا"، قال: ليس يعنون بذلك أن يد الله موثقةٌ، ولكنهم يقولون: إنه بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيًرا.
١٢٢٤٣ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"يد الله مغلولة"، قالوا: لقد تَجَهَّدنا الله = يا بني إسرائيل، (٤) حتى
(١) انظر تفسير"اللعنة" فيما سلف ١٠: ٤٣٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير"البسط" فيما سلف ٥: ٢٨٨، ٢٩٠، ٣١٣.
(٣) انظر تفسير"الإنفاق" فيما سلف ٧: ١٣٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك، ثم سائر فهارس اللغة.
(٤) في المطبوعة، حذف ما وضعته بين الخطين، وكان في المخطوطة: "لقد تجهدنا الله، أي تجهدنا الله يا بني إسرائيل"، ورجحت أن صوابها كما أثبتها. ولم يذكر في كتب اللغة"تجهد" (مشددة الهاء) بمعنى: ألح عليه في السؤال حتى أفنى ما عنده، وكأنه من أجل ذلك فسره بقوله (كما قرأته) :"أي جهدنا الله" من قولهم"جهد الرجل" (ثلاثيا) : إذا ألح عليه في السؤال. هذا ما رأيته، وفوق كل ذي علم عليم. وانظر الأثر التالي.
جعل الله يده إلى نحره! وكذبوا!
١٢٢٤٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"يد الله مغلولة"، قال: اليهود تقوله: (١) لقد تجهَّدنا الله يا بني إسرائيل ويا أهل الكتاب، (٢) حتى إن يده إلى نحره="بل يداه مبسوطتان، ينفق كيف يشاء".
١٢٢٤٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا" إلى"والله لا يحب المفسدين"، أما قوله:"يد الله مغلولة"، قالوا: الله بخيل غير جواد! قال الله:"بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء".
١٢٢٤٦ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء"، قالوا: إن الله وضع يده على صدره، فلا يبسطها حتى يردّ علينا ملكنا.
* * *
= وأما قوله:"ينفق كيف يشاء"، يقول: يرزق كيف يشاء.
١٢٢٤٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عكرمة:"وقالت اليهود يد الله مغلولة" الآية، نزلت في فنْحاص اليهوديّ.
١٢٢٤٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم قوله:"يد الله مغلولة"، يقولون: إنه
(١) في المطبوعة: "اليهود تقول"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٢) انظر التعليق السالف ص: ٤٥٢، رقم: ٤.
بخيل ليس بجواد! قال الله:"غلت أيديهم"، أمسكت أيديهم عن النفقة والخير. ثم قال يعني نفسه:"بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء". وقال: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ) [سورة الإسراء: ٢٩]، يقول: لا تمسك يدك عن النفقة.
* * *
قال أبو جعفر: واختلف أهل الجدل في تأويل قوله:"بل يداه مبسوطتان". (١) فقال بعضهم: عنى بذلك: نِعمتاه. وقال: ذلك بمعنى:"يد الله على خلقه"، وذلك نعمه عليهم. وقال: إن العرب تقول:"لك عندي يد"، يعنون بذلك: نعمةٌ.
* * *
وقال آخرون منهم: عنى بذلك القوة. وقالوا: ذلك نظير قول الله تعالى ذكره: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي) [سورة ص: ٤٥].
* * *
وقال آخرون منهم: بل"يده"، ملكه. وقال: معنى قوله:"وقالت اليهود يد الله مغلولة"، ملكه وخزائنه.
قالوا: وذلك كقول العرب للمملوك:"هو ملك يمينه"، و"فلان بيده عُقدة نكاح فلانة"، أي يملك ذلك، وكقول الله تعالى ذكره: (فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً)، [سورة المجادلة: ١٢].
* * *
وقال آخرون منهم: بل"يد الله" صفة من صفاته، هي يد، غير أنها ليست بجارحة كجوارح بني آدم.
قالوا: وذلك أنّ الله تعالى ذكره أخبرَ عن خصوصه آدم بما خصّه به من خلقه إياه بيده. (٢)
(١) هذه أول مرة يذكر فيها أبو جعفر أصحاب الكلام ويسميهم"أهل الجدل".
(٢) في المطبوعة: "عن خصوصية آدم"، وأعاد"خصوصية" بالنسب في جميع ما سيأتي، وهو عبث من المصحح، وأثبت ما في المخطوطة.
قالوا: ولو كان [معنى"اليد"، النعمة، أو القوة، أو الملك، ما كان لخصوصِه] آدم بذلك وجه مفهوم، (١) إذ كان جميع خلقه مخلوقين بقدرته، ومشيئتُه في خلقه تعمةٌ، وهو لجميعهم مالك.
قالوا: وإذ كان تعالى ذكره قد خص آدم بذكره خلقَه إياه بيده دون غيره من عباده، كان معلومًا أنه إنما خصه بذلك لمعنى به فارق غيره من سائر الخلق.
قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، بطل قول من قال: معنى"اليد" من الله، القوة والنعمة أو الملك، في هذا الموضع.
قالوا: وأحرى أن ذلك لو كان كما قال الزاعمون أن:"يد الله" في قوله:"وقالت اليهود يد الله مغلولة"، هي نعمته، لقيل:"بل يده مبسوطة"، ولم يقل:"بل يداه"، لأن نعمة الله لا تحصى كثرة. (٢) وبذلك جاء التنزيل، يقول الله تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) [سورة إبراهيم: ٣٤ وسورة النحل: ١٨]
قالوا: ولو كانت نعمتين، كانتا محصاتين.
قالوا: فإن ظن ظانٌّ أن النعمتين بمعنى النعم الكثيرة، فذلك منه خطأ، وذلك أنّ العرب قد تخرج الجميع بلفظ الواحد لأداء الواحد عن جميع جنسه، وذلك كقول الله تعالى ذكره: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) [سورة العصر: ١، ٢] وكقوله (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ)، [سورة الحجر: ٢٦] وقوله: (وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا) [سورة الفرقان: ٥٥]، قال: فلم يُرَدْ بـ"الإنسان" و"الكافر" في هذه الأماكن إنسان بعينه، ولا كافر مشار إليه حاضر، بل عني به جميع الإنس وجميع الكفار، ولكن الواحد أدَّى عن جنسه، كما تقول العرب:
(١) هذه الزيادة بين القوسين زيادة يقتضيها الكلام، استظهرتها من سياق هذه الحجج ما استطعت، وإسقاطها مفسد للكلام.
(٢) في المطبوعة: "لا تحصى بكثرة"، وأثبت ما في المخطوطة.
"ما أكثر الدرهم في أيدي الناس"، وكذلك قوله: (وَكَانَ الْكَافِرُ) معناه: وكان الذين كفروا.
قالوا: فأما إذا ثنَّى الاسم، فلا يؤدي عن الجنس، ولا يؤدّي إلا عن اثنين بأعيانهما دون الجميع ودون غيرهما. (١)
قالوا: وخطأ في كلام العرب أن يقال:"ما أكثر الدرهمين في أيدي الناس"، بمعنى: ما أكثر الدراهم في أيديهم.
قالوا: وذلك أن الدرهم إذا ثنِّي لا يؤدي في كلامها إلا عن اثنين بأعيانهما.
قالوا: وغيرُ محال:"ما أكثر الدرهم في أيدي الناس"، و"ما أكثر الدراهم في أيديهم"، لأن الواحد يؤدي عن الجميع.
قالوا: ففي قول الله تعالى:"بل يداه مبسوطتان"، مع إعلامه عبادَه أن نعمه لا تحصى، مع ما وصفنا من أنه غير معقول في كلام العرب أن اثنين يؤدّيان عن الجميع= ما ينبئ عن خطأ قول من قال: معنى"اليد"، في هذا الموضع، النعمة= وصحةِ قول من قال: إن"يد الله"، هي له صفة.
قالوا: وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال به العلماء وأهل التأويل.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن هذا الذي أطلعناك عليه من خفيِّ أمور هؤلاء اليهود، مما لا يعلمه إلا علماؤهم وأحبارهم،
(١) في المطبوعة والمخطوطة: "فلا يؤدي إلا عن اثنين"، وهو لا يستقيم بالفاء، إنما يستقيم بالواو كما أثبته.
احتجاجًا عليهم لصحة نبوتك، وقطعًا لعذر قائلٍ منهم أن يقول:"ما جاءنا من بشير ولا نذير"=:"ليزيدن كثيرًا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا". يعني بـ"الطغيان": الغلو في إنكار ما قد علموا صحته من نبوة محمد ﷺ والتمادي في ذلك="وكفرًا"، يقول: ويزيدهم مع غلوِّهم في إنكار ذلك، جحودَهم عظمة الله ووصفهم إياه بغير صفته، بأن ينسبوه إلى البخل، ويقولوا:"يد الله مغلولة". وإنما أعلم تعالى ذكره نبيَّه ﷺ أنهم أهل عتوّ وتمرُّدٍ على ربهم، وأنهم لا يذعنون لحقّ وإن علموا صحته، ولكنهم يعاندونه، يسلِّي بذلك نبيه محمدًا ﷺ عن الموجِدة بهم في ذهابهم عن الله، وتكذيبهم إياه.
* * *
وقد بينت معنى"الطغيان" فيما مضى بشواهده، بما أغنى عن إعادته. (١)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٢٢٤٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وليزيدن كثيرًا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا"، حملهم حسدُ محمد ﷺ والعرب على أن كفروا به، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم.
* * *
(١) انظر تفسير"الطغيان" فيما سلف ١: ٣٠٨، ٣٠٩/٥: ٤١٩.

القول في تأويل قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة"، بين اليهود والنصارى، كما:-
١٢٢٥٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة"، اليهود والنصارى.
* * *
فإن قال قائل: وكيف قيل:"وألقينا بينهم العداوة والبغضاء"، جعلت"الهاء والميم" في قوله:"بينهم"، كناية عن اليهود والنصارى، ولم يجر لليهود والنصارى ذكر؟
قيل: قد جرى لهم ذكر، وذلك قوله: (لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)، [سورة المائدة: ٥١]، جرى الخبر في بعض الآي عن الفريقين، وفي بعضٍ عن أحدهما، إلى أن انتهى إلى قوله:"وألقينا بينهم العداوة والبغضاء"، ثم قصد بقوله:"ألقينا بينهم"، الخبرَ عن الفريقين.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: كلما جمع أمرهم على شيء فاستقام واستوى، فأرادوا مناهضة من ناوأهم، شتته الله عليهم وأفسده، لسوء فعالهم وخُبْثِ نياتهم، (١) كالذي:-
(١) انظر تفسير"أوقد" فيما سلف ١: ٣٢٠، ٣٨٠/٦: ٢٢٢.
١٢٢٥١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: (لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) [سورة الإسراء: ٤- ٦]، قال: كان الفساد الأول، فبعث الله عليهم عدوًّا فاستباحوا الديار، واستنكحوا النساء، واستعبدوا الولدان، وخرَّبوا المسجد. فغَبَرُوا زمانًا، (١) ثم بعث الله فيهم نبيًّا وعاد أمرهم إلى أحسن ما كان. ثم كان الفساد الثاني بقتلهم الأنبياء، حتى قتلوا يحيى بن زكريا، فبعث الله عليهم بُخْت نصَّر، فقتل من قتل منهم، وسبى من سبى، وخرب المسجد. فكان بخت نصر الفسادَ الثاني= قال: و"الفساد"، المعصية= ثم قال، (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) إلى قوله: (وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا) [سورة الإسراء: ٧، ٨] فبعث الله لهم عُزَيْرًا، وقد كان علم التوراة وحفظها في صدره وكتبها لهم. فقام بها ذلك القرن، ولبثوا فنسوا. (٢) ومات عزير، وكانت أحداثٌ، ونسوا العهد وبَخَّلوا ربهم، وقالوا:"يد الله مغلولة غُلَّت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء"، وقالوا في عزير:"إن الله اتخذه ولدًا"، وكانوا يعيبون ذلك على النصارى في قولهم في المسيح، فخالفوا ما نَهَوْا عنه، وعملوا بما كانوا يكفِّرون عليه، فسبق من الله كلمة عند ذلك أنهم لن يظهروا على عدوٍّ آخرَ الدهر، (٣) فقال:"كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادًا والله لا يحب المفسدين"، فبعث الله عليهم المجوس الثالثةَ أربابًا، (٤) فلم يزالوا كذلك والمجوس
(١) في المطبوعة: "فغيروا" بالياء، وهو خطأ."غبروا زمانا": لبثوا زمانًا.
(٢) في المطبوعة: "ونسوا"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: "لم يظهروا"، والسياق يقتضي ما أثبت.
(٤) في المطبوعة: "المجوس الثلاثة أربابًا"، والصواب ما في المخطوطة، ويعني وعد الآخرة، وهي المرة الثالثة.
على رقابهم، وهم يقولون:"يا ليتنا أدركنا هذا النبي الذي نجده مكتوبًا عندنا، عسى الله أن يفكَّنا به من المجوس والعذاب الهون"! فبعث محمدًا صلى الله عليه وسلم= واسمه"محمد"، واسمه في الإنجيل"أحمد"= فلما جاءهم وعرفوا، (١) كفروا به، قال: (فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) [سورة البقرة: ٨٩]، وقال: (فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ)، بسورة البقرة: ٩٠]. (٢)
١٢٢٥٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله"، هم اليهود.
١٢٢٥٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادًا"، أولئك أعداء الله اليهود، كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله، فلن تلقَى اليهود ببلد إلا وجدتهم من أذلّ أهله. لقد جاء الإسلام حين جاء، وهم تحت أيدي المجوس أبغضِ خلقه إليه.
١٢٢٥٤ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله"، قال: كلما أجمعوا أمرهم على شيء فرَّقه الله، وأطفأ حَدَّهم ونارهم، (٣) وقذف في قلوبهم الرعب.
* * *
(١) في المطبوعة: "فلما جاءهم ما عرفوا... " كنص آية البقرة: ٨٩، وأثبت ما في المخطوطة، فهو صواب أيضًا، لا يريد الآية، بل أراد معناها.
(٢) الأثر: ١٢٢٥١- هذا الأثر، لم يذكره أبو جعفر في تفسير آيات"سورة الإسراء: ٤- ٨" في تفسيره ١٥: ١٧- ٣٥ (بولاق). وهذا أحد الأدلة على اختصار التفسير.
(٣) "الحد": البأس والنفاذ. و"حد الظهيرة": شدة توقدها.
وقال مجاهد بما:-
١٢٢٥٥ - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله:"كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله"، قال: حربُ محمد صلى الله عليه وسلم.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويعمل هؤلاء اليهود والنصارى بمعصية الله، فيكفرون بآياته ويكذبون رسله، ويخالفون أمره ونهيه، وذلك سعيُهم فيها بالفساد=
"والله لا يحب المفسدين"، يقول: والله لا يحب من كان عامِلا بمعاصيه في أرضه. (١)
* * *
(١) انظر تفسير"الفساد في الأرض" فيما سلف: ٢٨٧، ٤١٦/ ثم ١٠: ٢٥٧ تعليق: ١، والمراجع هناك.
= وتفسير"السعي" فيما سلف ٤: ٢٣٨، وفي سائر فهارس اللغة.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يخبر تعالى عن اليهود - عليهم لعائن الله المتتابعة(١) إلى يوم القيامة - بأنهم وصفوا الله، عز وجل وتعالى عن قولهم علوًا كبيرًا، بأنه بخيل. كما وصفوه بأنه فقير وهم أغنياء، وعبروا عن البخل بقولهم :﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عمر العَدَنِيّ، حدثنا الحكم بن أبان، عن عِكْرِمَة قال : قال ابن عباس :﴿مَغْلُولَةٌ﴾ أي : بخيلة.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله :﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ قال : لا يعنون بذلك أن يد الله موثقة(٢) ولكن يقولون : بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
وكذا روي عن عِكْرِمَة، وقتادة، والسُّدِّي، ومجاهد، والضحاك وقرأ :﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]. يعني : أنه ينهى(٣) عن البخل وعن التبذير، وهو الزيادة في الإنفاق في غير محله، وعبَّر عن البخل بقوله :﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾.
وهذا هو الذي أراد هؤلاء اليهود عليهم لعائن الله. وقد قال عكرمة : إنها نزلت في فنْحاص اليهودي، عليه لعنة الله. وقد تقدم أنه الذي قال :﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] فضربه أبو بكر الصديق، رضي الله عنه.
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس قال : قال رجل من اليهود، يقال له : شاس(٤) بن قيس : إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله :﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾
وقد رد الله، عز وجل، عليهم ما قالوه، وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه وائتفكوه، فقال :﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ وهكذا(٥) وقع لهم، فإن عندهم من البخل والحسد والجبن والذلة(٦) أمر عظيم، كما قال تعالى :﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا(٧) ]﴾ [النساء: ٥٣ - ٥٥] وقال تعالى :﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاس(٨) ]﴾ الآية [آل عمران: ١١٢].
ثم قال تعالى :﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ أي : بل هو الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه، وهو الذي ما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له، الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه، في ليلنا ونهارنا، وحضرنا وسفرنا، وفي جميع أحوالنا، كما قال [ تعالى ](٩) ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ الآية [إبراهيم: ٣٤]. والآيات في هذا كثيرة، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل :
حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن همام بن مُنَبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" إن يمين الله مَلأى لا يَغِيضُها نفقة، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يَغِض ما في يمينه " قال :" وعرشه على الماء، وفي يده الأخرى القبْض، يرفع ويخفض " : قال : قال الله تعالى :" أنفق أنفق عليك " أخرجاه في الصحيحين، البخاري في " التوحيد " عن علي بن المديني، ومسلم فيه، عن محمد بن رافع، وكلاهما(١٠) عن عبد الرزاق، به. (١١)
وقوله :﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ أي : يكون ما أتاك الله يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم، فكما يزداد به المؤمنون تصديقًا وعملا صالحًا وعلمًا نافعًا، يزداد به الكفرة الحاسدون لك ولأمتك ﴿طُغْيَانًا﴾ وهو : المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء ﴿وَكُفْرًا﴾ أي : تكذيبا، كما قال تعالى :﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] وقال تعالى :﴿وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢].
وقوله :﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يعني : أنه لا تجتمع قلوبهم، بل العداوة واقعة بين فِرقهم بعضهم في بعض دائمًا لأنهم لا يجتمعون على حق، وقد خالفوك وكذبوك.
وقال إبراهيم النَّخَعي :﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ قال : الخصومات والجدال في الدين. رواه ابن أبي حاتم.
وقوله :﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ أي : كلما عقدوا أسبابًا يكيدونك بها، وكلما أبرموا أمورًا يحاربونك بها يبطلها الله ويرد كيدهم عليهم، ويحيق مكرهم السيئ بهم.
﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي : من سجيتهم أنهم دائمًا يسعوْن في الإفساد في الأرض، والله لا يحب من هذه صفته.
١ في أ: التابعة".
.

٢ في ر: "منفقة"..
٣ في أ: "نهى"..
٤ في أ: "النباس"..
٥ في أ: "هكذا"..
٦ في أ: "المذلة"..
٧ زيادة من ر، أ..
٨ زيادة من ر، أ..
٩ زيادة من ر.
.

١٠ في ر، أ: "كلاهما"..
١١ المسند (٢/٣١٣) وصحيح البخاري برقم (٧٤١٩) وصحيح مسلم برقم (٩٩٣)..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْيَهُودِ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ (١) إِلَى يَوْمِ القيامة-بِأَنَّهُمْ وَصَفُوا اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ وَتَعَالَى عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا، بِأَنَّهُ بَخِيلٌ. كَمَا وَصَفُوهُ بِأَنَّهُ فَقِيرٌ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ، وَعَبَّرُوا عَنِ الْبُخْلِ
(١) في أ: التابعة".
بِقَوْلِهِمْ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطِّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ العَدَنِيّ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَة قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مَغْلُولَةٌ﴾ أَيْ: بَخِيلَةٌ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ قَالَ: لَا يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّ يَدَ اللَّهِ مُوثَقَةٌ (١) وَلَكِنْ يَقُولُونَ: بَخِيلٌ أَمْسَكَ مَا عِنْدَهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَة، وَقَتَادَةَ، والسُّدِّي، وَمُجَاهِدٍ، وَالضَّحَّاكِ وَقَرَأَ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٩]. يَعْنِي: أَنَّهُ يَنْهَى (٢) عَنِ الْبُخْلِ وَعَنِ التَّبْذِيرِ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ فِي الْإِنْفَاقِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وعبَّر عَنِ الْبُخْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ عَلَيْهِمْ لِعَائِنُ اللَّهِ. وَقَدْ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي فنْحاص الْيَهُودِيِّ، عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ الَّذِي قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٨١] فَضَرَبَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدٍ أَوْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، يُقَالُ لَهُ: شَاسُ (٣) بْنُ قَيْسٍ: إِنَّ رَبَّكَ بَخِيلٌ لَا يُنْفِقُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾
وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَيْهِمْ مَا قَالُوهُ، وَقَابَلَهُمْ فِيمَا اخْتَلَقُوهُ وَافْتَرَوْهُ وَائْتَفَكُوهُ، فَقَالَ: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ وَهَكَذَا (٤) وَقَعَ لَهُمْ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ مِنَ الْبُخْلِ وَالْحَسَدِ وَالْجُبْنِ وَالذِّلَّةِ (٥) أَمْرٌ عَظِيمٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٦) ]﴾ [النِّسَاءِ: ٥٣ -٥٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاس (٧) ]﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ١١٢].
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ أَيْ: بَلْ هُوَ الْوَاسِعُ الْفَضْلِ، الْجَزِيلُ الْعَطَاءِ، الَّذِي مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَهُ خَزَائِنُهُ، وَهُوَ الَّذِي مَا بِخَلْقِهِ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الَّذِي خَلَقَ لَنَا كُلَّ شَيْءٍ مِمَّا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فِي لَيْلِنَا وَنَهَارِنَا، وَحَضَرِنَا وَسَفَرِنَا، وَفِي جَمِيعِ أَحْوَالِنَا، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] (٨) ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ الْآيَةَ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٤]. وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حنبل:
(١) في ر: "منفقة".
(٢) في أ: "نهى".
(٣) في أ: "النباس".
(٤) في أ: "هكذا".
(٥) في أ: "المذلة".
(٦) زيادة من ر، أ.
(٧) زيادة من ر، أ.
(٨) زيادة من ر.
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبه قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَلأى لَا يَغِيضُها نَفَقَةٌ، سَحَّاء اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِض مَا فِي يَمِينِهِ" قَالَ: "وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَفِي يَدِهِ الْأُخْرَى القبْض، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ": قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ" أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، الْبُخَارِيُّ في "التوحيد" عن علي بن الْمَدِينِيِّ، وَمُسْلِمٌ فِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، وَكِلَاهُمَا (١) عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، بِهِ. (٢)
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ أَيْ: يَكُونُ مَا أَتَاكَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ مِنَ النِّعْمَةِ نِقْمَةٌ فِي حَقِّ أَعْدَائِكَ مِنَ الْيَهُودِ وَأَشْبَاهِهِمْ، فَكَمَا يَزْدَادُ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ تَصْدِيقًا وَعَمَلًا صَالِحًا وَعِلْمًا نَافِعًا، يَزْدَادُ بِهِ الْكَفَرَةُ الْحَاسِدُونَ لَكَ وَلِأُمَّتِكَ ﴿طُغْيَانًا﴾ وَهُوَ: الْمُبَالَغَةُ وَالْمُجَاوَزَةُ لِلْحَدِّ فِي الْأَشْيَاءِ ﴿وَكُفْرًا﴾ أَيْ: تَكْذِيبًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٨٢].
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يَعْنِي: أَنَّهُ لَا تَجْتَمِعُ قُلُوبُهُمْ، بَلِ الْعَدَاوَةُ وَاقِعَةٌ بَيْنَ فِرقهم بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ دَائِمًا لِأَنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى حَقٍّ، وَقَدْ خَالَفُوكَ وَكَذَّبُوكَ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعي: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ قَالَ: الْخُصُومَاتُ وَالْجِدَالُ فِي الدِّينِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ أَيْ: كُلَّمَا عَقَّدُوا أَسْبَابًا يَكِيدُونَكَ بِهَا، وَكُلَّمَا أَبْرَمُوا أُمُورًا يُحَارِبُونَكَ بِهَا يُبْطِلُهَا اللَّهُ وَيَرُدُّ كَيْدَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَيَحِيقُ مَكْرُهُمُ السَّيِّئُ بِهِمْ.
﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ أَيْ: مِنْ سَجِيَّتِهِمْ أَنَّهُمْ دَائِمًا يسعوْن فِي الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ.
ثُمَّ قَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ أَيْ: لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاتَّقَوْا مَا كَانُوا يَتَعَاطَوْنَهُ مِنَ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ أَيْ: لَأَزَلْنَا عَنْهُمُ الْمَحْذُورَ ولحصّلْناهم (٣) الْمَقْصُودَ.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ: يَعْنِي الْقُرْآنَ. ﴿لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أَيْ: لأنهم عَمِلُوا بِمَا فِي الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَغْيِيرٍ وَلَا تَبْدِيلٍ، لَقَادَهُمْ ذَلِكَ إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى
(١) في ر، أ: "كلاهما".
(٢) المسند (٢/٣١٣) وصحيح البخاري برقم (٧٤١٩) وصحيح مسلم برقم (٩٩٣).
(٣) في ر، أ: "ولحصلنا لهم".
مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّ كُتُبَهُمْ نَاطِقَةٌ بِتَصْدِيقِهِ وَالْأَمْرِ بِاتِّبَاعِهِ حَتْمًا لَا مَحَالَةَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ (١) كَثْرَةَ الرِّزْقِ النَّازِلِ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالنَّابِتِ لَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يَعْنِي: لَأَرْسَلَ [السَّمَاءَ] (٢) عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يَعْنِي: يُخْرِجُ مِنَ الْأَرْضِ بَرَكَاتِهَا.
وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] (٣) ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ [وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ]﴾ [الْأَعْرَافِ: ٩٦]، (٤) وَقَالَ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ]﴾ [الرُّومِ: ٤١]. (٥)
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ ﴿لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يَعْنِي: مِنْ غَيْرِ كَد وَلَا تَعَبٍ وَلَا شَقَاءٍ وَلَا عَنَاءٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَكَانُوا فِي (٦) الْخَيْرِ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: "هُوَ فِي الْخَيْرِ مِنْ قرَنه (٧) إِلَى قَدَمِهِ". ثُمَّ رُدَّ هَذَا الْقَوْلُ لِمُخَالَفَةِ أَقْوَالِ السَّلَفِ (٨)
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ﴾ حَدِيثَ (٩) عَلْقَمَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يُوشِكُ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ". فَقَالَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يُرْفَعُ الْعِلْمُ وَقَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ وَعَلَّمْنَاهُ أَبْنَاءَنَا؟! قَالَ (١٠) ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ لَبِيدٍ! إِنْ كُنْتُ لَأَرَاكَ (١١) مِنْ أَفْقَهِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَوَلَيِسَتِ (١٢) التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ بِأَيْدِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ حِينَ تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ" ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ﴾
هَكَذَا أَوْرَدَهُ (١٣) ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدِيثًا (١٤) مُعَلَّقًا (١٥) مِنْ أَوَّلِ إِسْنَادِهِ، مُرْسَلًا فِي آخِرِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ متصلا موصولا فقال:
(١) في ر، أ: "يعني بذلك".
(٢) زيادة من أ.
(٣) زيادة من ر، أ.
(٤) زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".
(٥) زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".
(٦) في أ: "إلى".
(٧) في أ: "فوقه".
(٨) "قائل هذه المقالة الفراء في كتاب معاني القرآن (١/٣١٥) " أ. هـ مستفادًا من حاشية تفسير الطبري وقد ذكرها الطبري في تفسيره (١٠/٤٦٤).
(٩) في ر، أ: "حدثنا".
(١٠) في أ: "فقال".
(١١) في أ: "لأري".
(١٢) في أ: "وليست".
(١٣) في ر: "رواه"، وفي أ: "أورد".
(١٤) في أ: "هذا الحديث".
(١٥) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٨/٤٣) والبزار في مسنده برقم (٢٣٢) "كشف الأستار" من وجه آخر: من طريق إبراهيم بن أبي عبلة، عن الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نفير، عن عوف بن مالك بنحوه.
حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْد، عَنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيد قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا فَقَالَ: "وَذَاكَ عِنْدَ (١) ذَهَابِ الْعِلْمِ". قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ ونُقْرئه أَبْنَاءَنَا، ويُقْرئه أَبْنَاؤُنَا أَبْنَاءَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ أُمِّ لَبِيدٍ، إِنْ كنتُ لَأَرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ، أَوْ لَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَلَا يَنْتَفِعُونَ مِمَّا فِيهِمَا بِشَيْءٍ"
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أبي شيبة، عن وكيع بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ (٢) وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٩]، وَكَقَوْلِهِ عَنْ أَتْبَاعِ عِيسَى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ [وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ] (٣)﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٧]. فَجَعَلَ أَعْلَى مَقَامَاتِهِمُ الِاقْتِصَادَ، وَهُوَ (٤) أَوْسَطُ مَقَامَاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفَوْقَ ذَلِكَ رُتْبَةُ السَّابِقَيْنِ (٥) كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ الْآيَةَ [فَاطِرٍ: ٣٢، ٣٣]. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ الضَّبِّي، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَر، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "تَفَرَّقَتْ أُمَّةُ مُوسَى عَلَى إِحْدَى (٦) وَسَبْعِينَ مِلَّةً، سَبْعُونَ مِنْهَا فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَتَفَرَّقَتْ أُمَّةُ عِيسَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَاحِدَةٌ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ وَإِحْدَى وَسَبْعُونَ مِنْهَا فِي النَّارِ، وَتَعْلُو أُمَّتِي عَلَى الْفِرْقَتَيْنِ جَمِيعًا. وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ". قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الْجَمَاعَاتُ الْجَمَاعَاتُ".
قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ يَزِيدَ (٧) كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَلَا فِيهِ قُرْآنًا: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ وَتَلَا أَيْضًا: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٨١] يَعْنِي: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (٨)
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَبِهَذَا السِّيَاقِ. وحديثُ افْتِرَاقِ الْأُمَمِ إِلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ
(١) في أ: "عن".
(٢) المسند (٤/١٦٠) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٤٨) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٥٣) :"رجال إسناده ثقات إلا أنه منقطع، قال البخاري في التاريخ الصغير: "لم يسمع سالم بن أبي الجعد من زياد بن لبيد".
(٣) زيادة من ر، أ.
(٤) في ر: "وهي".
(٥) في ر: "السابقية".
(٦) في د: "على اثنتين"، وفي أ: "على أحد".
(٧) في أ: "زيد".
(٨) ورواه أبو يعلى في مسنده (٦/٣٤٠) من طريق أبي معشر، عن يعقوب بن زيد به من حديث طويل. وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢٥٧) :"فيه أبو معشر نجيح وهو ضعيف".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٦٤ - ٦٦ ْ } ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ْ﴾
يخبر تعالى عن مقالة اليهود الشنيعة، وعقيدتهم الفظيعة، فقال :﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ْ﴾ أي : عن الخير والإحسان والبر.
﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ْ﴾ وهذا دعاء عليهم بجنس مقالتهم. فإن كلامهم متضمن لوصف الله الكريم، بالبخل وعدم الإحسان. فجازاهم بأن كان هذا الوصف منطبقا عليهم.
فكانوا أبخل الناس وأقلهم إحسانا، وأسوأهم ظنا بالله، وأبعدهم الله عن رحمته التي وسعت كل شيء، وملأت أقطار العالم العلوي والسفلي. ولهذا قال :﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ْ﴾ لا حجر عليه، ولا مانع يمنعه مما أراد، فإنه تعالى قد بسط فضله وإحسانه الديني والدنيوي، وأمر العباد أن يتعرضوا لنفحات جوده، وأن لا يسدوا على أنفسهم أبواب إحسانه بمعاصيهم.
فيداه(١)  سحاء الليل والنهار، وخيره في جميع الأوقات مدرارا، يفرج كربا، ويزيل غما، ويغني فقيرا، ويفك أسيرا ويجبر كسيرا، ويجيب سائلا، ويعطي فقيرا عائلا، ويجيب المضطرين، ويستجيب للسائلين. وينعم على من لم يسأله، ويعافي من طلب العافية، ولا يحرم من خيره عاصيا، بل خيره يرتع فيه البر والفاجر، ويجود على أوليائه بالتوفيق لصالح الأعمال ثم يحمدهم عليها، ويضيفها إليهم، وهي من جوده ويثيبهم عليها من الثواب العاجل والآجل ما لا يدركه الوصف، ولا يخطر على بال العبد، ويلطف بهم في جميع أمورهم، ويوصل إليهم من الإحسان، ويدفع عنهم من النقم ما لا يشعرون بكثير منه، فسبحان من كل النعم التي بالعباد فمنه، وإليه يجأرون في دفع المكاره، وتبارك من لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وتعالى من لا يخلو العباد من كرمه طرفة عين، بل لا وجود لهم ولا بقاء إلا بجوده.
وقبَّح الله من استغنى بجهله عن ربه، ونسبه إلى ما لا يليق بجلاله، بل لو عامل الله اليهود القائلين تلك المقالة، ونحوهم ممن حاله كحالهم ببعض قولهم، لهلكوا، وشقوا في دنياهم، ولكنهم يقولون تلك الأقوال، وهو تعالى، يحلم عنهم، ويصفح، ويمهلهم ولا يهملهم.
وقوله ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ْ﴾ وهذا أعظم العقوبات على العبد(٢)، أن يكون الذكر الذي أنزله الله على رسوله، الذي فيه حياة القلب والروح، وسعادة الدنيا والآخرة، وفلاح الدارين، الذي هو أكبر منة امتن الله بها على عباده، توجب عليهم المبادرة إلى قبولها، والاستسلام لله بها، وشكرا لله عليها، أن تكون لمثل هذا زيادة غي إلى غيه، وطغيان إلى طغيانه، وكفر إلى كفره، وذلك بسبب إعراضه عنها، ورده لها، ومعاندته إياها، ومعارضته لها بالشبه الباطلة. ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ْ﴾ فلا يتآلفون، ولا يتناصرون، ولا يتفقون على حالة فيها مصلحتهم، بل لم يزالوا متباغضين في قلوبهم، متعادين بأفعالهم، إلى يوم القيامة ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ ْ﴾ ليكيدوا بها الإسلام وأهله، وأبدوا وأعادوا، وأجلبوا بخيلهم ورجلهم ﴿أَطْفَأَهَا اللَّهُ ْ﴾ بخذلانهم وتفرق جنودهم، وانتصار المسلمين عليهم.
﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ْ﴾ أي : يجتهدون ويجدون، ولكن بالفساد في الأرض، بعمل المعاصي، والدعوة إلى دينهم الباطل، والتعويق عن الدخول في الإسلام. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ْ﴾ بل يبغضهم أشد البغض، وسيجازيهم على ذلك.
١ - في ب: فيده..
٢ - في ب: وهذا أعظم من العقوبات على العبد..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أي: هلا ينهاهم العلماء المتصدون لنفع الناس، الذين من الله عليهم بالعلم والحكمة -عن المعاصي التي تصدر منهم، ليزول ما عندهم من الجهل، وتقوم حجة الله عليهم، فإن العلماء عليهم أمر الناس ونهيهم، وأن يبينوا لهم الطريق الشرعي، ويرغبونهم في الخير ويرهبونهم من الشر ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.
-[٢٣٨]-
{٦٤ - ٦٦} ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.
يخبر تعالى عن مقالة اليهود الشنيعة، وعقيدتهم الفظيعة، فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أي: عن الخير والإحسان والبر.
﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ وهذا دعاء عليهم بجنس مقالتهم. فإن كلامهم متضمن لوصف الله الكريم، بالبخل وعدم الإحسان. فجازاهم بأن كان هذا الوصف منطبقا عليهم.
فكانوا أبخل الناس وأقلهم إحسانا، وأسوأهم ظنا بالله، وأبعدهم الله عن رحمته التي وسعت كل شيء، وملأت أقطار العالم العلوي والسفلي. ولهذا قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ لا حجر عليه، ولا مانع يمنعه مما أراد، فإنه تعالى قد بسط فضله وإحسانه الديني والدنيوي، وأمر العباد أن يتعرضوا لنفحات جوده، وأن لا يسدوا على أنفسهم أبواب إحسانه بمعاصيهم.
فيداه (١) سحاء الليل والنهار، وخيره في جميع الأوقات مدرارا، يفرج كربا، ويزيل غما، ويغني فقيرا، ويفك أسيرا ويجبر كسيرا، ويجيب سائلا ويعطي فقيرا عائلا ويجيب المضطرين، ويستجيب للسائلين. وينعم على من لم يسأله، ويعافي من طلب العافية، ولا يحرم من خيره عاصيا، بل خيره يرتع فيه البر والفاجر، ويجود على أوليائه بالتوفيق لصالح الأعمال ثم يحمدهم عليها، ويضيفها إليهم، وهي من جوده ويثيبهم عليها من الثواب العاجل والآجل ما لا يدركه الوصف، ولا يخطر على بال العبد، ويلطف بهم في جميع أمورهم، ويوصل إليهم من الإحسان، ويدفع عنهم من النقم ما لا يشعرون بكثير منه، فسبحان من كل النعم التي بالعباد فمنه، وإليه يجأرون في دفع المكاره، وتبارك من لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وتعالى من لا يخلو العباد من كرمه طرفة عين، بل لا وجود لهم ولا بقاء إلا بجوده.
وقبَّح الله من استغنى بجهله عن ربه، ونسبه إلى ما لا يليق بجلاله، بل لو عامل الله اليهود القائلين تلك المقالة، ونحوهم ممن حاله كحالهم ببعض قولهم، لهلكوا، وشقوا في دنياهم، ولكنهم يقولون تلك الأقوال، وهو تعالى، يحلم عنهم، ويصفح، ويمهلهم ولا يهملهم.
وقوله ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ وهذا أعظم العقوبات على العبد، (٢) أن يكون الذكر الذي أنزله الله على رسوله، الذي فيه حياة القلب والروح، وسعادة الدنيا والآخرة، وفلاح الدارين، الذي هو أكبر منة امتن الله بها على عباده، توجب عليهم المبادرة إلى قبولها، والاستسلام لله بها، وشكرا لله عليها، أن تكون لمثل هذا زيادة غي إلى غيه، وطغيان إلى طغيانه، وكفر إلى كفره، وذلك بسبب إعراضه عنها، ورده لها، ومعاندته إياها، ومعارضته لها بالشبه الباطلة. ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فلا يتآلفون، ولا يتناصرون، ولا يتفقون على حالة فيها مصلحتهم، بل لم يزالوا متباغضين في قلوبهم، متعادين بأفعالهم، إلى يوم القيامة ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ﴾ ليكيدوا بها الإسلام وأهله، وأبدوا وأعادوا، وأجلبوا بخيلهم ورجلهم ﴿أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ بخذلانهم وتفرق جنودهم، وانتصار المسلمين عليهم.
﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا﴾ أي: يجتهدون ويجدون، ولكن بالفساد في الأرض، بعمل المعاصي، والدعوة إلى دينهم الباطل، والتعويق عن الدخول في الإسلام. ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ بل يبغضهم أشد البغض، وسيجازيهم على ذلك.
(١) في ب: فيده.
(٢) في ب: وهذا أعظم من العقوبات على العبد.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٦ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
مَغْلُولَةٌ
مَحْبُوسَةٌ عَنْ فِعْلِ الْخَيْرِ.

إعراب الآية ٦٤ من سورة المائدة

من كتاب: إعراب القرآن

لما لحقكم من الشرّ، وقيل: أولئك الذين نسيهم الله شرّ من الذين نقموا عليكم، وقيل: أولئك الذين نقموا عليكم شرّ من الذين لعنهم الله.

[سورة المائدة (٥) : آية ٦١]

وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (٦١)
وَقَدْ دَخَلُوا أي بالإبغاض للنبي صلّى الله عليه وسلّم وللمؤمنين وتمنّي هلاكهم وخرجوا منطوين عليه وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ من الكفر.

[سورة المائدة (٥) : آية ٦٤]

وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ اسم لم يسمّ فاعله حذفت الضمة من الياء لثقلها أي غلّت في الآخرة، ويجوز أن يكون دعاءا عليهم، وكذا وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ابتداء وخبر.
قال الأخفش وفي قراءة عبد الله بل يداه بسطان «١». قال الأخفش: يقال: يد بسطة أي منطلقة منبسطة. وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ لام قسم. كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً ظرف أي كلّما جمعوا وأعدّوا.

[سورة المائدة (٥) : آية ٦٥]

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥)
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ «أن» في موضع رفع، وكذا وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ.

[سورة المائدة (٥) : آية ٦٧]

يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧)
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أي كلّ ما أنزل من ربك. وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ شرط وجوابه. فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ «٢» «٣» هذه قراءة أهل المدينة، وقرأ أبو عمرو وأهل الكوفة والكسائي (رسالته) على واحدة والقراءتان حسنتان إلا أن الجمع أبين لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان ينزل عليه الوحي شيئا شيئا ثم يبينه. وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ دلالة على نبوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأن الله جلّ وعزّ خبّر أنه معصوم، وفي هذه الآية دلالة على ردّ قول من قال: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم كتم شيئا من أمر الدين تقيّة، ودلالة على أنه لم يسرّ إلى أحد شيئا من أمر الدين لأن المعنى بلّغ كل ما أنزل إليك ظاهرا ولولا هذا ما كان في قوله جلّ وعزّ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ فائدة.
(١) انظر البحر المحيط ٣/ ٥٣٥، ومعاني الفراء ١/ ٣١٥.
(٢) انظر تيسير الداني ٨٣.
(٣) هذه قراءة نافع وابن عامر وأبي بكر، وقرأ باقي السبعة على التوحيد. انظر البحر المحيط ٣/ ٥٤٠.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٦٤ من سورة المائدة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

أَيْدِيهِمْ

(أيديهُمْ) بضم الهاء وإسكان الميم

رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

(أيديهِمْ) بكسر الهاء وإسكان الميم

إدريس عن خلف هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو إسحاق عن خلف ابن ذكوان عن ابن عامر الدوري عن أبي عمرو شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي ورش عن نافع الدوري عن الكسائي قالون عن نافع

(أيديهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم

ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير قالون عن نافع

وَالْبَغْضَآءَ إِلَى

تحقيق الهمزة الثانية

روح عن يعقوب إدريس عن خلف خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم الدوري عن الكسائي ابن ذكوان عن ابن عامر إسحاق عن خلف هشام عن ابن عامر

تسهيل الهمزة الثانية

السوسي عن أبي عمرو قالون عن نافع ورش عن نافع ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو

يُنفِقُ كَيْفَ

إدغام القاف في الكاف إدغاماً كبيراً

السوسي عن أبي عمرو

إظهار القاف مضمومة

رويس عن يعقوب إسحاق عن خلف ابن جمّاز عن أبي جعفر روح عن يعقوب إدريس عن خلف ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع قالون عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٦٤ من سورة المائدة

٢٠ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٤٥ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٣٦ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- ﴿وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا﴾، قال: الفرقان. يقول: فلا تحزن١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٧٤.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ يعني: ما في القرآن من أمر الرجم والدماء ﴿طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ يعني: وجحودًا بالقرآن١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٩٢.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ﴾ يعني: اليهود والنصارى، شَرٌّ ألقاه عز وجل بينهم ﴿العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ يعني: يُبغِض بعضهم بعضًا، ويَشتم بعضًا ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ فلا يحب اليهودي النصراني، ولا النصراني اليهودي١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٩٠.
٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأَها اللَّهُ﴾ هم اليهود١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٦٠.
٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله﴾، يقول: كلَّما مكَروا مكرًا أطفأه الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦٨ (٦٥٨٥).
٦
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جريج- في قوله: ﴿كلما أوقدوا نارا للحرب﴾، قال: حرب محمد ﷺ١٢
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٣١٢، وأخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٦١، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦٩ (٦٥٨٧) من طريق ابن أبي نجيح. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٣/٢١٣) قول مجاهد، ثم قال معلِّقًا عليه: «فالآية على هذا تبشير لمحمد ﷺ والمؤمنين، وإشارة إلى حاضريه من اليهود».
٧
عن الحسن البصري -من طريق يونس بن عبيد- ﴿كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله﴾، قال: كلما اجتمَعت السَّفِلةُ١ على قتل العرب أذلَّهم الله٢
التخريج
  1. ١السَّفِلَة -بفتح السين وكسر الفاء-: السُّقاط من الناس. النهاية (سفل).
  2. ٢أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦٩ (٦٥٨٩). وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٨
عن الحسن البصري، في قوله: ﴿كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله﴾: كلما أجمعوا أمرهم ليفسدوا أمر محمد ﷺ، وأوقدوا نار المحاربة؛ أطفأها الله، فردَّهم، وقهرهم، ونصر نبيه ودينه١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٣‏/‏٧٧.
٩
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله﴾، قال: أولئك أعداءُ الله اليهود، كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله، فلن تلقى اليهود ببلد إلا وجدتَهم مِن أذلِّ أهله، لقد جاء الإسلام حين جاء وهم تحتَ أيدي المجوس، وهم أبغض خلق الله تقمئةً وتصغيرًا بأعمالهم أعمال السوء١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٦٠، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦٩ (٦٥٩١). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
١٠
قال قتادة بن دِعامة: هذا عامٌّ في كل حرب طلبته اليهود، فلا تلقى اليهود في البلد إلا وجدتهم من أذلِّ الناس، ﴿ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين﴾١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٣‏/‏٧٧.
١١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله﴾، قال: كلَّما أجمعَوا أمرَهم على شيء فرَّقه الله، وأطفَأَ حدَّهم ونارَهم، وقذَف في قلوبهم الرعب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٦١، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦٩ (٦٥٨٨).
١٢
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا* فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا* ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾ [الإسراء:٤-٦]، قال: كان الفساد الأول، فبعث الله عليهم عدوًّا، فاستباحوا الديار، واستنكحوا النساء، واستعبدوا الولدان، وخربوا المسجد، فَغَبَروا١ زمانًا، ثم بعث الله فيهم نبيا، وعاد أمرهم إلى أحسن ما كان. ثم كان الفساد الثاني بقتلهم الأنبياء، حتى قتلوا يحيى بن زكريا، فبعث الله عليهم بختنصر، قتل مَن قتل منهم، وسبى مَن سبى، وخرَّب المسجد، فكان بختنصر للفساد الثاني. قال: والفساد: المعصية. ثم قال: ﴿فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة﴾ إلى قوله: ﴿وإن عدتم عدنا﴾. فبعث الله لهم عزيرًا، وقد كان علم التوراة وحفظها في صدره، وكتبها لهم، فقام بها ذلك القرن، ولبثوا فنسوا، ومات عزير، وكانت أحداث، ونسوا العهد، وبخَّلوا ربهم، وقالوا: ﴿يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾. وقالوا في عزير: إن الله اتخذه ولدًا. وكانوا يعيبون ذلك على النصارى في قولهم في المسيح، فخالفوا ما نهوا عنه، وعملوا بما كانوا يكفرون عليه، فسبق من الله كلمة عند ذلك أنهم لم يظهروا على عدو آخر الدهر، فقال: ﴿كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين﴾. فبعث الله عليهم المجوس الثلاثة أربابًا، فلم يزالوا كذلك والمجوس على رقابهم وهم يقولون: يا ليتنا أدركنا هذا النبي الذي نجده مكتوبًا عندنا، عسى الله أن يفكنا به من المجوس والعذاب الهون، فبعث محمدًا ﷺ، واسمه محمد، واسمه في الإنجيل أحمد، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، قال: ﴿فلعنة الله على الكافرين﴾ [البقرة:٨٩]. وقال: ﴿فباءوا بغضب على غضب﴾ [البقرة:٩٠]٢
التخريج
  1. ١فغَبَروا: أي: بَقَوا ومَكَثوا. النهاية (غبر).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٥٩.
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأَها اللَّهُ﴾ يعني: كلما أجمعوا أمرهم على مكر بمحمد ﷺ في أمر الحرب فرَّقه الله عز وجل، وأطفأ نار مكرهم، فلا يظفرون بشيء أبدًا، ﴿ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسادًا﴾ يعني: يعملون فيها بالمعاصي، ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ يعنى: العاملين بالمعاصي١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٩٠-٤٩١.
١٤
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا﴾ إلى: ﴿والله لا يحب المفسدين﴾، أما قوله ﴿يد الله مغلولة﴾ قالوا: الله بخيل، غير جواد. قال الله: ﴿بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٥٤.
١٥
قال سفيان الثوري: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾، قالوا: لا يُنفِق شيئًا١٢
التخريج
  1. ١تفسير سفيان الثوري ص١٠٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٣/٢١١) في قوله تعالى: ﴿غلت أيديهم﴾ احتمالين: الأول: أن يكون ذلك في الدنيا، ووجّهه بقوله: «وإذا كان خبرًا عن الدنيا فالمعنى: غُلَّت أيديهم عن الخير والإنفاق في سبيل الله ونحوه». الثاني: أن يكون ذلك في الآخرة. ووجّهه بقوله: «وإذا كان خبرًا عن الآخرة فالمعنى: غُلَّت في نار جهنم، أي: حَتَم هذا عليهم ونفذ به القضاء، كما حَتَمت عليهم اللعنة بقولهم هذا، وبما جرى مجراه».
١٦
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد بن سليمان- في قوله: ﴿غلت أيديهم﴾، قال: أُمسِكت عن النفقة والخير١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٥٥، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦٨ (٦٥٧٨).
١٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾، يعني: أُمسِكَت أيديهم عن الخير١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٩٠.
١٨
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قوله: ﴿ولعنوا بما قالوا﴾، قال: قالوا: إنّ الله وضع يده على صدره، فلم يبسطها أبدًا حتى يرُدَّ علينا مُلْكَنا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٥٤، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦٨ (٦٥٧٩).
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٣/٢١١) قول السدي، ثم علَّق عليه قائلًا: «فكأنهم عنوا: أنّ قوَّته تعالى نقصت حتى غُلِبوا على ملكهم، وظاهر مذهب اليهود -لعنهم الله- في هذه المقالة التجسيم، وكذلك يعطي كثير من أقوالهم».
١٩
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ يمينَ الله ملأى، لا يَغيضُها نفقةٌ، سَحّاءُ الليلَ والنهارَ، أرأيتم ما أنفَق منذُ خلَق السماوات والأرض، فإنه لم يَغِضْ ما في يمينِه». قال: «وعرشُه على الماء، وفي يدِه الأُخرى القبضُ، يَرْفَعُ ويَخفِضُ»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٦‏/‏٧٣ (٤٦٨٤)، ٩‏/‏١٢٢-١٢٣ (٧٤١١)، ٩‏/‏١٢٤ (٧٤١٩)، ومسلم ٢‏/‏٦٩٠-٦٩١ (٩٩٣).
٢٠
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق يزيد النحوي - في قوله: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾، قال: يعني: اليدين١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦٨ (٦٥٨٠)، وعثمان بن سعيد في نقضه على المريسي ص١٢٢ (٥٧).
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابن عطية (٣/٢١٢-٢١٣) في معنى اليدين عدة أقوال، ثم رجّح مستندا إلى اللغة والسياق أن معنى قوله:﴿بل يداه مبسوطتان﴾ عبارة عن إنعامه على الجملة، فقال: ""والظاهر أن قوله تعالى:﴿بل يداه مبسوطتان﴾ عبارة عن إنعامه على الجملة، وعبَّر عنه بيدين جريًا على طريقة العرب في قولهم: فلان ينفق بكلتا يديه، ومنه قول الشاعر -وهو الأعشى-:يداك يدا مجد فكف مفيدة وكف إذا ما ضن بالمال تنفقويؤيد أن اليدين هنا بمعنى الإنعام قرينة الإنفاق"". انتهى كلامه. وما قاله باطل، والحق إثبات اليدين لله على ما يليق بجلاله وكماله وعظمته، وهو إجماع السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم. ينظر: الشريعة ٣/١١٤٧-١١٧٧، الإبانة الكبرى ٣/٩١-١١٣، ١٣١، أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٤٥١-٤٨٠.
٢١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿بل يداه مبسوطتان ينفق﴾ بهما ﴿كيف يشاء﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦٨ (٦٥٨١).
٢٢
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿ينفق كيف يشاء﴾، قال: يرزق كيف يشاء١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٥٤، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦٨ (٦٥٨٢).
٢٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ بالخير، ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ إن شاء وسَّع في الرزق، وإن شاء قتَّر، هم خلقه وعبيده في قبضته١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٩٠.
٢٤
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا﴾، قال: حمَلهم حسدُ محمد ﷺ والعرب على أن ترَكوا القرآن، وكفروا بمحمد ﷺ ودينِه، وهم يَجِدونه مكتوبًا عندهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٥٨، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦٨ (٦٥٨٣). وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏٣٧-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٢٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ يعني: اليهود من بني النضير ﴿ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ يعني: أمر الرجم، والدماء، ونعت محمد ﷺ ﴿طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ بالقرآن، يعني: جحودًا به١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٩٠.
٢٦
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾، قال: اليهود والنصارى١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٥٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّه ابنُ جرير (٨/٥٥٨ بتصرف) قول مجاهد، فقال: «فإن قال قائل: وكيف قيل: ﴿وألقينا بينهم العداوة والبغضاء﴾ كناية عن اليهود والنصارى، ولم يجر لليهود والنصارى ذكر؟ قيل: قد جرى لهم ذكر، وذلك قوله: ﴿لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ [المائدة:٥١]، جرى الخبر في بعض الآي عن الفريقين وفي بعض عن أحدهما، إلى أن انتهى إلى قوله: ﴿وألقينا بينهم العداوة والبغضاء﴾. ثم قصد بقوله: ﴿ألقينا بينهم﴾ الخبر عن الفريقين».
٢٧
قال الحسن البصري: ﴿وألقينا بينهم العداوة والبغضاء﴾، يعني: بين اليهود والنصارى١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٣‏/‏٧٧.
٢٨
عن الربيع بن أنس، قال: قالت العلماءُ فيما حفِظوا وعلِموا: إنّه ليس على الأرض قومٌ حكَموا بغير ما أنزل الله إلا ألْقى الله بينهم العداوة والبغضاء. وقال: ذلك في اليهود، حيثُ حكَموا بغير ما أنزل الله: ﴿وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٢٩
عن إبراهيم التيمي -من طريق العوام بن حوشب- قوله: ﴿العداوة والبغضاء﴾، قال: الخصومات، والجدال في الدين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦٨ (٦٥٨٤).
٣٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾، أي: بخيلة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦٧ (٦٥٧٥). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾، قال: لا يعنونَ بذلك أنّ يدَ الله مُوثَقة، ولكن يقولون: إنّه بخيلٌ، أمسَك ما عندَه. تعالى الله عما يقولون عُلوًّا كبيرًا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٥٣-٥٥٤، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦٧ (٦٥٧٦).
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابن عطية (٣/٢١٠) قول ابن عباس ووجّهه، فقال: «وقال ابن عباس وجماعة من المتأولين معنى قولهم التبخيل، وذلك أنهم لحقتهم سَنَةٌ وجهد فقالوا هذه العبارة، يعنون بها أن الله بخل عليهم بالرزق والتوسعة، وهذا المعنى يشبه ما في قوله تعالى: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك﴾ [الإسراء:٢٩] فإنما المراد لا تبخل، ومنه قول النبي ﷺ: «مثل البخيل والمتصدق، الحديث»». وذكر -إضافة إلى ما جاء في أقوال السلف- قولًا عن الحسن أنه قال: «قولهم: يد الله مغلولة إنما يريدون عن عذابهم» ووجّهه بقوله: «فهي على هذا في معنى قولهم:﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ [المائدة:١٨]».
٣٢
عن عكرمة مولى ابن عباس، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦٧ (٦٥٧٦).
٣٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قول الله: ﴿يد الله مغلولة﴾، قال: لقد تَجَهَّدنا١ اللهُ، يا بني إسرائيل، حتى جعل اللهُ يده إلى نحره. وكذبوا٢
التخريج
  1. ١تَجَهَّدنا: أي ألحَّ علينا أن نفعل كذا. اللسان (جهد).
  2. ٢تفسير مجاهد ص٣١٢، وأخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٥٤.
٣٤
قال مجاهد بن جبر، وإسماعيل السُّدِّيّ: هو أنّ اليهود قالوا: إنّ الله لما نزع ملكنا مِنّا وضع يده على صدره، يحمد إلينا، ويقول: يا بني إسرائيل، يا بني أحباري، لا أبسطها حتى أرد عليكم الملك١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤/ ٨٨.
٣٥
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد بن سليمان- في قوله: ﴿مغلولة﴾، يقولون: إنه بخيلٌ، ليس بجواد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٥٥، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٦٨ (٦٥٧٨).
٣٦
قال الحسن البصري: معناه: يد الله مكفوفةٌ عن عذابنا، فليس يعذبنا إلا بما يقربه قيمة قدر ما عبد آباؤنا العجل، وهو سبعة أيام١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٨٨.

آثار متعلقة بالآية

٣ أقوال
١
عن أنس مرفوعًا: «أنّ يحيى بن زكريا سأل ربَّه، فقال: يا ربِّ، اجْعَلْني مِمَّن لا يَقَعُ الناسُ فيه. فأوحى الله إليه: يا يحيى، هذا شيءٌ لم أسْتَخْلِصْه لنفسي، كيف أفْعَلُه بك؟! اقْرَأ في المحكم تَجِدْ فيه: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾ [التوبة:٣٠]. وقالوا: ﴿يد الله مغلولة﴾. وقالوا، وقالوا»١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى الديلمي في مسند الفردوس.
٢
عن وهب بن منبه، قال: قال موسى: يا ربِّ، احبِسْ عني كلامَ الناس. فقال الله عز وجل: لو فعَلتُ هذا بأحدٍ لفعلتُه بي١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو نعيم ٤‏/‏٤٢.
٣
عن جعفر بن محمد، قال: إذا بلغَك عن أخيك شيءٌ يسوءُك فلا تَغْتَمَّ، فإنّه إن كان كما يقول كانت عقوبةً عُجِّلت، وإن كانت على غير ما يقول كانت حسنةً لم تعمَلْها. قال: وقال موسى عليه السلام: يا ربِّ، أسالُك ألّا يَذْكُرَني أحدٌ إلا بخير. قال: ما فعلتُ ذلك لنفسي١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣‏/‏١٩٨.

قراءات

قول واحد
١
عن عبد الله بن مسعود -من طريق الحكم- أنّه قرَأ: (بَلْ يَداهُ بِسْطانِ)١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو عبيد في فضائله ص١٧٠، وابن أبي داود في المصاحف ص٥٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن الأنباري في المصاحف، وابن المنذر. وهي قراءة شاذة. انظر: مختصر ابن خالويه ص٤٠، وهي عنده بلفظ (بُسُطَتانِ).

نزول الآية

٥ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- قال: قال رجلٌ من اليهود -يُقال له: شأسُ بن قيس-: إن ربَّك بخيلٌ لا يُنفِقُ. فأنزل الله: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ١٢‏/‏٦٧ (١٢٤٩٧). قال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏١٧ (١٠٩٧٩): «رجاله ثقات».
٢
عن عبد الله بن عباس: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾ نزَلَت في فِنْحاصَ رأسِ يهود قينقاع١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٣
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق ابن جريج- في قوله: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾ الآية، قال: نزَلَت في فِنْحاصَ اليهودي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٥٥٥ مرسلًا.
٤
قال محمد بن السائب الكلبي: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾ كانوا من أخصب الناس، وأكثرهم خيرًا، فلما عصوا الله، وبدلوا نعمة الله كفرًا؛ كفَّ الله عنهم بعض الذي كان بسط لهم، فعند ذلك قالت اليهود: كفَّ اللهُ يدَه عنّا، فهي مغلولة. أي: لا يبسطها علينا١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏٣٦-.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾ يعني: ابن صوريا، وفنحاص اليهوديين، وعازر بن أبي عازر ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ يعني: ممسكة، أمسك الله يده عنّا، فلا يبسطها علينا بخير، وليس بجواد. وذلك أنّ الله عز وجل بسط عليهم في الرزق، فلمّا عصوا واستحلوا ما حرَّم عليهم أمسك عنهم الرزق، فقالوا عند ذلك: يد الله محبوسة عن البسط. يقول الله عز وجل: ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٩٠.
التفسير بالمأثور لسورة المائدة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٦٤ من سورة المائدة

٢٨ وقفةً في هذه الآية

  • "فاعفوا واصفحوا" عمّن قال الله ثالث ثلاثة.. وعمّن قال يد الله مغلولة.. فكيف بمن قال : لم أقتنع بوجهة نظرك .

    — علي الفيفي

  • الله سبحانه وتعالى تعدى عليه اليهود "يد الله مغلولة" ، "إن الله فقير" تعالى عما يقولون علوا كبيرا فكيف بنا نحن البشر !

    — بدون مصدر

  • حرية التعبير ليس معناها أن يشتم من شاء متى ما شاء كيف ما شاء، وإلا لكان قول اليهود (يد الله مغلولة) مقبولا،لكن الله ﷻ قال (غلت أيديهم ولعنوا)

    — عبدالمحسن المطيري

  • (بل يداه مبسوطتان) فكل من سأل ومد يده لله (لم يرجع مفلسا)

    — عقيل الشمري

  • اﻻستهزاء بسنة النبي ﷺ كفر بواح،فإن كان المستهزئ جاهلا بين له ليتوب،فإن أبى فقد قال الله(وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا).

    — سعود الشريم

  • (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله) لا ينسى موقد النار أنه سيتأذى بحرها ولهبها وشررها

    — عقيل الشمري

  • (بل يداه مبسوطتان) الكريم عادة (ما أخذ منه أفضل مما ترك عنده) والله الأكرم ، فاغرف من الفضائل ما استطعت.

    — عقيل الشمري

  • من في قلبه غل على دين الله لن يدخر جهدا في محاربته وقص أجنحته ما استطاع إليه سبيلا،ونحن حسبنا قول الله(كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله).

    — سعود الشريم

  • "بل يداه مبسوطتان" ونحن صامتون لا ندعو يا للخسارة .

    — عبدالله بلقاسم

  • "وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم" ........كل خاطر يضعف ثقتنا في كرم ربنا وعطائه لنا، خاطر يهودي لعين.

    — عبدالله بلقاسم

  • تتكسر على صخور الوعي الشعبي كؤوس الشهوانيين، وتتحطم مشروعاتهم الخشبية، وتنكشف من جباله قراهم الخربة. "كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله"

    — رقية المحارب

  • ﴿ ...كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله ﴾ اليهود قادة في إشعال الحروب والفتن بين المسلمين.

    — نايف الفيصل

و١٦ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ٦٤ من سورة المائدة

فتوَيانِ تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٦٤ من سورة المائدة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(64) And the Jews say, "The hand of Allāh is chained."[273] Chained are their hands, and cursed are they for what they say. Rather, both His hands are extended; He spends however He wills. And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. And We have cast among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. Every time they kindled the fire of war [against you], Allāh extinguished it. And they strive throughout the land [causing] corruption, and Allāh does not like corrupters.
[273]- Implying inability to give or stinginess.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال