غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿هل تنقمون﴾ وبابه مدغماً : حمزة وعلي وهشام ﴿وعبد الطاعوت﴾ بضم الباء ونصب الدال وجر الطاغوت : حمزة. الباقون بنصب الطاغوت على أن. ﴿عبد﴾ فعل ماض عطفاً على صلة من كأنه قيل : ومن عبد الطاغوت. ﴿مبصوطتان﴾ بالصاد مثل ﴿وزاده بصطة﴾[البقرة: ٢٤٧] وقد مر في البقرة. ﴿رسالته﴾ أبو عمرو وابن كثير وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقون ﴿رسالاته﴾.
الوقوف :﴿من قبل﴾ لا لعطف ﴿وأن أكثركم﴾ على ﴿أن آمنا﴾. ﴿فاسقون﴾ ه ﴿عند الله﴾ ط لتناهي الاستفهام والتقدير هو ﴿من لعنه الله﴾ ط ومن جعل محله جراً على البدل من ﴿شر﴾ لم يقف. ﴿الطاغوت﴾ ط ﴿السبيل﴾ ط ﴿خرجوا به﴾ ط ﴿يكتمون﴾ ه ﴿السحت﴾ ط ﴿يعملون﴾ ه ﴿السحت﴾ ط ﴿يصنعون﴾ ه ﴿مغلولة﴾ ط وقيل : لا وقف ليتصل قوله :﴿غلت﴾ وهو جزاء قولهم ﴿يد الله مغلولة﴾. ﴿بما قالوا﴾ م لئلا يوهم أن قوله :﴿بل يداه مبسوطتان﴾ مفعول ﴿قالوا﴾. ﴿مبسوطتان﴾ ط لأن قوله :﴿ينفق﴾ من مقصود الكلام فلا يستأنف. ﴿كيف يشاء﴾ ط ﴿وكفراً﴾ ط ﴿يوم القيامة﴾ ط ﴿أطفأها الله﴾ لا قال السجاوندي : لأن الواو للحال أي وهم يسعون وفيه نظر. ﴿فساداً﴾ ط ﴿المفسدين﴾ ه ﴿النعيم﴾ ه ﴿أرجلهم﴾ ط ﴿مقتصدة﴾ ط ﴿يعملون﴾ ه ﴿من ربك﴾ ط ﴿رسالته﴾ ط ﴿من الناس﴾ ط ﴿الكافرين﴾ ه ﴿من ربكم﴾ ط ﴿وكفراً﴾ ج لاختلاف النظم مع فاء التعقيب. ﴿الكافرين﴾ ه ﴿يحزنون﴾ ه.
ثم لما بين أن أهل الكتاب ليسوا على شيء ما لم يؤمنوا بيَّن أن هذا الحكم عام في الكل وأنه لا يحصل لأحد منقبة ولا سعادة إلاّ إذا آمن وعمل صالحاً، وذلك أن كمال القوة النظرية لا يحصل إلاّ بمعرفة المبدأ والمعاد - أعني الإيمان بالله واليوم الآخر - وكمال القوة العملية إنما يحصل بتعظيم المعبود والشفقة على المخلوق - أعني العمل الصالح - وغاية هذا الكمال الخلاص من الخوف مما يستقبل ومن الحزن على ما مضى من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أموراً أعظم وأشرف. وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة البقرة إلاّ أنه بقي ههنا بحث لفظيّ وهو أن قوله :﴿والصابئون﴾ عطف على ماذا ؟ فقال الكوفيون : إنه معطوف على محل ﴿الذين﴾ لأن اسم " إن " إذا كان مبنياً جاز العطف على محله، وإن كان قبل ذكر الخبر فيجوز : إنك وزيد ذاهبان. وإن لم يجز إن زيداً وعمرو قائمان. وذهب البصريون إلى عدم جواز ذلك مطلقاً لأنه يؤدي إلى إعمال " إنّ " وإعمال معنى الابتداء معاً في " قائمان " فيجتمع على المرفوع الواحد رافعان مختلفان وإنه محال. فإذن ﴿الصابئون﴾ مرفوع بالابتداء على نية التأخير كأنه قيل : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك، فتكون هذه جملة معطوفة على جملة قوله :﴿إن الذين آمنوا﴾ إلى آخره ولا محل لها كما لا محل للتي عطفت عليها، وفائدة هذا التقديم التنبيه على أن التوبة مقبولة ألبتة، وذلك أن الصابئين بين هؤلاء المعدودين ضلال لأنهم صبؤا عن الأديان كلها أي خرجوا فكأنه قال : كل هؤلاء الفرق إذا أتوا بالإيمان والعمل الصالح قبلت توبتهم حتى الصابئون ولو قيل : والصابئين لم يكن من التقديم في شيء لأنه ثابت في مركزه الأصلي وإنما تطلب فائدة التقديم للمزال عن موضعه والراجع إلى اسم " إن " محذوف والتقدير من آمن منهم كما في البقرة والله أعلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : شر الفريقين من جعله الله مستعداً لقبول فيض القهر من اللعن والغضب، وجعل صفة الفردية والخنزيرية أعني الحيلة والحرص والشهوة من بعض خصائصهم.
﴿أولئك شر مكاناً﴾ من القردة والخنازير لأن القردة والخنازير لا استعداد لهم وهؤلاء قد أبطلوا استعدادهم الفطري ومثله :﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل﴾[الأعراف: ١٧٩] ولهذا دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به. الربانيون مشايخ الطريقة والأحبار علماء الشريعة. ﴿غلت أيديهم﴾ كانت أيديهم من إصابة الخير مغلولة ومشامهم عن تنسم روائح الصدق مزكومة فلهذا قالوا :﴿يد الله مغلولة﴾ وكل إناء يرشح بما فيه. ولكن الذي أدركته العناية الأزلية وسلبت عنه صفات الظلومية والجهولية ﷺ قال :" يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ينفق كيف يشاء " بيدي اللطف والقهر على المؤمنين من الهداية والإحسان، وعلى الكافرين من الغواية والخذلان. ﴿وألقينا بينهم العداوة﴾ فلا يوجد أحد إلاّ وبينه وبين صاحبه بغض إلى أن يتوارثوا بطناً بعد بطن. ولو أن أهل العلوم الظاهرة آمنوا بالعلوم الباطنة واتقوا الإنكار والاعتراض، ولو أنهم عملوا بمتفقات الكتب المنزلة ومستحسناتها ﴿لأكلوا من فوقهم﴾ ورزقوا من الواردات الروحانية ﴿ومن تحت أرجلهم﴾ إلى أعلى مقاماتهم. من العلماء الظاهريين أمة مقتصدة إن لم تكن سابقة بالخيرات، والمقتصد هو العالم المتقي والمريد الصادق دون السابق وهو الواصل الكامل العالم الرباني. ﴿بلغ ما أنزل إليك﴾ يندرج تحته الوحي والإلهامات والمنامات والوقائع والواردات والمشاهدات والكشوف والأنوار والأسرار والأخلاق والمواهب والحقائق ومعاني النبوّة والرسالة. فالرسول إن لم يبلغ بعض هذه الحقائق إلى العباد لم يمكنهم الوصول إلى الله فلا يحصل مقصود ما أرسل به فلم يبلغ رسالته إلاّ أن للتبليغ مراتب كما أنزل إليه. فتبليغ بالعبارة وتبليغ بالإشارة وتبليغ بالتأديب وتبليغ بالتعليم وتبليغ بالتزكية وتبليغ بالتحلية وتبليغ بالهمة وتبليغ بجذبات الولاية وتبليغ بقوة النبوة والرسالة وتبليغ بالشفاعة. وللخلق أيضاً مراتب في قبول الدعوة بحسب الاستعدادات المختلفة ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها﴾[الرعد: ١٧] ﴿والله يعصمك﴾ بأوصاف لاهوتيته عن أوصاف ناسوتيتك لتتصرف في الخلق بقوة اللاهوتية فتوصلهم إلى الله ولا يتصرفون فيك فيقطعوك عن الله. يا أرباب العلوم الظاهرة لستم على شيء من حقيقة الدين حتى تزينوا ظاهركم وباطنكم بالأعمال والأحوال الواردة في الكتب الإلهية وذلك بمقدمتين وأربع نتائج. فالمقدمتان : الجذبة الإلهية ونتيجتها الإعراض عن الدنيا والتوجه إلى المولى، ثم تربية الشيخ ونتيجتها تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة وتحلية القلب بالأخلاق الفاضلة والله حسبي ونعم الوكيل.


التأويل : شر الفريقين من جعله الله مستعداً لقبول فيض القهر من اللعن والغضب، وجعل صفة الفردية والخنزيرية أعني الحيلة والحرص والشهوة من بعض خصائصهم.
﴿أولئك شر مكاناً﴾ من القردة والخنازير لأن القردة والخنازير لا استعداد لهم وهؤلاء قد أبطلوا استعدادهم الفطري ومثله :﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل﴾[الأعراف: ١٧٩] ولهذا دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به. الربانيون مشايخ الطريقة والأحبار علماء الشريعة. ﴿غلت أيديهم﴾ كانت أيديهم من إصابة الخير مغلولة ومشامهم عن تنسم روائح الصدق مزكومة فلهذا قالوا :﴿يد الله مغلولة﴾ وكل إناء يرشح بما فيه. ولكن الذي أدركته العناية الأزلية وسلبت عنه صفات الظلومية والجهولية ﷺ قال :" يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ينفق كيف يشاء " بيدي اللطف والقهر على المؤمنين من الهداية والإحسان، وعلى الكافرين من الغواية والخذلان. ﴿وألقينا بينهم العداوة﴾ فلا يوجد أحد إلاّ وبينه وبين صاحبه بغض إلى أن يتوارثوا بطناً بعد بطن. ولو أن أهل العلوم الظاهرة آمنوا بالعلوم الباطنة واتقوا الإنكار والاعتراض، ولو أنهم عملوا بمتفقات الكتب المنزلة ومستحسناتها ﴿لأكلوا من فوقهم﴾ ورزقوا من الواردات الروحانية ﴿ومن تحت أرجلهم﴾ إلى أعلى مقاماتهم. من العلماء الظاهريين أمة مقتصدة إن لم تكن سابقة بالخيرات، والمقتصد هو العالم المتقي والمريد الصادق دون السابق وهو الواصل الكامل العالم الرباني. ﴿بلغ ما أنزل إليك﴾ يندرج تحته الوحي والإلهامات والمنامات والوقائع والواردات والمشاهدات والكشوف والأنوار والأسرار والأخلاق والمواهب والحقائق ومعاني النبوّة والرسالة. فالرسول إن لم يبلغ بعض هذه الحقائق إلى العباد لم يمكنهم الوصول إلى الله فلا يحصل مقصود ما أرسل به فلم يبلغ رسالته إلاّ أن للتبليغ مراتب كما أنزل إليه. فتبليغ بالعبارة وتبليغ بالإشارة وتبليغ بالتأديب وتبليغ بالتعليم وتبليغ بالتزكية وتبليغ بالتحلية وتبليغ بالهمة وتبليغ بجذبات الولاية وتبليغ بقوة النبوة والرسالة وتبليغ بالشفاعة. وللخلق أيضاً مراتب في قبول الدعوة بحسب الاستعدادات المختلفة ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها﴾[الرعد: ١٧] ﴿والله يعصمك﴾ بأوصاف لاهوتيته عن أوصاف ناسوتيتك لتتصرف في الخلق بقوة اللاهوتية فتوصلهم إلى الله ولا يتصرفون فيك فيقطعوك عن الله. يا أرباب العلوم الظاهرة لستم على شيء من حقيقة الدين حتى تزينوا ظاهركم وباطنكم بالأعمال والأحوال الواردة في الكتب الإلهية وذلك بمقدمتين وأربع نتائج. فالمقدمتان : الجذبة الإلهية ونتيجتها الإعراض عن الدنيا والتوجه إلى المولى، ثم تربية الشيخ ونتيجتها تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة وتحلية القلب بالأخلاق الفاضلة والله حسبي ونعم الوكيل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى