اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلاَلاً طَيِّباً﴾.
في نصب " حَلاَلاَ " : ثلاثة أوجه :
أظهرُها : أنه مفعولٌ به، أي : كُلُوا شَيْئاً حلالاً، [ وعلى هذا الوجه، ففي الجَارِّ، وهو قوله :" مِمَّا رَزَقَكُمْ " وجهان :
أحدهما : أنه حالٌ من " حَلاَلاً " ؛ ] لأنه في الأصل صفةٌ لنكرَةٍ، فلمَّا قُدِّم عليها، انتصبَ حالاً.
والثاني : أنَّ " مِنْ " لابتداء الغاية في الأكْل، أي : ابتدِئُوا أكْلَكُمْ الحلالَ من الذي رزَقَهُ الله لكُمْ.
الوجه الثاني من الأوجه المتقدِّمة : أنه حالٌ من الموصول أو من عائده المحذوف، أي :" رَزَقَكُمُوهُ " فالعاملُ فيه " رَزَقَكُمْ ".
الثالث : أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي : أكْلاً حلالاً، وفيه تجوُّزٌ.
وقال :﴿كلوا مما رزقكم الله﴾ ولَمْ يَقُلْ : ما رزقكم ؛ لأنَّ " مِنْ " للتَّبْعِيضِ، فكأنَّه قال : اقْتَصِرُوا في الأكْلِ على البَعْضِ واصرفُوا البَقِيَّةَ إلى الصَّدقَاتِ والخَيْرَاتِ، وأيضاً إرْشَاد إلى تَرْكِ الإسْرَاف، كقوله :﴿وَلاَ تُسْرِفُواْ﴾ [الأعراف: ٣١].
قال عبدُ الله بن المُبَارَك(٥) - رضي الله عنه - : الحَلاَلُ ما أخَذْتَهُ من وجهه، والطَّيِّبُ : ما غُذِّيَ وأنْمِي.
فأمَّا الجَوَامِدُ : كالطِّينِ والتُّرَابِ وما لا يُغذِّي، فمكرُوه إلاَّ على وجْهِ التَّدَاوِي.
قالت عَائِشَة - رضي الله عنها - :" كان النَّبِيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - يُحِبُّ الحَلْوَاءَ والعَسَلَ " (٦).
قوله تعالى :" اتَّقُوا اللَّهَ " تأكيد للوصيَّةِ بما أمَرَ به، وزادَهُ تَأكِيداً بقوله تعالى :﴿الَّذي أَنْتُم بِهِ مُؤْمِنُون﴾ ؛ لأنَّ الإيمان به يُوجِبُ التَّقْوَى في الانْتِهَاء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى