إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود

عن الكتاب
﴿قُلْ يا أهل الكتاب﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى فريقي أهل الكتاب، بطريق الالتفات على لسان النبي عليه الصلاة والسلام بعد إبطال مسلك كل منهما، للمبالغة في زجرهم عما سلكوه من المسلك الباطل، وإرشادهم إلى الأَمَم المِئْتاء(١) ﴿لاَ تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ أي لا تتجاوزوا الحد، وهو نهي للنصارى عن رفع عيسى عن رتبة الرسالة إلى ما تقوَّلوا في حقه من العظيمة، ولليهود عن وضعهم له عليه السلام عن رتبته العلية إلى ما تقوَّلوا عليه من الكلمة الشنعاء، وقيل : هو خاص بالنصارى كما في سورة النساء فذكَرَهم بعنوان أهلية الكتاب لتذكير أن الإنجيل أيضاً ينهاهم عن الغلو، وقوله تعالى :﴿غَيْرَ الحق﴾ نُصب على أنه نعتٌ لمصدر محذوف أي لا تغلوا في دينكم غلواً غيرَ الحق، أي غلواً باطلاً، أو حالٌ من ضمير الفاعل أي لا تغلوا مجاوزين الحق، أو من دينكم أي لا تغلوا في دينكم حال كونه باطلاً، وقيل : نُصب على الاستثناء المتصل، وقيل : على المنقطع ﴿وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ هم أسلافهم وأئمتهم الذين ضلوا من الفريقين، أو من النصارى على القولين قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام في شريعتهم. ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيراً﴾ أي قوماً كثيراً ممن شايعهم في الزيغ والضلال، أو إضلالاً كثيراً، والمفعولُ محذوف ﴿وَضَلُّوا﴾ عند بعثةِ النبي عليه الصلاة والسلام وتوضيحِ مَحَجّةِ الحق وتبيين مناهجِ الإسلام ﴿عَن سَوَاء السبيل﴾ حين كذّبوه وحسبوه وحسدوه وبغَوْا عليه، وقيل : الأول إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى العقل والثاني إلى ضلالِهم عما جاء به الشرع.
١ الأمم: القصد، والطريق البيّن. والمئتاء والميتاء: الطريق يسلكه كل أحد، وآخر الغاية حيث ينتهي مجرى الخيل في السباق. والمراد إرشادهم إلى الطريق الذي يسلكه كل أحد. وفي الحديث الشريف: «لولا أنه وعدٌ حق وقول صدق وطريق ميتاءٌ لحزنّا عليك أكثر ما حزنّا»..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى