مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي

عن الكتاب
﴿وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرّسول تراى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقّ﴾ وصفهم برقة القلوب وأنهم يبكون عند استماع القرآن كما روي عن النجاشي أنه قال لجعفر بن أبي طالب حين اجتمع في مجلسه المهاجرون إلى الحبشة والمشركون وهم يقرأونه عليهم : هل في كتابكم ذكر مريم ؟ قال جعفر : فيه سورة تنسب إلى مريم.
فقرأها إلى قوله :﴿ذلك عيسى ابن مريم﴾ [طه: ٣٤] وقرأ سورة طه إلى قوله :﴿وهل أتاك حديث موسى﴾ [ الآية : ٩ ] فبكى النجاشي وكذلك فعل قومه الذين وفدوا على رسول الله ﷺ وهم سبعون رجلاً حين قرأ عليهم سورة «يس » فبكوا. «تفيض من الدمع » تمتلىء من الدمع حتى تفيض لأن الفيض أن يمتلىء الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها أي تسيل من أجل البكاء. و«من » في «مما عرفوا » لابتداءالغاية على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق وكان من أجله، «ومن » في «من الحق » لتبيين الموصول الذي هو ما عرفوا، أو للتبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف إذا عرفوا كله وقرأوا القرآن وأحاطوا بالسنَة ﴿يقولون﴾ حال من ضمير الفاعل في «عرفوا » ﴿ربّنآ آمنّا﴾ بمحمد ﷺ والمراد إنشاء الإيمان والدخول فيه ﴿فاكتبنا مع الشّاهدين﴾ مع أمة محمد عليه السلام الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة لتكونوا شهداء على الناس، وقالوا ذلك لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى