اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قرأ الجمهور :" والصَّابئُونَ " بالواو، وكذلك هو في مصاحِفِ الأمْصَار، وفي رفعه تسعة أوجه :
أحدها : وهو قول جمهورِ أهلِ البصرة : الخليل وسيبويه وأتباعهما أنه مرفوعٌ بالابتداء وخبرُه محذوفٌ ؛ لدلالةِ خبر الأول عليه، والنيةُ به التأخيرُ، والتقديرُ : إنَّ الذينَ آمَنُوا والذينَ هَادُوا مَنْ آمَنَ منهم إلى آخره والصَّابِئُونَ كذلك، ونحوه :" إنَّ زَيْداً وعمرٌو قائمٌ "، [ أي : إنَّ زَيْداً قائِم وعمرٌو قائمٌ ]، فإذا فعَلْنا ذلك، فهل الحذفُ من الأول أي :[ يكونُ ] خبرُ الثاني مثبتاً، والتقديرُ : إنَّ زَيْداً قائِمٌ وعمرٌو قائمٌ، فحذف " قائمٌ " الأول، أو بالعكس ؟ قولان مشهوران، وقد وَرَد كلٌّ منهما ؛ قال :[ المنسرح ]
أي : نحنُ راضُونَ، وعكْسُه قوله :[ الطويل ]
التقدير : وقيارٌ بها كذلِكَ، فإن قيل : لِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ الحذفُ من الأول أيضاً ؟ فالجوابُ : أنه يلزم من ذلك دخولُ اللامِ في خَبَر المبتدأ غيرِ المَنْسُوخِ ب " إنَّ "، وهو قليلٌ لا يقع إلا في ضَرُورة شِعْرٍ، فالآيةُ يجوزُ فيها هذان التقديران على هذا التخْريج، قال الزمخشريُّ(٣) :" والصَّابئُونَ : رفعٌ على الابتداء، وخبرُه محذوفٌ، والنيةُ به التأخير عمَّا في حَيِّز " إنَّ " من اسمها وخبرها ؛ كأنه قيل : إنَّ الذين آمَنُوا والذينَ هَادُوا والنَّصارى حُكْمُهُمْ كَذَلِكَ والصَّابِئُونَ كذلكِ ؛ وأنشد سيبويه شاهداً على ذلك :[ الوافر ]
أي : فاعلموا أنَّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كذلك " ثم قال بعد كلامٍ :" فإنْ قلْتَ : فقوله " والصَّابئُونَ " معطوفٌ لا بدَّ له من معطوفٍ عليه، فما هو ؟ قلت : هو مع خبره المحذوفِ جملةٌ معطوفة على جملة قوله :﴿إنَّ الذِين آمَنُوا﴾ إلى آخره، ولا محلَّ لها ؛ كما لا محلَّ للتي عطفتْ عليها، فإن قلتَ : فالتقديمُ والتأخيرُ لا يكون إلا لفائدةً، فما هي ؟ قلتُ : فائدتُه التنبيهُ على أن الصابئين يُتابُ عليهم، إنْ صحَّ منهم الإيمانُ والعملُ الصالحُ، فما الظنُّ بغيرهم ؟ وذلك أنَّ الصابئين أبينُ هؤلاءِ المعدُودِينَ ضَلاَلاً وأشدُّهم عِتِيًّا، وما سُمُّوا صابئين إلا أنهم صَبَئُوا عن الأديان كلِّها، أي : خَرَجُوا ؛ كما أن الشاعر قدَّمَ قوله :" وأنْتُمْ " ؛ تنبيهاً على أن المخاطبينَ أوغلُ في الوصْفِ بالبغْيِ من قومِه، حيثُ عاجلَ به قبل الخبر الذي هو " بُغاةٌ " ؛ لئلا يدخُلَ قومُه في البغيِ قبلهم مع كونهم أوغلَ فيه منهم وأثبتَ قدماً، فإن قُلْتَ : فلو قيل :" والصَّابئينَ وإيَّاكُمْ "، لكان التقديمُ حاصلاً، قلت : لو قيل هكذا لم يَكُنْ من التقديم في شيء ؛ لأنه لا إزالةَ فيه عن موضعه، وإنما يُقال مقدَّمٌ ومؤخَّرٌ للمُزَالِ لا للقارِّ في مكانه، وتجْرِي هذه الجملة مَجْرَى الاعتراض ".
الوجه الثاني : أنَّ " إنَّ " بمعنى " نَعَمْ " فهي حرفُ جوابٍ، ولا محلَّ لها حينئذ، وعلى هذا فما بعدها مرفوعُ المحلِّ على الابتداء، وما بعده معطوفٌ عليه بالرفعِ، وخبرُ الجميعِ قوله :" مَنْ آمَنَ " إلى آخره، وكونُها بمعنى " نَعَمْ " قولٌ مرجوحٌ، قال به بعضُ النحْويِّين، وجعل من ذلك قوله تعالى :﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] في قراءةِ(٥) من قرأهُ بالألف، وفي الآية كلامٌ طويلٌ يأتي - إنْ شاء الله تعالى - في موضعه، وجعل منه أيضاً قول عبد الله بْنِ الزُّبَيْر :" إنَّ وصاحبهَا " جواباً لمنْ قال له :" لَعَنَ الله ناقَةً حَمَلَتْنِي إلَيْكَ "، أي : نَعَمْ وصاحِبهَا، وجعل منه قول الآخر :[ الكامل ]
أي : نَعَمْ، والهاءُ للسكْتِ، وأجيبَ : بأنَّ الاسم والخبر محذوفان في قول ابن الزُّبَيْرِ، وبقي المعطوفُ على الاسمِ دليلاً عليه، والتقديرُ : إنَّها وصاحِبُهَا ملعونَانِ، وتقدير البيتِ : إنَّهُ كذلِكَ، وعلى تقدير أَنْ تكون بمعنى " نَعَمْ "، فلا يَصِحُّ هنا جعلُهَا بمعناها ؛ لأنها لم يتقدَّمْها شيءٌ تكونُ جواباً له، و " نَعَمْ " لا تقعُ ابتداءَ كلامٍ، إنما تقع جواباً لسؤالٍ، فتكونُ تصديقاً له، ولقائل أن يقول : يجوزُ أن يكُونَ ثَمَّ سُؤالٌ مقدَّرٌ، وقد ذَكرُوا ذلك في مواضِعَ كثيرةٍ منها قوله تعالى :﴿لاَ أُقْسِمُ﴾ [القيامة: ١] ﴿لاَ جَرَمَ﴾ [هود: ٢٢]، قالوا : يُحتملُ أن يكونَ ردًّا لقائلِ كَيْتَ وكَيْتَ.
الوجه الثالث : أن يكون معطوفاً على الضَّميرِ المستكنِّ في " هَادُوا " أي : هَادُوا هم والصَّابئُونَ، وهذا قول الكسائيِّ، ورَدَّه تلميذُهُ الفرَّاء(٧) والزَّجَّاج(٨). قال الزَّجَّاج :" هو خطأٌ من جهتَيْن " :
إحداهما : أن الصابئ في هذا القولِ يشاركُ اليهوديَّ في اليهوديَّة، وليس كذلك، فإن الصابئ هو غيرُ اليهوديِّ، وإن جُعِلَ " هَادُوا " بمعنى " تَابُوا " من قوله تعالى :﴿إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] لا من اليهوديَّة، ويكون المعنى : تابوا هم والصابئون، فالتفسيرُ قد جاء بغير ذلك ؛ لأنَّ معنى " الَّذِينَ آمَنُوا " في هذه الآية ؛ إنما هو إيمانٌ بأفواهِهِم ؛ لأنه يريد به المنافقين ؛ لأنه وصفُ الذين آمَنُوا بأفواههمْ ولم تؤمِنْ قلوبُهُمْ، ثم ذكر اليهودَ والنصارى، فقال : مَنْ آمَنَ منهُمْ بالله، فله كذا، فجعَلَهُمْ يهوداً ونصارى، فلو كانوا مؤمنين، لم يحتجْ أنْ يقال :" مَنْ آمَنَ، فَلَهُمْ أجْرُهُمْ "، وأُجِيبَ بأن هذا على أحدِ القولينِ، أعني : أنَّ " الَّذِينَ آمَنُوا " مؤمنُونَ نفاقاً، ورَدَّه أبو البقاء(٩) ومكي(١٠) بن أبي طالبٍ بوجهٍ آخر، وهو عدمُ تأكيدِ الضمير المعْطُوفِ عليه، قال شهاب الدين : هذا لا يلزمُ الكسائيَّ ؛ لأنَّ مذهبه عدمُ اشتراطِ ذلك، وإن كان الصحيحُ الاشتراطَ، نعم، يلزم الكسائيَّ من حيث إنه قال بقولٍ تردُّه الدلائلُ الصحيحةُ، والله أعلم، وهذا القولُ قد نقله مكيٌّ عن الفرَّاء، كما نقله غيره عن الكسائيِّ، وردَّ عليه بما تقدَّمَ، فيحتملُ أن يكونَ الفرَّاء كان يوافق الكسائيَّ، ثم رجَع، ويحتمل أن يكون مخالفاً له، ثم رجع إليه، وعلى الجُمْلةِ، فيجوز أن يكونَ له في المَسْألة قولان.
الوجه الرابع : أنه مرفوعٌ نسقاً على محلِّ اسم " إنَّ " ؛ لأنه قبل دخولها مرفوعٌ بالابتداء، فلمَّا دخلَتْ عليه، لم تُغَيِّر معناه، بل أكدَتْهُ، غايةُ ما في الباب : أنها عَمِلَتْ فيه لفظاً، ولذلك اختصَّتْ هي و " أنَّ " بالفتح، ولكن على رأي بذلك، دون سائر أخواتها ؛ لبقاء معنى الابتداء فيها، بخلاف " لَيْتَ ولعلَّ وكَأنَّ "، فإنه خرج إلى التمنِّي والتَّرَجِّي والتشبيه، وأجرى الفراء(١١) الباب مُجْرًى واحداً، فأجاز ذلك في لَيْتَ ولعلَّ، وأنشد :[ الرجز ]
فأتى ب " أنْتِ "، وهو ضميرُ رفع نسقاً على الياء في " لَيْتَنِي "، وهل يَجْري غيرُ العطْفِ من التوابع مَجْرَاهُ في ذلك ؟ فذهَبَ الفرَّاء ويونُسُ إلى جوازِ ذلك، وجعلا منه قوله تعالى :﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [سبأ: ٤٨] فرفعُ " علاَّم " عندهما على النعْتِ ل " رَبِّي " على المحلِّ، وحكوا " إنَّهُمْ أجْمَعُونَ ذَاهِبُونَ "، وغلَّط سيبويه(١٣) مَنْ قال من العرب :" إنَّهُمْ أجْمَعُونَ ذَاهِبُونَ "، فقال :" واعلمْ أنَّ قوماً من العرب يَغْلطُونَ فيقولونَ : إنَّهُمْ أجْمَعُونَ ذَاهِبُونَ "، وأخذ الناس عليه في ذلك من حيْثُ إنه غَلَّط أهْلَ اللسان، وهم الواضعُون أو المتلقُّون من الواضعِ، وأجيبَ بأنهم بالنسبة إلى عامَّة العرب غالطُونَ، وفي الجملة : فالناسُ قد رَدُّوا هذا المَذهبَ، أعني : جواز الرفع عطفاً على محلِّ اسم " إنَّ " مطلقاً، أعني قبل الخبر وبعده، خَفِيَ إعرابُ الاسم أو ظهر، ونقل بعضهم الإجماع على جوازِ الرفْعِ على المحلِّ بعد الخبر، وليس بَشْيء، وفي الجملة : ففي المسألةِ أربعةُ مذاهبَ : مذهبُ المحقِّقين : المنعُ مطلقاً، ومذهبُ بعضهم : التفصيلُ قبل الخَبَر ؛ فيمتنعُ، وبعده ؛ فيجوز، ومذهب الفراء(١٤) : إنْ خَفِيَ إعرابُ الاسمِ، جاز ذلك ؛ لزوال الكراهية اللفظية، وحُكِيَ من كلامهم :" إنَّكَ وَزَيْد ذَاهِبَانِ "، الرابع : مذهب الكسائيِّ : وهو الجوازُ مطلقاً ؛ ويستدلُّ بظاهر قوله تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ﴾ الآية، وبقول ضَابِئٍ البُرْجُمِيِّ :[ الطويل ]
وبقوله :[ البسيط ]
وبقوله :[ الوافر ]
وبقوله :[ الرجز ]
يَا لَيْتَنِي وأنْتِ يَا لَمِيسُ(١٨) ***. . .
وبقولهم :" إنَّكَ وَزَيْدٌ ذَاهِبَانِ "، وكلُّ هذه تَصْلُحُ أن تكونَ دليلاً للكسائيِّ والفراء معاً، وينبغي أن يُوردَ الكسائيُّ دليلاً على جوازِ ذلك مع ظهور إعراب الاسم ؛ نحو :" إنَّ زَيْداً وعَمْرو قائِمَانِ "، وردَّ الزمخشريُّ الرفع على المحلِّ ؛ فقال :" فإنْ قلتَ : هلاَّ زَعَمْتَ أن ارتفاعه للعطْفِ على محَلِّ " إنَّ " واسمها، قلتُ : لا يَصِحُّ ذلك قبل الفراغ من الخَبَرِ، لا تقول :" إنَّ زَيْداً وعمرٌو مُنْطَلِقَانِ "، فإنْ قلتَ : لِمَ لا يَصِحُّ والنيةُ به التأخيرُ، وكأنك قلتَ : إنَّ زَيْداً مُنْطلقٌ وعمرٌو ؟ قلتُ : لأني إذا رفعته رفعتُه على محلِّ " إنَّ " واسمها، والعاملُ في محلِّهما هو الابتداء، فيجب أن يكون هو العاملَ في الخَبَرِ ؛ لأنَّ الابتداء ينتظم الجزأيْنِ في عمله، كما تنتظِمُها " إنَّ " في عملها، فلو رَفَعْتَ " الصَّابِئُونَ " المنويَّ به التأخيرُ بالابتداء، وقد رفعت الخبر ب " إنَّ "، لأعْمَلْتَ فيهما رافعيْن مختلفين "، وهو واضحٌ فيما رَدَّ به، إلاَّ أنه يُفْهِمُ كلامُه أنه يُجيزُ ذلك بعد استكمال الخَبَر، وقد تقدَّم أنَّ بعضهم نقل الاجماع على جوازه.
وضعَّف ابنُ الخطيب(١٩) ما قاله الزَّمَخْشَرِيُّ، قال : هذا الكلام ضَعِيفٌ وبَيَانُه من وجوه :
الأوَّل : أنَّ هذه الأشْيَاء التي يُسَمِّيها النَّحْويُّونَ : رَافِعَةً وناصبةً، ليس معناهُ أنَّهَا كذلك لذَوَاتها ولأعْيَانِها، فإنَّ هذا لا يقوله عاقل، بل المراد أنَّهُمَا مُعَرَّفانِ بحسَبِ الوضْعِ والاصْطِلاَح لهذه الح
أحدها : وهو قول جمهورِ أهلِ البصرة : الخليل وسيبويه وأتباعهما أنه مرفوعٌ بالابتداء وخبرُه محذوفٌ ؛ لدلالةِ خبر الأول عليه، والنيةُ به التأخيرُ، والتقديرُ : إنَّ الذينَ آمَنُوا والذينَ هَادُوا مَنْ آمَنَ منهم إلى آخره والصَّابِئُونَ كذلك، ونحوه :" إنَّ زَيْداً وعمرٌو قائمٌ "، [ أي : إنَّ زَيْداً قائِم وعمرٌو قائمٌ ]، فإذا فعَلْنا ذلك، فهل الحذفُ من الأول أي :[ يكونُ ] خبرُ الثاني مثبتاً، والتقديرُ : إنَّ زَيْداً قائِمٌ وعمرٌو قائمٌ، فحذف " قائمٌ " الأول، أو بالعكس ؟ قولان مشهوران، وقد وَرَد كلٌّ منهما ؛ قال :[ المنسرح ]
| نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأنْتَ بِمَا | عِنْدَكَ رَاضٍ والرَّأيُ مُخْتَلِفُ(١) |
| فَمَنْ يَكُ أمْسَى بالمدِينَةِ رَحْلُهُ | فَإنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ(٢) |
| وَإلاَّ فاعْلَمُوا أنَّا وأنْتُمْ | بُغَاةٌ مَا بَقِينَا في شِقَاقِ(٤) |
الوجه الثاني : أنَّ " إنَّ " بمعنى " نَعَمْ " فهي حرفُ جوابٍ، ولا محلَّ لها حينئذ، وعلى هذا فما بعدها مرفوعُ المحلِّ على الابتداء، وما بعده معطوفٌ عليه بالرفعِ، وخبرُ الجميعِ قوله :" مَنْ آمَنَ " إلى آخره، وكونُها بمعنى " نَعَمْ " قولٌ مرجوحٌ، قال به بعضُ النحْويِّين، وجعل من ذلك قوله تعالى :﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] في قراءةِ(٥) من قرأهُ بالألف، وفي الآية كلامٌ طويلٌ يأتي - إنْ شاء الله تعالى - في موضعه، وجعل منه أيضاً قول عبد الله بْنِ الزُّبَيْر :" إنَّ وصاحبهَا " جواباً لمنْ قال له :" لَعَنَ الله ناقَةً حَمَلَتْنِي إلَيْكَ "، أي : نَعَمْ وصاحِبهَا، وجعل منه قول الآخر :[ الكامل ]
| بَرَزَ الغَوَانِي فِي الشَّبَا | بِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ |
| ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلاَ | كَ وَقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ(٦) |
الوجه الثالث : أن يكون معطوفاً على الضَّميرِ المستكنِّ في " هَادُوا " أي : هَادُوا هم والصَّابئُونَ، وهذا قول الكسائيِّ، ورَدَّه تلميذُهُ الفرَّاء(٧) والزَّجَّاج(٨). قال الزَّجَّاج :" هو خطأٌ من جهتَيْن " :
إحداهما : أن الصابئ في هذا القولِ يشاركُ اليهوديَّ في اليهوديَّة، وليس كذلك، فإن الصابئ هو غيرُ اليهوديِّ، وإن جُعِلَ " هَادُوا " بمعنى " تَابُوا " من قوله تعالى :﴿إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] لا من اليهوديَّة، ويكون المعنى : تابوا هم والصابئون، فالتفسيرُ قد جاء بغير ذلك ؛ لأنَّ معنى " الَّذِينَ آمَنُوا " في هذه الآية ؛ إنما هو إيمانٌ بأفواهِهِم ؛ لأنه يريد به المنافقين ؛ لأنه وصفُ الذين آمَنُوا بأفواههمْ ولم تؤمِنْ قلوبُهُمْ، ثم ذكر اليهودَ والنصارى، فقال : مَنْ آمَنَ منهُمْ بالله، فله كذا، فجعَلَهُمْ يهوداً ونصارى، فلو كانوا مؤمنين، لم يحتجْ أنْ يقال :" مَنْ آمَنَ، فَلَهُمْ أجْرُهُمْ "، وأُجِيبَ بأن هذا على أحدِ القولينِ، أعني : أنَّ " الَّذِينَ آمَنُوا " مؤمنُونَ نفاقاً، ورَدَّه أبو البقاء(٩) ومكي(١٠) بن أبي طالبٍ بوجهٍ آخر، وهو عدمُ تأكيدِ الضمير المعْطُوفِ عليه، قال شهاب الدين : هذا لا يلزمُ الكسائيَّ ؛ لأنَّ مذهبه عدمُ اشتراطِ ذلك، وإن كان الصحيحُ الاشتراطَ، نعم، يلزم الكسائيَّ من حيث إنه قال بقولٍ تردُّه الدلائلُ الصحيحةُ، والله أعلم، وهذا القولُ قد نقله مكيٌّ عن الفرَّاء، كما نقله غيره عن الكسائيِّ، وردَّ عليه بما تقدَّمَ، فيحتملُ أن يكونَ الفرَّاء كان يوافق الكسائيَّ، ثم رجَع، ويحتمل أن يكون مخالفاً له، ثم رجع إليه، وعلى الجُمْلةِ، فيجوز أن يكونَ له في المَسْألة قولان.
الوجه الرابع : أنه مرفوعٌ نسقاً على محلِّ اسم " إنَّ " ؛ لأنه قبل دخولها مرفوعٌ بالابتداء، فلمَّا دخلَتْ عليه، لم تُغَيِّر معناه، بل أكدَتْهُ، غايةُ ما في الباب : أنها عَمِلَتْ فيه لفظاً، ولذلك اختصَّتْ هي و " أنَّ " بالفتح، ولكن على رأي بذلك، دون سائر أخواتها ؛ لبقاء معنى الابتداء فيها، بخلاف " لَيْتَ ولعلَّ وكَأنَّ "، فإنه خرج إلى التمنِّي والتَّرَجِّي والتشبيه، وأجرى الفراء(١١) الباب مُجْرًى واحداً، فأجاز ذلك في لَيْتَ ولعلَّ، وأنشد :[ الرجز ]
| يَا لَيْتَنِي وأنْتِ يَا لَمِيسُ | فِي بَلَدٍ لَيْسَ بِهَا أنِيسُ(١٢) |
| فَمَنْ يَكُ أمْسَى بالمَدينةِ رَحْلُهُ | فَإنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ(١٥) |
| يَا لَيْتَنَا وَهُمَا نَخْلُو بِمَنْزِلَةٍ | حَتَّى يَرَى بعْضُنَا بَعْضاً وَنَأتَلِفُ(١٦) |
| وَإلاَّ فاعْلَمُوا أنَّا وأنْتُمْ | . . . (١٧) |
يَا لَيْتَنِي وأنْتِ يَا لَمِيسُ(١٨) ***. . .
وبقولهم :" إنَّكَ وَزَيْدٌ ذَاهِبَانِ "، وكلُّ هذه تَصْلُحُ أن تكونَ دليلاً للكسائيِّ والفراء معاً، وينبغي أن يُوردَ الكسائيُّ دليلاً على جوازِ ذلك مع ظهور إعراب الاسم ؛ نحو :" إنَّ زَيْداً وعَمْرو قائِمَانِ "، وردَّ الزمخشريُّ الرفع على المحلِّ ؛ فقال :" فإنْ قلتَ : هلاَّ زَعَمْتَ أن ارتفاعه للعطْفِ على محَلِّ " إنَّ " واسمها، قلتُ : لا يَصِحُّ ذلك قبل الفراغ من الخَبَرِ، لا تقول :" إنَّ زَيْداً وعمرٌو مُنْطَلِقَانِ "، فإنْ قلتَ : لِمَ لا يَصِحُّ والنيةُ به التأخيرُ، وكأنك قلتَ : إنَّ زَيْداً مُنْطلقٌ وعمرٌو ؟ قلتُ : لأني إذا رفعته رفعتُه على محلِّ " إنَّ " واسمها، والعاملُ في محلِّهما هو الابتداء، فيجب أن يكون هو العاملَ في الخَبَرِ ؛ لأنَّ الابتداء ينتظم الجزأيْنِ في عمله، كما تنتظِمُها " إنَّ " في عملها، فلو رَفَعْتَ " الصَّابِئُونَ " المنويَّ به التأخيرُ بالابتداء، وقد رفعت الخبر ب " إنَّ "، لأعْمَلْتَ فيهما رافعيْن مختلفين "، وهو واضحٌ فيما رَدَّ به، إلاَّ أنه يُفْهِمُ كلامُه أنه يُجيزُ ذلك بعد استكمال الخَبَر، وقد تقدَّم أنَّ بعضهم نقل الاجماع على جوازه.
وضعَّف ابنُ الخطيب(١٩) ما قاله الزَّمَخْشَرِيُّ، قال : هذا الكلام ضَعِيفٌ وبَيَانُه من وجوه :
الأوَّل : أنَّ هذه الأشْيَاء التي يُسَمِّيها النَّحْويُّونَ : رَافِعَةً وناصبةً، ليس معناهُ أنَّهَا كذلك لذَوَاتها ولأعْيَانِها، فإنَّ هذا لا يقوله عاقل، بل المراد أنَّهُمَا مُعَرَّفانِ بحسَبِ الوضْعِ والاصْطِلاَح لهذه الح
١ تقدم..
٢ تقدم..
٣ ينظر: الكشاف ١/٦٦٠..
٤ تقدم..
٥ ستأتي في "طه" آية ٦٣..
٦ البيتان لعبيد الله بن قيس الرقيات ينظر: ديوانه ص ٦٦، شرح أبيات سيبويه ٢/٣٧٥، شرح المغني ١/١٢٦، لسان العرب "أنن"، الأزهية ص ٢٥٨، الأغاني ٤/٢٩٦، خزانة الأدب ١١/٢١٦، ٢١٧، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٦١، سمط اللآلي من ٩٣٩، الكتاب ٣/١٥١ اللمع ص ١٢٦، شرح المفصل ٣/١٣٠، ٨/٦، ٧٨، ١٢٥ الدر المصون ٢/٥٧٣..
٧ ينظر: معاني القرآن للفراء ١/٣١٢..
٨ ينظر: معاني القرآن للزجاج ٢/٢١٣..
٩ ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٢٢٢..
١٠ ينظر: المشكل ١/٢٣٧..
١١ ينظر: معاني القرآن للفراء ١/٣١١، ٢/٣٦٤..
١٢ البيت لجران العود. ينظر: ديوانه (٥٢)، الهمع ٢/١٤٤، العين ٢/٣٢١، الدرر ٢/٢٠٢، الدر المصون ٢/٥٧٤..
١٣ ينظر: الكتاب لسيبويه ١/٢٩٠..
١٤ ينظر: معاني القرآن للفراء ١/٣١١..
١٥ تقدم..
١٦ ينظر: معاني القرآن للفراء ١/٣١١، الدر المصون ٢/٥٧٤..
١٧ تقدم..
١٨ تقدم..
١٩ ينظر: تفسير الفخر الرازي ١٢/٤٥..
٢ تقدم..
٣ ينظر: الكشاف ١/٦٦٠..
٤ تقدم..
٥ ستأتي في "طه" آية ٦٣..
٦ البيتان لعبيد الله بن قيس الرقيات ينظر: ديوانه ص ٦٦، شرح أبيات سيبويه ٢/٣٧٥، شرح المغني ١/١٢٦، لسان العرب "أنن"، الأزهية ص ٢٥٨، الأغاني ٤/٢٩٦، خزانة الأدب ١١/٢١٦، ٢١٧، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٦١، سمط اللآلي من ٩٣٩، الكتاب ٣/١٥١ اللمع ص ١٢٦، شرح المفصل ٣/١٣٠، ٨/٦، ٧٨، ١٢٥ الدر المصون ٢/٥٧٣..
٧ ينظر: معاني القرآن للفراء ١/٣١٢..
٨ ينظر: معاني القرآن للزجاج ٢/٢١٣..
٩ ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٢٢٢..
١٠ ينظر: المشكل ١/٢٣٧..
١١ ينظر: معاني القرآن للفراء ١/٣١١، ٢/٣٦٤..
١٢ البيت لجران العود. ينظر: ديوانه (٥٢)، الهمع ٢/١٤٤، العين ٢/٣٢١، الدرر ٢/٢٠٢، الدر المصون ٢/٥٧٤..
١٣ ينظر: الكتاب لسيبويه ١/٢٩٠..
١٤ ينظر: معاني القرآن للفراء ١/٣١١..
١٥ تقدم..
١٦ ينظر: معاني القرآن للفراء ١/٣١١، الدر المصون ٢/٥٧٤..
١٧ تقدم..
١٨ تقدم..
١٩ ينظر: تفسير الفخر الرازي ١٢/٤٥..