البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين﴾ ظاهره أن الإثابة بما ذكر مترتبة على مجرد القول، ولا بد أن يقترن بالقول الاعتقاد ويبين أنه مقترن به أنه قال :﴿مما عرفوا من الحق﴾ فوصفهم بالمعرفة، فدل على اقتران القول بالعلم، وقال :﴿وذلك جزاء المحسنين﴾ فإما أن يكون من وضع الظاهر موضع المضمر تنبيهاً على هذا الوصف بهم، وأنهم أثيبوا لقيام هذا الوصف بهم، وهو رتبة الإحسان، وهي التي فسرها رسول الله ﷺ بقوله :« أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » ولا إخلاص ولا علم أرفع من هذه الرتبة، وإما أن يكون أريد به العموم فيكونون قد اندرجوا في المحسنين على أن هذه الإثابة لم تترتب على مجرد القول اللفظي، ولذلك فسره الزمخشري بقوله بما قالوا بما تكلموا به من اعتقاد وإخلاص من قولك : هذا قول فلان أي اعتقاده وما يذهب إليه انتهى.
وفسروا هذا القول بقولهم :﴿وما لنا لا نؤمن بالله﴾ والذي يظهر أنه عنى به قولهم ﴿يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين﴾ لأنه هو الصريح في إيمانهم، وأما قوله :﴿لا نؤمن بالله﴾ فليس فيه تصريح بإيمانهم، وإنما هو إنكار على انتفاء الإيمان منهم مع قيام موجبه، فلا تترتب عليه الإثابة.
وقرأ الحسن ﴿فآتاهم﴾ من الإيتاء بمعنى الإعطاء لا من الإثابة، والإثابة أبلغ من الإعطاء، لأنه يلزم أن يكون عن عمل بخلاف الإعطاء، فإنه لا يلزم أن يكون عن عمل ولذلك جاء أخيراً ﴿وذلك جزاء المحسنين﴾ نبه على أن تلك الإثابة هي جزاء، والجزاء لا يكون إلا عن عمل

تفسير هذه الآية من كتب أخرى