جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿مّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ وَأُمّهُ صِدّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيّنُ لَهُمُ الآيات ثُمّ انْظُرْ أَنّىَ يُؤْفَكُونَ﴾. .
وهذا ( خبرٌ ) من الله تعالى ذكره احتجاجا لنبيه محمد ﷺ على فرق النصارى في قولهم في المسيح. يقول مكذّبا لليعقوبية في قيلهم : هو الله، والآخرين قي قيلهم : هو ابن الله : ليس القول كما قال هؤلاء الكفرة في المسيح، ولكنه ابن مريم ولدته ولادة الأمهات أبناءهنّ، وذلك من صفة البشر لا من صفة خالق البشر، وإنما هو لله رسول كسائر رسله الذين كانوا قبله فمضوا وخلوا، أجرى على يده ما شاء أن يجريه عليها من الاَيات والعبر حجة له على صدقه وعلى أنه لله رسول إلى من أرسله إليه من خلقه، كما أجرى على أيدي من قبله من الرسل من الاَيات والعبر حجة لهم على حقيقة صدقهم في أنهم لله رسل. وأُمّهُ صِدّيقَة يقول تعالى ذكره : وأمّ المسيح صدّيقة، والصدّيقة : الفِعّيلة من الصدق، وكذلك قولهم فلان صدّيق : فعيل من الصدق، ومنه قوله تعالى ذكره : وَالصّدّيقِينَ والشّهَدَاءِ. وقد قيل : إنّ أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه إنما قيل له الصدّيق لصدقه، وقد قيل : إنما سمي صدّيقا لتصديقه النبيّ ﷺ في مسيره في ليلة واحدة إلى بيت المقدس من مكة وعوده إليها. وقوله : كانَا يَأكُلانِ الطّعامَ خبر من الله تعالى ذكره عن المسيح وأمه أنهما كانا أهل حاجة إلى ما يغذوهما وتقوم به أبدانهما من المطاعم والمشارب كسائر البشر من بني آدم. فإنّ من كان كذلك، فعير كائن إلها لأن المحتاج إلى الغذاء قوامه بغيره، وفي قوامه بغيره وحاجته إلى ما يقيمه دليل واضح على عجزه، والعاجز لا يكون إلاّ مربوبا لا ربّا.
القول في تأويل قوله تعالى : انْظُرْ كَيْفَ نُبَيّنُ لَهُمُ الاَياتِ ثُمّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : انظر يا محمد كيف نبين لهؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى الاَيات، وهي الأدلة والأعلام والحجج على بطول ما يقولون في أنبياء الله، وفي فريتهم على الله، وادّعائهم له ولدا، وشهادتهم لبعض خلقه بأنه لهم ربّ وإله، ثم لا يرتدعون عن كذبهم وباطل قيلهم، ولا ينزجرون عن فِرْيتهم على ربهم وعظيم جهلهم، مع ورود الحجج القاطعة عذرهم عليهم. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ثم انظر يا محمد أنّى يؤفكون ؟ يقول : ثم انظر مع تبييننا لهم آياتنا على بطول قولهم : أيّ وجه يُصْرفون عن بياننا الذي بينته لهم، وكيف عن الهدى الذي نهديهم إليه من الحقّ يضِلون ؟ والعرب تقول لكلّ مصروف عن شيء : هو مأفوك عنه، يقال : قد أَفَكْتُ فلانا عن كذا : أي صرفته عنه، فأنا آفِكه أفْكا، وهو مأفوك، وقد أُفِكَتِ الأرضُ : إذا صرف عنها المطر.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾
قال أبو جعفر: وهذا [خَبَرٌ] من الله تعالى ذكره، (٢) احتجاجًا لنبيِّه محمد ﷺ على فِرَق النصارى في قولهم في المسيح.
يقول= مكذِّبًا لليعقوبية في قِيلهم:"هو الله" والآخرين في قيلهم:"هو ابن الله" =: ليس القول كما قال هؤلاء الكفرة في المسيح، ولكنه ابن مريم ولدته ولادةَ الأمهات أبناءَهن، وذلك من صفة البشر لا من صفة خالق البشر، وإنما هو لله رسولٌ كسائر رسله الذين كانوا قبلَه فمضوا وخَلَوْا، أجرى على يده ما شاء أن يجريه عليها من الآيات والعِبر، حجةً له على صدقه، وعلى أنه لله رسول إلى من أرسله إليه من خلقه، كما أجرى على أيدي من قبله من الرسل من الآيات والعِبر، حجةً لهم على حقيقةِ صدقهم في أنهم لله رسلٌ (٣) ="وأمه صِدّيقة"، يقول تعالى ذكره وأمّ المسيح صِدِّيقةٌ.
* * *
(٢) الزيادة بين القوسين لا بد منها حتى يستقيم الكلام.
(٣) انظر تفسير"المسيح" فيما سلف ص: ٤٨٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.
وقد قيل إن"أبا بكر الصدّيق" رضي الله عنه إنما قيل له:"الصّدّيق" لصدقه.
وقد قيل: إنما سمي"صديقًا"، لتصديقه النبي ﷺ في مسيره في ليلة واحدةٍ إلى بيت المقدس من مكة، وعودِه إليها.
* * *
وقوله:"كانا يأكلان الطعام"، خبٌر من الله تعالى ذكره عن المسيح وأمّه: أنهما كانا أهل حاجةٍ إلى ما يَغْذُوهما وتقوم به أبدانهما من المطاعم والمشارب كسائر البشر من بني آدم، فإنّ من كان كذلك، فغيرُ كائنٍ إلهًا، لأن المحتاج إلى الغذاء قِوَامه بغيره. وفي قوامه بغيره وحاجته إلى ما يقيمه، دليلٌ واضحٌ على عجزه. والعاجز لا يكون إلا مربوبًا لا ربًّا.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: انظر يا محمد، كيف نبين لهؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى="الآيات"، وهي الأدلَّةُ، والأعلام والحُجج على بُطُول ما يقولون في أنبياء الله، (٢) وفي فريتهم على الله، وادِّعائهم له ولدًا، وشهادتهم لبعض خلقه بأنه لهم ربٌّ وإله، ثم لا يرتدعون عن كذبهم وباطل قِيلهم، ولا ينزجرون عن فريتهم على ربِّهم وعظيم جهلهم، مع ورود الحجج القاطعة عذرَهم عليهم. يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد صلى الله عليه
(٢) انظر تفسير"الآيات" فيما سلف (أيي).