البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ثم رغب أهل الملل في الإسلام، فقال :
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
قلت :﴿والصابئون﴾ : مبتدأ، والخبر محذوف، أي : إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون كذلك. انظر البيضاوي وابن هشام.
يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿إن الذين آمنوا﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿والذين هادوا والصابئون﴾ : قوم بين النصارى والمجوس، أو عباد الكواكب، أو قوم بقوا على دين نوح عليه السلام ﴿والنصارى﴾ : قوم عيسى، ﴿من آمن﴾ منه ﴿بالله﴾ إيمانًا حقيقيًا ؛ بلا شرك ولا تفريق، وآمن باليوم الآخر، ﴿وعمل صالحًا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾، قال ابن عباس : نسخها :﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عِمرَان: ٨٥]، وقيل : إن هؤلاء الطوائف من آمن منهم إيمانًا صحيحًا فله أجره، فيكون في حق المؤمنين : الثبات عليه إلى الموت، وفي حق غيرهم : الدخول في الإسلام، فلا نسخ. وقيل : إنها فيمن كان قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم فلا نسخ أيضًا. قاله ابن جزي.
الإشارة : الذي طلب الله من العباد ورغبهم في تحصيله، وجعله سببًا للنجاة من كل هول في الدنيا والآخرة ثلاثة أمور : أحدها : تحقيق الإيمان بالله، والترقي فيه إلى محل شهود المعبود، والثاني : تحقيق الإيمان بالبعث وما بعده، حتى يكون نصب عينيه، ويقربه كأنه واقع يشاهده ؛ إذ كل آت قريب. والثالث : إتقان العمل إظهارًا للعبودية، وتعظيمًا لكمال الربوبية، على قدر الاستطاعة من غير تفريط ولا إفراط، وبالله التوفيق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى