غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
قال ابن عباس : كان رسول الله ﷺ خاف على أصحابه من المشركين فبعث جعفر بن أبي طالب وابن مسعود في رهط من أصحابه إلى النجاشي وقال : أنه ملك صالح لا يظلم ولا يظلم عنده أحد فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجاً. فلما وردوا عليه أكرمهم وقال لهم : هل تعرفون شيئاً مما أنزل عليكم ؟ قالوا : نعم. فقرؤوا وحوله القسيسون والرهبان فكلما قرؤوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق. وقال آخرون : قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة هو وأصحابه ومعهم سبعون رجلاً بعثهم النجاشي وفداً إلى الرسول ﷺ عليهم ثياب الصوف ؛ اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام وهم بحيرا الراهب وأبرهة وغيرهما، فقرأ عليهم رسول الله ﷺ سورة يس إلى آخرها فبكوا وآمنوا فنزلت والخطاب في ﴿ترى﴾ لكل راء. وقد وضع الفيض الذي هو مسبب الامتلاء موضع الامتلاء وأصله تمتلئ من الدمع حتى تفيض لأن الفيض بعد الامتلاء، ويحتمل أن يكون الدمع مصدر دمعت عينه وقصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء كأنّ الأعين تفيض بأنفسها. ومعنى ﴿مما عرفوا من الحق﴾ أي مما نزل على محمد ﷺ وهو الحق ف«من »« الأولى لابتداء الغاية على أن فيض الدمع نشأ من معرفة الحق، والثانية للبيان ويحتمل التبعيض يعني أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف لو عرفوا كله وأحاطوا بالسنة ؟ ﴿ربنا آمنا﴾ المراد إنشاء الإيمان لا الإخبار عنه ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾ مع أمة محمد ﷺ وقد مر مثله في آل عمران.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل مع ذرات ذرّيات آدم عليه السلام ﴿وأرسلنا إليهم رسلاً﴾ بالأجساد في عالم الشهادة، ومن الواردات الروحانية في عالم الغيب ﴿فريقاً كذبوا﴾ يعني الإلهامات والواردات ﴿وفريقاً﴾ يقتلون في عالم الحس ﴿لقد كفر الذين قالوا﴾ النصارى أرادوا أن يسلكوا طريق الحق بقدم العقل فتاهوا في أودية الشبهات، وأمة محمد ﷺ سلكوا الطريق بأقدام جذبات الألوهية على وفق المتابعة الجبيبية فأسقط عنهم براهين الوصال كلفة الاستدلال، ولهذا كان الشبلي يغسل كتبه بالماء ويقول : نعم الدليل أنت. ولكن الاشتغال بالدليل بعد الوصول إلى المدلول محال فتحقق لهم أن عيسى بعد التزكية والتحلية صار قابلاً للفيض الإلهي فكان يخلق ما يخلق ويفعل ما يفعل بإذن الله، كما أن المرايا المحرقة تحرق بما قبلت من فيض الشمس ﴿إنه من يشرك بالله﴾ ظاهراً ﴿فقد حرم الله عليه الجنة﴾ ومن يشرك به باطناً حرم عليه القربة على لسان داود وعيسى ابن مريم. هذا سر الخلافة فإن الإنسان الكامل المستحق للخلافة قبوله قبول الحق ورده رد الحق ﴿لا يتناهون عن منكر﴾ سمى العصيان منكراً لأنه يوجب النكرة كما سمى الطاعة معروفاً لأنها توجب المعرفة ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً﴾. يعني أن تعارف الأرواح يُوجب ائتلاف الأشباح، فالنصارى ببركة علمائهم وعبادهم وصفاء قلوبهم وخضوعهم ثبت لهم القرابة والمودة من أهل الإيمان وعرفوا الحق الذي سمعوه في الأزل يوم الميثاق، فآمنوا وذلك جزاء المحسنين الذين يعبدون الله ويشاهدونه بلوائح المعرفة وطوالع المحبة فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.