جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَالّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلََئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. .
يقول تعالى ذكره : وأما الذين جحدوا توحيد الله، وأنكروا نبوّة محمد ﷺ، وكذّبوا بآيات كتابه، فإن أولئك أصحاب الجحيم، يقول : هم سكانها واللابثون فيها. والجحيم : ما اشتدّ من النار، وهو الجاحم والجحيم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأما الذين جَحَدوا توحيدَ الله، وأنكروا نبوّةَ محمد صلى الله عليه وسلم، وكذبوا بآيات كتابه، فإن أولئك"أصحاب الجحيم". يقول: هم سكّانها واللابثون فيها. (١)
* * *
و"الجحيم": ما اشتدّ حرُّه من النار، وهو"الجَاحِم""والجحيم". (٢)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيُّهم ﷺ أنه حق من عند الله="لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم"، يعني بـ"الطيبات"، اللذيذات التي تشتهيها النفوس، وتميل إليها القلوب، (٣)
فتمنعوها إيّاها، كالذي فعله القسِّيسون والرُّهبان، فحرَّموا على أنفسِهم النساءَ والمطاعمَ الطيَّبة، والمشاربَ اللذيذة، وحَبس في الصَّوامع بعضُهم أنفسَهم، وساحَ في الأرض بعضهم. يقول تعالى ذكره: فلا تفعلوا أيُّها المؤمنون، كما فعل أولئك، ولا تعتدُوا حدَّ الله الذي حدَّ لكم فيما أحلَّ لكم وفيما حرم عليكم،
(٢) انظر تفسير"الجحيم" فيما سلف ٢: ٥٦٢.
(٣) انظر تفسير"الطيبات" فيما سلف ص: ٨٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٢٣٣٦ - حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس قال، حدثنا عبثر أبو زبيد قال، حدثنا حصين، عن أبي مالك في هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيّبات ما أحل الله لكم" الآية، قال: عثمان بن مظعون وأناسٌ من المسلمين، حرَّموا عليهم النساءَ، وامتنعوا من الطَّعام الطيّب، وأراد بعضهم أن يقطع ذَكَره، فنزلت هذه الآية. (١)
١٢٣٣٧ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثني خالد الحذاء، عن عكرمة قال: كان أناسٌ من أصحاب النبي ﷺ همُّوا بالخصاء وتَرْك اللحم والنساء، فنزلت هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيّباتِ ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين".
١٢٣٣٨ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن خالد، عن عكرمة: أن رجالا أرادوا كذا وكذا، وأرادوا كذا وكذا، وأن يختَصُوا، فنزلت:"يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلَّ الله لكم" إلى قوله:"الذي أنتم به مؤمنون".
١٢٣٣٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم:"يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيِّبات ما أحل الله لكم"، قال: كانوا حَرَّموا
و"عبثر بن القاسم الزبيدي"، "أبو زبيد". ثقة صدوق. وقال ابن معين: "ثقة سنيّ". مترجم في التهذيب، والكبير ٤/١/٩٤، وابن أبي حاتم ٣/٢/ ٤٣. وكان في المخطوطة وحدها: "عبثر بن زبيدة"، وهو خطأ محض.
و"حصين"، هو"حصين بن عبد الرحمن السلمي"، مضى برقم: ٥٧٩، ٢٩٨٦.
١٢٣٤٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال، حدثنا خالد، عن عكرمة: أن أناسًا قالوا:"لا نتزوَّج، ولا نأكل، ولا نفعل كذا وكذا"! فأنزل الله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيِّبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين".
١٢٣٤١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: أراد أناس من أصحاب النبي ﷺ أن يرفُضُوا الدنيا، ويتركوا النساء، ويترهَّبوا، فقام رسول الله ﷺ فغَلَّظ فيهم المقالة، ثم قال: إنما هَلَك من كان قبلكم بالتشديد، شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم، فأولئك بقايَاهم في الدِّيار والصوامع! (١) اعبدُوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وحجُّوا، واعتمروا، واستقيموا يَسْتَقِم لكم. قال: ونزلت فيهم:"يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم"، الآية.
١٢٣٤٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم"، قال: نزلت في أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أرادوا أن يتخلَّوا من الدُّنيا، (٢) ويتركوا النساء ويتزهدوا، منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون.
١٢٣٤٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن زياد بن فياض، عن أبي عبد الرحمن قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لا آمرُكم أن تكونُوا قسِّيسين ورهبانًا".
(٢) في المطبوعة: "أن يتخلوا من اللباس"، وهو كلام ملفق، وفي المخطوطة: "ويتحلوا من اللبسا"، غير مبينة، صوابها ما أثبت من الدر المنثور ٢: ٣٠٨.
(٢) "الدور"، يعني جمع"دير"، وقد ذكرت القول فيه في ص: ٥١٥، تعليق: ١.
(٣) الأثر: ١٢٣٤٤-"بشر بن معاذ العقدي" مضى برقم: ٣٥٢، ٢٦١٦.
أما "جامع بن حماد"، فلم أجد له ترجمة فيما بين يدي من المراجع. وهذه أول مرة يأتي إسناد بشر بن معاذ في روايته عن يزيد بن زريع بواسطة"جامع بن حماد". أما إسناد: "بشر بن معاذ، عن يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة" فهو إسناد دار في التفسير من أوله إلى هذا الموضع، برواية"بشر بن معاذ" عن"يزيد بن زريع" مباشرة.
وسيأتي هذا الإسناد الجديد بعد هذا مرارا، برقم: ١٢٣٦٧، ١٢٤٢٣، ١٢٥٠٧، ١٢٥٢٤. وفي هذا الإسناد الأخير، نص صريح على أنه روى الخبر مرة بواسطة"جامع بن حماد" هذا، ثم رواه مرة أخرى عن"يزيد بن زيع" مباشرة.
(٢) "الودك" (بفتحتين) : دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه.
١٢٣٤٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم"، قال: هم رهطٌ من أصحاب النبي ﷺ قالوا: نقطَعُ مذاكيرَنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان! فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فأرسل، إليهم، فذكر ذلك لهم فقالوا: نعم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكنيّ أصوم وأفطر، وأصلِّي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مِني.
١٢٣٤٧ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم"، وذلك أن رجالا من أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم، منهم عثمان بن مظعون، حرَّموا النساء واللحمَ على أنفسهم، وأخذوا الشِّفَار ليقطعوا مذاكيرهم، لكي تنقطع الشهوة ويتفرَّغوا لعبادة ربهم. فأخبر بذلك النبيُّ ﷺ فقال: ما أردتم؟ فقالوا: أردنا أن تنقطع الشهوة عنا، (١) ونتفرغ لعبادة ربنا، ونلهو عن النساء! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم أومر بذلك، ولكني أمرت في ديني أن أتزوَّج النساء! فقالوا، نطيعُ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله تعالى ذكره:"يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين"، إلى قوله:"الذي أنتم به مؤمنون".
١٢٣٤٩ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد في قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم"، قال، قال أبي: ضَافَ عبدَ الله بن رواحة ضيفٌ، فانقلبَ ابن رواحة ولم يتعشَّ، فقال
(٢) "الإخصاء"، يعني الخصاء، وانظر ما كتبته آنفا في ٩: ٢١٥، تعليق: ١، وإنكار أهل اللغة لها، وإتيانها في آثار كبيرة، يضم إليها هذا الأثر في موضعين. وكان في المطبوعة هنا"بالاختصاء"، وأثبت ما في المخطوطة، ولكن ستأتي مرة أخرى، وتتفق فيها المطبوعة والمخطوطة: "الاختصاء".
(٣) في المطبوعة: "لا تستنوا بغير سنة المسلمين"، وأثبت ما في المخطوطة، وهي غير منقوطة. وهذا صواب قراءتها.
(٤) في المطبوعة والمخطوطة: "هموا له"، وكأن الصواب ما أثبت.
١٢٣٥٠ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عثمان بن سَعْد قال، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس: أنّ رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنيّ إذا أصبتُ من اللحم انتشرتُ، وأخذتني شهوتي، فحرَّمت اللحم؟ فأنزل الله تعالى ذكره:"يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدُوا إن الله لا يحبُّ المعتدين". (١)
١٢٣٥١ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة قال: هَمَّ أناسٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
و"عثمان بن سعد التميمي، الكاتب المعلم"، ثقة. مضى برقم: ٢١٥٥. وكان في المطبوعة هنا"عثمان بن سعيد"، وهو خطأ محض، وكان في المخطوطة مثله، إلا أنه ضرب على نقطتي الياء، وأراد وصل العين بالدال، فأخطأ الناشر في قراءة ذلك.
هذا، وانظر ما جاء من الأخبار في الخصاء والتبتل في صحيح البخاري (الفتح ٩: ١٠٠- ١٠٣)، وما علق عليه الحافظ ابن حجر. ثم ما جاء فيه أيضا (الفتح ٨: ٢٠٧)، وتفسير ابن كثير ٣: ٢١٣- ٢١٧، وطبقات ابن سعد ٣/١/٢٨٦- ٢٨٨ في ترجمة"عثمان بن مظعون".
* * *
واختلفوا في معنى"الاعتداء" الذي قال تعالى ذكره:"ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبُّ المعتدين".
فقال بعضهم:"الاعتداء" الذي نهى الله عنه في هذا الموضع: هو ما كان عثمان بن مظعون همَّ به من جَبِّ نفسه، فنهى عن ذلك، وقيل له:"هذا هو الاعتداء".
وممن قال ذلك السدي.
١٢٣٥٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثني أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عنه. (١)
* * *
وقال آخرون: بل ذلك هو ما كان الجماعةُ من أصحاب رسول الله ﷺ هَمُّوا به من تحريمِ النساء والطعام واللباس والنوم، فنهوا أن يفعلوا ذلك، وأن يستَنَّوا بغير سنة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم. وممن قال ذلك عكرمة.
١٢٣٥٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عنه. (٢)
* * *
وقال بعضهم: بل ذلك نهيٌ من الله تعالى ذكره أن يتجاوَزَ الحلالَ إلى الحرام.
ذكر من قال ذلك:
١٢٣٥٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن عاصم، عن الحسن:"يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا"، قال: لا تعتدوا إلى ما حُرِّم عليكم.
* * *
(٢) في المطبوعة: "عنه به" في الموضعين، وأثبت ما في المخطوطة، بحذفها.