المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
ثم أخبر تعالى عن حقيقة أمر المسيح وأنه رسول بشر كالرسل المتقدمة قبله، و ﴿خلت﴾ معناه مضت وتقدمت في الخلاء من الأرض، وقرأ حطان بن عبد الله الرقاشي «قد خلت من قبله رسل » بتنكير الرسل، وكذلك قرأ ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾(١) وقد مضى القول على وجه هذه القراءة هناك، وقوله تعالى :﴿وأمه صديقة﴾ صفة ببناء مبالغة من الصدق، ويحتمل أن يكون من التصديق وبه سمي أبو بكر رضي الله عنه لتصديقه، وهذه الصفة لمريم تدفع قول من قال هي نبية، وقد يوجد في صحيح الحديث قصص قوم كلمتهم ملائكة في غير ما فن كقصة الثلاثة : الأقرع والأعمى والأبرص وغيرهم(٢)، ولا تكون هنالك نبوة، فكذلك أمر مريم، وقوله تعالى :﴿كانا يأكلان الطعام﴾ تنبيه على نقص البشرية على حال من الاحتياج إلى الغذاء تنتفي معها الألوهية، وذكر مكي والمهدي وغيرهما أنها عبارة عن الاحتياج إلى الغائط وهذا قول بشع ولا ضرورة تدفع إليه حتى يقصد هذا المعنى بالذكر وإنما هي عبارة عن الاحتياج إلى التغذي ولا محالة أن الناظر إذا تأمل بذهنه لواحق التغذي وجد ذلك وغيره، ثم أمر تعالى محمداً ﷺ وفي الضمن أمته بالنظر في ضلال هؤلاء القوم وبعدهم عن سنن الحق، وأن الآيات تبين لهم وتبرز في غاية الوضوح، ثم هم بعد ذلك يصرفون أي تصرفهم دواعيهم ويزيلهم تكسلهم عن الحق، و ﴿كيف﴾ في هذه الآية ليست سؤالاً عن حال لكنها عبارة عن حال شأنها أن يسأل عنها بكيف، وهذا كقولك : كن كيف شئت فأنت صديق، و ﴿أنى﴾ معناها من أي جهة، قال سيبويه معناها كيف ومن أين، و ﴿يؤفكون﴾ معناه : يصرفون، ومنه قوله عز وجل :﴿يؤفك عنه من أفك﴾(٣) والأرض المأفوكة التي صرفت عن أن ينالها المطر، والمطر في الحقيقة هو المصروف، ولكن قيل أرض مأفوكة لما كانت مأفوكة عنها(٤).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى