غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿بما عقدتم﴾ بالتخفيف : حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل، وقرأ ابن ذكوان ﴿عاقدتم﴾ بالألف. الباقون ﴿عقدتم﴾ بالتشديد ﴿من أوصط﴾ مثل
﴿مبصوطتان﴾ [المائدة: ٦٤] ﴿فجزاء﴾ بالتنوين ﴿مثل﴾ بالرفع : يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم عن المفضل. ﴿كفارة طعام﴾ بالإضافة : أبو جعفر ونافع وابن عامر. الباقون ﴿كفارة﴾ بالتنوين ﴿طعام﴾ بالرفع ﴿فبما﴾ بغير ألف ابن عامر.
الوقوف :﴿ولا تعتدوا﴾ ط ﴿المعتدين﴾ ه ﴿طيباً﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿مؤمنون﴾ ه ﴿الأيمان﴾ ج لاختلاف النظم مع اتحاد الكلام وفاء التعقيب. ﴿رقبة﴾ ط ﴿ثلاثة أيام﴾ ط ﴿حلفتم﴾ ط للإضمار أي حلفتم وحنثتم ﴿أيمانكم﴾ ط ﴿تشكرون﴾ ه ﴿تفلحون﴾ ه ﴿وعن الصلاة﴾ ج لابتداء الاستفهام لأجل التحذير مع دخول الفاء فيه. ﴿منتهون﴾ ه ﴿واحذروا﴾ ط ﴿المبين﴾ ه ﴿وأحسنوا﴾ ط ﴿المحسنين﴾ ه ﴿بالغيب﴾ ج ﴿أليم﴾ ه ﴿وأنتم حرم﴾ ط ﴿وبال أمره﴾ ط ﴿سلف﴾ ط ﴿منه﴾ ط ﴿انتقام﴾ ه ﴿وللسيارة﴾ ج لطول الكلام وتضاد المعنيين وإن اتفقت الجملتان لفظاً. ﴿حرما﴾ ط لإطلاق الأمر بالابتداء ﴿تحشرون﴾ ه ﴿والقلائد﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿رحيم﴾ ه ﴿البلاغ﴾ ط ﴿تكتمون﴾ ه ﴿كثرة الخبيث﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿تفلحون﴾ ه.
و﴿كلوا﴾ أمر إباحة وتحليل ﴿مما رزقكم الله﴾ في إدخال «من » التبعيضية إرشاد إلى الاقتصاد والاقتصار في الأكل على البعض وصرف الباقي إلى المحتاجين، وفيه أنه تعالى هو الذي يرزق عبيده وتكفل برزقهم. قال في التفسير الكبير : قوله ﴿حلالاً طيباً﴾ إن كان متعلقاً بالأكل كان حجة للمعتزلة على أن الرزق لا يكون إلا حلالاً لأنه يدل على الإذن في أكل كل ما رزق الله تعالى وإنما يأذن في أكل الحلال فيلزم أن يكون كل رزق حلالاً، وإن كان متعلقاً بالمأكول أي كلوا من الرزق الذي يكون حلالاً كان حجة لأصحابنا لأن التقييد يؤذن بأن الرزق قد لا يكون حلالاً. أقول : هذا فرق ضعيف ولهذا قال في الكشاف :﴿حلالاً﴾ حال ﴿مما رزقكم الله﴾ مع أنه من المعتزلة. ثم أكد التوصية بقوله ﴿واتقوا الله﴾ وزاده تأكيداً بقوله ﴿الذي أنتم به مؤمنون﴾ لأن الإيمان به يوجب اتقاءه في أوامره ونواهيه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿لا تحرموا﴾ على أنفسكم بالاستمتاعات النفسانية ﴿طيبات ما أحل الله لكم﴾ دون سائر المخلوقات من المواهب الربانية ﴿ولا تعتدوا﴾ ولا تجاوزوا عن حد العبودية ﴿وكلوا مما رزقكم الله﴾ واجتهدوا في طلب ما خصكم به الله من تجلى جماله وجلاله ﴿حلالاً طيباً﴾ يحل فيكم بريئاً من سمات النقائص.
﴿باللغو في أيمانكم﴾ أن تحلفوا بآلائه عن التبرم من ولائه لملالة النفوس وكلالة القوي واستيلاء النفس وغلبة سلطان الهوى في أثناء المجاهدات وإعواز المشاهدات ﴿ولكن يؤاخذكم﴾ إذا عزمتم على الهجران وتعرضتم للخذلان ﴿فكفارته﴾ حينئذ ﴿إطعام عشرة مساكين﴾ الحواس الظاهرة والباطنة. ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ وهم القلب والسر والروح والخفاء، طعامهم الشوق والمحبة والصدق والإخلاص والتفويض والتسليم والرضا والأنس والهيبة والشهود والكشوف، وأوسطه الذكر والتذكر والفكر والتفكر والشوق والتوكل والتعبد والخوف والرجاء يشغل الحواس العشرة بهذه الأمور، أو يكسوهم لباس التقوى، أو يحرر رقبة النفس من عبودية الحرص والهوى ﴿فمن لم يجد﴾ أمسك في اليوم الماضي عما عزم عليه وفي اليوم الحاضر عما لا يعنيه وفي اليوم المستقبل عن العود إليه. ومن لغو اليمين عند أرباب اليقين أن الطالب الصادق عند غلبات الشوق ووجدان الذوق يقسم عليه بجماله وحلاله أن يرزقه شيئاً من إقباله ووصاله وذلك في شريعة الرضا لغو، وفي مذهب التسليم سهو ولكن يرجى له عفو فلا يؤاخذه بمقاله لعلمه بضعف حاله والكمال في الثبات والاستقامة.
أريـد وصـالـه ويـريـد هجـري فـأتـرك مـا أريـد لمـا يـريـد
ومن اللغو في اليمين عندهم ما يجري على لسانهم في حال غلبات الوجد من تجديد العهد وتأكيد العقد كقول بعضهم :
فإن هذا ينافي التوحيد وأين في دار ديار كلا بل هو الله الواحد القهار ﴿ليس على الذين آمنوا﴾ بالتقليد ﴿وعملوا الصالحات﴾ الأعمال البدنية الشرعية ﴿جناح فيما طعموا﴾ من المباحات ﴿إذا ما اتقوا﴾ الشبهة والإسراف ﴿وآمنوا﴾ بالتحقيق بعد التقليد ﴿وعملوا الصالحات﴾ الأعمال القلبية الحقيقية من تخلية القلب عما سواه ومن تحليته بالأخلاق المضادة لهواه كالصدق والإخلاص والتوكل والتسليم وما عداه ﴿ثم اتقوا﴾ شرك الأنانية ﴿وآمنوا﴾ بهويته ﴿ثم اتقوا﴾ هذا الشرك وهو الفناء في الفناء ﴿وأحسنوا﴾ وهو البقاء به فافهم جعل الله البلاء لأهل الولاء كاللهب للذهب فقال ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ إيمان المحسنين الذين تجردوا عن ملاذ الدنيا وشهواتها الحلال وأحرموا بحج الوصول وعمرة الوصال ﴿ليبلونكم الله﴾ في أثناء السلوك بشيء من الصيد وهو المطالب النفسانية والمقاصد الدنيوية الدنية. ﴿تناله أيديكم﴾ يعني اللذات البدنية ورماحكم يعني اللذات الخيالية ﴿فله عذاب﴾ الردّ والصد ﴿ولا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ يعني من أحرم لزيارة كعبة الوصال فعليه حسم الأطماع من الحرام والحلال ﴿متعمداً﴾ أي عالماً بما في الالتفات إلى غيره من المضار ﴿مثل ما قتل من النعم﴾ يجازي نفسه برياضة ومجاهدة يماثل ألمها تلك اللذة ﴿ذوا عدل﴾ هما القلب والروح يحكمان على مقدار الإسلام وعلى حسب قوّة السالك بتقليل الطعام والشراب، أو ببذل المال أو بترك الجاه أو بالعزلة وضبط الحواس ﴿هدياً بالغ الكعبة﴾ خالصاً عن الخلق لأجل الحق ﴿طعام مساكين﴾ هم العقل والقلب والسر والروح والخفاء كانوا محرومين عن أغذيتهم الروحانية فيطعمهم المعاملات الروحانية من صدق التوجه والصبر على المكاره والفطام عن المألوفات ومن الشكر والرضا وغير ذلك.
﴿أو عدل ذلك صياماً﴾ هو الإمساك عن الأغيار والركون إلى الواحد القهار لتذوق النفس الأمارة وبال أمرها، فإن كل هذه الأمور على خلاف طبعها ﴿ذو انتقام﴾ ينتقم من أحبائه بنقاب الدلال، ومن أعدائه بحجاب الملام والملال. ﴿أحل لكم صيد﴾ بحر المعارف والكشوف تنتفعون بالواردات وتطعمون منها السائرين إلى الله من أهل الإرادات ﴿صيد البر﴾ ما سنح للسائرين من مطالب الدنيا ﴿ما دمتم حرماً﴾ أي في حال المحو لا في حال الصحو. ﴿جعل الله الكعبة﴾ كعبة الظاهر ﴿قياماً﴾ للعوام والخواص يستنجحون بها حاجاتهم الدنيوية والأخروية، وكعبة القلب قواماً للخواص ولخواص الخواص يلوذون بها بدوام الذكر ونفي الخواطر حتى يعلموا أن لا موجود إلا هو، ولا وجود إلا له ﴿البيت الحرام﴾ حرام أن يسكن في كعبة القلب غيره والشهر الحرام هو أيام الطلب حرام على الطالب فيها مخالطة الخلق وملاحظة ما سوى الحق. والهدي هو النفس البهيمية تساق إلى كعبة القلب مع قلائد أركان الشريعة فتذبح على عتبة القلب بسكين آداب الطريقة عن شهواتها، فإذا وصل العبد إلى كعبة القلب شاهد بأنواره أن لله ما في السموات وما في الأرض. ﴿شديد العقاب﴾ يسدل الحجاب لغير الأحباء غفور رحيم للصادقين في الطلب بفتح الأبواب ﴿إلا البلاغ﴾ بالقال يتلو عليهم آياته وبالحال ويزكيهم ﴿ما تبدون﴾ بإقرار اللسان ﴿وما تكتمون﴾ من تصديق الجنان الخبيث ما يشغلك عن الله والطيب ما يوصلك إلى الله بل الطيب هو الله والخبيث ما سوى الله وفي ذلك كثرة والله أعلم.
﴿مبصوطتان﴾ [المائدة: ٦٤] ﴿فجزاء﴾ بالتنوين ﴿مثل﴾ بالرفع : يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم عن المفضل. ﴿كفارة طعام﴾ بالإضافة : أبو جعفر ونافع وابن عامر. الباقون ﴿كفارة﴾ بالتنوين ﴿طعام﴾ بالرفع ﴿فبما﴾ بغير ألف ابن عامر.
الوقوف :﴿ولا تعتدوا﴾ ط ﴿المعتدين﴾ ه ﴿طيباً﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿مؤمنون﴾ ه ﴿الأيمان﴾ ج لاختلاف النظم مع اتحاد الكلام وفاء التعقيب. ﴿رقبة﴾ ط ﴿ثلاثة أيام﴾ ط ﴿حلفتم﴾ ط للإضمار أي حلفتم وحنثتم ﴿أيمانكم﴾ ط ﴿تشكرون﴾ ه ﴿تفلحون﴾ ه ﴿وعن الصلاة﴾ ج لابتداء الاستفهام لأجل التحذير مع دخول الفاء فيه. ﴿منتهون﴾ ه ﴿واحذروا﴾ ط ﴿المبين﴾ ه ﴿وأحسنوا﴾ ط ﴿المحسنين﴾ ه ﴿بالغيب﴾ ج ﴿أليم﴾ ه ﴿وأنتم حرم﴾ ط ﴿وبال أمره﴾ ط ﴿سلف﴾ ط ﴿منه﴾ ط ﴿انتقام﴾ ه ﴿وللسيارة﴾ ج لطول الكلام وتضاد المعنيين وإن اتفقت الجملتان لفظاً. ﴿حرما﴾ ط لإطلاق الأمر بالابتداء ﴿تحشرون﴾ ه ﴿والقلائد﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿رحيم﴾ ه ﴿البلاغ﴾ ط ﴿تكتمون﴾ ه ﴿كثرة الخبيث﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿تفلحون﴾ ه.
و﴿كلوا﴾ أمر إباحة وتحليل ﴿مما رزقكم الله﴾ في إدخال «من » التبعيضية إرشاد إلى الاقتصاد والاقتصار في الأكل على البعض وصرف الباقي إلى المحتاجين، وفيه أنه تعالى هو الذي يرزق عبيده وتكفل برزقهم. قال في التفسير الكبير : قوله ﴿حلالاً طيباً﴾ إن كان متعلقاً بالأكل كان حجة للمعتزلة على أن الرزق لا يكون إلا حلالاً لأنه يدل على الإذن في أكل كل ما رزق الله تعالى وإنما يأذن في أكل الحلال فيلزم أن يكون كل رزق حلالاً، وإن كان متعلقاً بالمأكول أي كلوا من الرزق الذي يكون حلالاً كان حجة لأصحابنا لأن التقييد يؤذن بأن الرزق قد لا يكون حلالاً. أقول : هذا فرق ضعيف ولهذا قال في الكشاف :﴿حلالاً﴾ حال ﴿مما رزقكم الله﴾ مع أنه من المعتزلة. ثم أكد التوصية بقوله ﴿واتقوا الله﴾ وزاده تأكيداً بقوله ﴿الذي أنتم به مؤمنون﴾ لأن الإيمان به يوجب اتقاءه في أوامره ونواهيه.
﴿باللغو في أيمانكم﴾ أن تحلفوا بآلائه عن التبرم من ولائه لملالة النفوس وكلالة القوي واستيلاء النفس وغلبة سلطان الهوى في أثناء المجاهدات وإعواز المشاهدات ﴿ولكن يؤاخذكم﴾ إذا عزمتم على الهجران وتعرضتم للخذلان ﴿فكفارته﴾ حينئذ ﴿إطعام عشرة مساكين﴾ الحواس الظاهرة والباطنة. ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ وهم القلب والسر والروح والخفاء، طعامهم الشوق والمحبة والصدق والإخلاص والتفويض والتسليم والرضا والأنس والهيبة والشهود والكشوف، وأوسطه الذكر والتذكر والفكر والتفكر والشوق والتوكل والتعبد والخوف والرجاء يشغل الحواس العشرة بهذه الأمور، أو يكسوهم لباس التقوى، أو يحرر رقبة النفس من عبودية الحرص والهوى ﴿فمن لم يجد﴾ أمسك في اليوم الماضي عما عزم عليه وفي اليوم الحاضر عما لا يعنيه وفي اليوم المستقبل عن العود إليه. ومن لغو اليمين عند أرباب اليقين أن الطالب الصادق عند غلبات الشوق ووجدان الذوق يقسم عليه بجماله وحلاله أن يرزقه شيئاً من إقباله ووصاله وذلك في شريعة الرضا لغو، وفي مذهب التسليم سهو ولكن يرجى له عفو فلا يؤاخذه بمقاله لعلمه بضعف حاله والكمال في الثبات والاستقامة.
أريـد وصـالـه ويـريـد هجـري فـأتـرك مـا أريـد لمـا يـريـد
ومن اللغو في اليمين عندهم ما يجري على لسانهم في حال غلبات الوجد من تجديد العهد وتأكيد العقد كقول بعضهم :
| وحقنك مـا نظـرت إلى سـواكـا | بعـين مـودّة حتـى أراكـا |
﴿أو عدل ذلك صياماً﴾ هو الإمساك عن الأغيار والركون إلى الواحد القهار لتذوق النفس الأمارة وبال أمرها، فإن كل هذه الأمور على خلاف طبعها ﴿ذو انتقام﴾ ينتقم من أحبائه بنقاب الدلال، ومن أعدائه بحجاب الملام والملال. ﴿أحل لكم صيد﴾ بحر المعارف والكشوف تنتفعون بالواردات وتطعمون منها السائرين إلى الله من أهل الإرادات ﴿صيد البر﴾ ما سنح للسائرين من مطالب الدنيا ﴿ما دمتم حرماً﴾ أي في حال المحو لا في حال الصحو. ﴿جعل الله الكعبة﴾ كعبة الظاهر ﴿قياماً﴾ للعوام والخواص يستنجحون بها حاجاتهم الدنيوية والأخروية، وكعبة القلب قواماً للخواص ولخواص الخواص يلوذون بها بدوام الذكر ونفي الخواطر حتى يعلموا أن لا موجود إلا هو، ولا وجود إلا له ﴿البيت الحرام﴾ حرام أن يسكن في كعبة القلب غيره والشهر الحرام هو أيام الطلب حرام على الطالب فيها مخالطة الخلق وملاحظة ما سوى الحق. والهدي هو النفس البهيمية تساق إلى كعبة القلب مع قلائد أركان الشريعة فتذبح على عتبة القلب بسكين آداب الطريقة عن شهواتها، فإذا وصل العبد إلى كعبة القلب شاهد بأنواره أن لله ما في السموات وما في الأرض. ﴿شديد العقاب﴾ يسدل الحجاب لغير الأحباء غفور رحيم للصادقين في الطلب بفتح الأبواب ﴿إلا البلاغ﴾ بالقال يتلو عليهم آياته وبالحال ويزكيهم ﴿ما تبدون﴾ بإقرار اللسان ﴿وما تكتمون﴾ من تصديق الجنان الخبيث ما يشغلك عن الله والطيب ما يوصلك إلى الله بل الطيب هو الله والخبيث ما سوى الله وفي ذلك كثرة والله أعلم.