الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي

عن الكتاب
أخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عدي في الكامل والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس « أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال : يا رسول الله، إني إذا أكلت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي، وإني حرمت عليّ اللحم، فنزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ ».
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ قال : نزلت هذه الآية في رهط من الصحابة قالوا : نقطع مذاكيرنا ونترك شهوات الدنيا ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك فقالوا : نعم. فقال النبي ﷺ : لكني أصوم أفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنَّتي فليس مني ».
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في مراسيله وابن جرير عن أبي مالك في قوله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ قال : نزلت في عثمان بن مظعون وأصحابه، كانوا حرموا على أنفسهم كثيراً من الشهوات والنساء، وهمَّ بعضهم أن يقطع ذكره، فنزلت هذه الآية.
وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة « أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر ؟ فقال بعضهم : لا آكل اللحم، وقال بعضهم : لا أتزوّج النساء، وقال بعضهم لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال : ما بال أَقوام يقول أحدهم كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ».
وأخرج البخاري ومسلم وابن أبي شيبة والنسائي وابن أبي حاتم وابن حبان والبيهقي في سننه وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود قال كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس معنا نساء، فقلنا ألا نستخصي ؟ فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك، ورخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال : كان أناس من أصحاب النبي ﷺ همُّوا بالخصاء، وترك اللحم والنساء، فنزلت هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة، أن عثمان بن مظعون في نفر من أصحاب النبي ﷺ، قال بعضهم : لا آكل اللحم، وقال الآخر : لا أنام على فراش، وقال الآخر : لا أتزوج النساء، وقال الآخر : أصوم ولا أفطر، فأنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم. . .﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي في قوله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ قال : كانوا حرموا الطيب واللحم، فأنزل الله هذا فيهم.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن أبي قلابة قال « أراد أناس من أصحاب رسول الله ﷺ أن يرفضوا الدنيا، ويتركوا النساء ويترهَّبوا، فقام رسول الله ﷺ فغلظ فيهم المقاتلة، ثم قال : إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وحجوا واعتمروا واستقيموا يستقم بكم. قال : ونزلت فيهم ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم. . .﴾ الآية ».
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ قال : نزلت في أناس من أصحاب النبي ﷺ أرادوا أن يتخلوا من الدنيا ويتركوا النساء وتزهَّدوا، منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم. . .﴾ الآية. قال « ذكر لنا أن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ رفضوا النساء واللحم، وأرادوا أن يتخذوا الصوامع، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال : ليس في ديني ترك النساء واللحم، ولا اتخاذ الصوامع، وخبرنا أن ثلاثة نفر على عهد رسول الله ﷺ اتفقوا فقال أحدهم أما أنا فأقوم الليل لا أنام، وقال أحدهم : أما أنا فأصوم النهار فلا أفطر، وقال الآخر : أما أنا فلا آتي النساء، فبعث رسول الله ﷺ إليهم فقال : ألم أنبأ إنكم اتفقتم على كذا وكذا ؟ قالوا : بلى يا رسول الله، وما أردنا إلا الخير. قال : لكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني، وكان في بعض القراءة في الحرف الأول : من رغب عن سنتك فليس من أمتك، وقد ضل سواء السبيل ".
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي عبد الرحمن قال : قال النبي ﷺ « لا آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً ».
وأخرج ابن أبي جرير عن السدي قال « إن رسول الله ﷺ جلس يوماً فذكر الناس، ثم قام ولم يزدهم على التخويف، فقال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا عشرة، منهم علي بن أبي طالب، وعثمان بن مظعون : ما حقنا أن لم نحدث عملاً، فإن النصارى قد حرَّموا على أنفسهم فنحن نحرم، فحرم بعضهم أكل اللحم والودك وأن يأكل منها، وحرم بعضهم النوم، وحرم بعضهم النساء، فكان عثمان بن مظعون ممن حرم النساء، وكان لا يدنو من أهله ولا يدنون منه، فأتت امرأته عائشة - وكان يقال لها الحولاء - فقالت لها عائشة ومن حولها من نساء النبي ﷺ : ما بالك يا حولاء متغيرة اللون لا تمتشطين ولا تتطيبين ؟ ! فقالت : وكيف أتطيب وأمتشط وما وقع عليَّ زوجي ولا رفع عني ثوباً منذ كذا وكذا، فجعلن يضحكن من كلامها، فدخل رسول الله ﷺ وهن يضحكن، فقال : ما يضحككن ؟ قالت : يا رسول الله، الحولاء سألتها عن أمرها فقالت : ما رفع عني زوجي ثوباً منذ كذا وكذا، فأرسل إليه فدعاه فقال : ما بالك يا عثمان ؟، قال : إني تركته لله لكي أتخلى للعبادة، وقصَّ عليه أمره، وكان عثمان قد أراد أن يجب نفسه. فقال رسول الله ﷺ : أقسمت عليك إلا رجعت فواقعت أهلك، فقال : يا رسول الله، إني صائم ! قال : أفطر. قال : فأفطر وأتى أهله، فرجعت الحولاء إلى عائشة قد اكتحلت وامتشطت وتطيبت، فضحكت عائشة فقالت : مالك يا حولاء ؟ فقالت : أنه أتاها أمس، فقال رسول الله ﷺ : ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم، ألا إني أنام وأقوم، وأفطر وأصوم، وأنكح النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني، فنزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا﴾ يقول لعثمان : لا تجب نفسك، فإن هذا هو الاعتداء، وأمرهم أن يكفروا أيمانهم فقال ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ [المائدة: ٨٩] الآية ».
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد قال « أراد رجال منهم عثمان بن مظعون، وعبد الله بن عمرو، أن يتبتلوا ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح، فنزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ والآية التي بعدها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة. أن عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالماً مولى أبي حذيفة، وقدامة، تبتلوا فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما يأكل ويلبس السياحة من بني إسرائيل، وهمُّوا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل، وصيام النهار، فنزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم. . .﴾ الآية. فلما نزلت بعث إليهم رسول الله ﷺ، فقال : إن لأنفسكم حقاً، ولأعينكم حقاً، وإن لأهلكم حقاً، فصلوا وناموا وصوموا وأفطروا، فليس منا من ترك سنتنا. فقالوا : اللهم صدقنا واتبعنا ما أنزلت على الرسول ".
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال « إن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ منهم عثمان بن مظعون حرموا اللحم والنساء على أنفسهم، وأخذوا الشفار ليقطعوا مذاكيرهم لكي تنقطع الشهوة عنهم ويتفرغوا لعبادة ربهم، فأُخبر بذلك النبي ﷺ فقال : ما أردتم ؟ قالوا : أَردنا أن نقطع الشهوة عنا، ونتفرغ لعبادة ربنا، ونلهو عن الناس، فقال رسول الله ﷺ : لم أؤمر بذلك، ولكني أُمِرْتُ في ديني أن أتزوج النساء، فقالوا : نطيع رسول الله ﷺ، فأنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ إلى قوله ﴿واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون﴾ فقالوا : يا رسول الله، فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟ فأنزل الله ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ [المائدة: ٨٩].
وأخرج ابن مردويه عن الحسن العرني قال : كان علي في أناس ممن أرادوا أن يحرموا الشهوات، فأنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم. . .﴾ الآية.
وأخرج أبو الشيخ من طريق ابن جريج عن المغيرة بن عثمان قال « كان عثمان بن مظعون، وعلي، وابن مسعود، والمقداد، وعمار، أرادوا الاختصاء، وتحريم اللحم، ولبس المسوح في أصحاب لهم، فأتى النبي ﷺ عثمان بن مظعون، فسأله عن ذلك، فقال : قد كان بعض ذلك. فقال رسول الله ﷺ : أنكح النساء، وآكل اللحم، وأصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وألبس الثياب، لم آتِ بالتبتل ولا بالرهبانية، ولكن جئت بالحنيفية السمحة، ومن رغب عن سنتي فليس مني، قال ابن جريج : فنزلت هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم. . .﴾.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم « أن عبد الله بن رواحة ضافه ضيف من أهله وهو عند النبي ﷺ، ثم رجع إلى أهله فوجدهم لم يطعموا ضيفهم انتظاراً له، فقال لامرأته : حبست ضيفي من أجلي هو حرام علي. فقالت امرأته : هو عليَّ حرام. قال الضيف : هو علي حرام، فلما رأى ذلك وضع يده وقال : كلوا بسم الله، ثم ذهب إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال النبي ﷺ : قد أصبت، فأنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ ».
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا﴾ إلى ما حرم الله عليكم.
وأخرج عبد بن حميد عن المغيرة قال : قلت : لإبراهيم في هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ هو الرجل يحرم الشيء مما أحل الله ؟ قال : نعم.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في الآية قال : هو الرجل يحلف لا يصل أهله، أو يحرِّم عليه بعض ما أحل الله له، فيأتيه ويكفر عن يمينه.
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني من طرق عن ابن مسعود. أن معقل بن مقرن قال له : إني حر

تفسير هذه الآية من كتب أخرى