التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ولقد كان ما أعده الله - تعالى - لهؤلاء الأصفياء من ثواب شيئاً عظيماً، عبر عنه - سبحانه - بقوله :﴿فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا وذلك جَزَآءُ المحسنين﴾.
أي : فكافأهم الله - تعالى - بسبب أقوالهم الطيبة الدالة على إيمانهم وإخلاصهم، جنات تجري من تحت بساتينها وأشجارها الأنهار ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي : باقين في تلك الجنات بقاء لا موت معه، ﴿جَزَآءُ المحسنين﴾ أي : المؤمنين المخلصين في أقوالهم وأعمالهم.
والمراد بقوله :﴿بِمَا قَالُواْ﴾ : ما سبق أن حكاه عنهم - سبحانه - من قولهم :﴿رَبَّنَآ آمَنَّا فاكتبنا مَعَ الشاهدين﴾ ورتب الثواب المذكور على القول : لأنه قد سبق وصفهم بما يدل على إخلاصهم، وعلى صدق يقينهم، والقول إذا اقترن بذلك فهو الإِيمان.
قال الآلوسي : قوله ﴿فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُواْ﴾ أي بسبب قولهم أو بالذي قالوه عن اعتقاد، فإن القول إذا لم يقيد بالخلو عن الاعتقاد يكون المراد به المقارن له، كما إذا قيل : هذا قول فلان، لأن القول إنما يصدر عن صاحبه لإِفادة الاعتقاد.
وقيل : إن القول هنا مجاز عن الرأي والاعتقاد والمذهب كما يقال : هذا قول الإمام الأعظم أي : هذا مذهبه واعتقاده.
وذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد بهذا القول قولهم :﴿رَبَّنَآ آمَنَّا﴾ وقولهم ﴿وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ﴾.
وقد بينت هذه الآية الكريمة أنه - سبحانه - قد أجابهم إلى ما طلبوا، بل أكبر مما طلبوا فقد كانوا يطمعون في أن يكونوا مع القوم الصالحين، وأن يكتبهم مع الشاهدين. فأعطاهم - سبحانه - جنات تجري من تحتها الأنهار. وسماهم محسنين. والإِحسان أعلى درجات الإِيمان، وأكرم أوصاف المتقين.
هذا جزاء الذين سمعوا ما أنزل إلى الرسول ﷺ فآمنوا به، وقالوا ما قالوا مما يشهد بصفاء نفوسهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى