جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلََكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقّدتّمُ الأيْمَانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيّامٍ ذَلِكَ كَفّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوَاْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. .
يقول تعالى ذكره للذين كانوا حرّموا على أنفسهم الطيبات من أصحاب رسول الله ﷺ وكانوا حرّموا ذلك بأيمان حلفوا بها، فنهاهم عن تحريمها، وقال لهم : لا يؤاخذكم ربكم باللغو في أيمانكم.
كما : حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : لما نزلت : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ في القوم الذين كانوا حرّموا النساء واللحم على أنفسهم، قالوا : يا رسول الله، كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : " لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ باللّغْوِ فِي أيمَانِكُمْ. . . " الآية.
فهذا يدلّ على ما قلنا من أن القوم كانوا حرّموا على أنفسهم بأيمان حلفوا بها، فنزلت هذه الآية بسببهم.
واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز وبعض البصريين : " وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ بتشديد القاف، بمعنى : وكدتم الأيمان وردّدتموها وقرّاء الكوفيين :«بِمَا عَقَدْتُمُ الأَيمَانَ » بتخفيف القاف، بمعنى : أوجبتموها على أنفسكم، وعزمت عليها قلوبُكم.
وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ بتخفيف القاف، وذلك أن العرب لا تكاد تستعمل فعلت في الكلام، إلا فيما يكون فيه تردّد مرّة بعد مرّة، مثل قولهم : شدّدت على فلان في كذا إذا كرّر عليه الشدّ مرّة بعد أخرى، فإذا أرادوا الخبر عن فعل مرّة واحدة قيل : شَددت عليه بالتخفيف. وقد أجمع الجميع لا خلاف بينهم أن اليمين التي تجب بالحنث فيها الكفارة تلزم بالحنث في حلف مرّة واحدة وإن لم يكرّرها الحالف مرّات، وكان معلوما بذلك أن الله مؤاخذ الحالف العاقد قلبه على حلفه وإن لم يكرّره ولم يردّده، وإذا كان ذلك كذلك لم يكن لتشديد القاف من عقّدتم وجه مفهوم. فتأويل الكلام إذن : لا يؤاخذكم الله أيها المؤمنون من أيمانكم بما لغوتم فيه، ولكن يؤاخذكم بما أوجبتموه على أنفسكم منها وعقدت عليه قلوبكم. وقد بينا اليمين التي هي لغو والتي الله مؤاخذٌ العبدَ بها، والتي فيها الحنث والتي لا حنث فيها، فيما مضى من كتابنا هذا فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع.
وأما قوله : بِمَا عَقّدْتُمُ الأَيمَانَ فإن هنادا : حدثنا قال : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :" وَلَكِنْ يَؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقّدْتُمُ الأَيَمانَ " قال : بما تعمدتم.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن :" وَلَكِنْ يَؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقّدْتُمُ الأَيَمانَ " يقول : ما تعمدتَ فيه المأثم، فعليك فيه الكفارة.

القول في تأويل قوله تعالى : " فَكَفّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ ".


اختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله :" فَكَفّارَتُهُ " على ما هي عائدة، ومن ذكر ما ؟ فقال بعضهم : هي عائدة على «ما » التي في قوله : بِمَا عَقّدْتُمُ الأَيمَانَ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن عوف، عن الحسن في هذه الاية : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ باللّغْوِ فِي أيمَانِكُمْ قال : هو أن تحلف على الشيء وأنت يخيل إليك أنه كما حلفت وليس كذلك، فلا يؤاخذكم الله، فلا كفارة، ولكن المؤاخذة والكفارة فيما حلفت عليه على علم.
حدثنا ابن حميد، وابن وكيع، قالا : حدثنا جرير، عن منصور، عن مغيرة، عن الشعبي، قال : اللغو ليس فيه كفارة وَلَكِنْ يَؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقّدْتُمُ الأَيَمانَ قال : ما عقد فيه يمينه فعليه الكفارة.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حصين، عن أبي مالك، قال : الأيمان ثلاث : يمين تكفّر، ويمين لا تكفّر، ويمين لا يؤاخذ بها صاحبها. فأما اليمين التي تكفر، فالرجل يحلف على الأمر لا يفعله ثم يفعله، فعليه الكفارة. وأما اليمين التي لا تكفر : فالرجل يحلف على الأمر يتعمد فيه الكذب، فليس فيه كفارة. وأما اليمين التي لا يؤاخذ بها صاحبها : فالرجل يحلف على الأمر يرى أنه كما حلف عليه فلا يكون كذلك، فليس عليه فيه كفارة، وهو اللغو.
حدثنا يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا ابن أبي ليلى، عن عطاء، قال : قالت عائشة : لغو اليمين ما لم يعقد عليه الحالف قلبه.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : حدثنا هشام، قال : حدثنا حماد، عن إبراهيم، قال : ليس في لغو اليمين كفارة.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن عروة حدثه أن عائشة قالت : أيمان الكفارة كلّ يمين حلف فيها الرجل على جدّ من الأمور في غضب أو غيره ليفعلنّ ليتركنّ، فذلك عقد الأيمان التي فرض الله فيها الكفارة، وقال تعالى ذكره : " لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ باللّغْوِ فِي إيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يَؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقّدْتُمُ الأَيَمانَ ".
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، وعن عليّ بن أبي طلحة، قالا : ليس في لغو اليمين كفارة.
حدثنا بشر، قال : حدثنا جامع بن حماد، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن :" وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقّدْتُمُ الأَيَمانَ " يقول : ما تعمدت فيه المأثم فعليك فيه الكفارة. قال : وقال قتادة : أما اللغو فلا كفارة فيه.
حدثنا هناد، قال : حدثنا عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قال : لا كفارة في لغو اليمين.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عمرو العبقري، عن أسباط، عن السديّ : ليس في لغو اليمين كفارة.
فمعنى الكلام على هذا التأويل : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان، فكفارة ما عقدتم منها : إطعام عشرة مساكين.
وقال آخرون : الهاء في قوله : فَكَفّارَتُهُ عائدة على اللغو، وهي كناية عنه. قالوا : وإنما معنى الكلام : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم إذا كفرتموه، ولكن يؤاخذكم إذا عقدتم الأيمان فأقمتم على المضيّ عليه بترك الحنث والكفارة فيه، والإقامة على المضيّ عليه غير جائزة لكم، فكفّارة اللغو منها إذا حنثتم فيه : إطعام عشرة مساكين. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله : " لا يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقّدْتُمُ الأَيَمانَ " قال : هو الرجل يحلف على أمر ضرار أن يفعله فلا يفعله، فيرى الذي هو خير منه، فأمره الله أن يكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير. وقال مرّة أخرى قوله : " لا يؤاخذكم بِمَا عَقّدْتُمُ الأَيَمانَ. . . " إلى قوله : " بِمَا عَقّدْتُمُ الأيمَانَ " قال : واللغو من اليمين هي التي تكفر لا يؤاخذ الله بها، ولكن من أقام على تحريم ما أحلّ الله له ولم يتحوّل عنه ولم يكفّر عن يمينه، فتلك التي يؤاخذ بها.
حدثنا هناد، قال : حدثنا حفص بن غياث، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن جبير، قوله : " لا يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقّدْتُمُ الأَيَمانَ " قال : هو الذي يحلف على المعصية فلا يفي، فيكفّر.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا داود، عن سعيد بن جبير :" لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ باللّغْوِ فِي أيمَانِكُمْ " قال : هو الرجل يحلف على المعصية فلا يؤاخذه الله تعالى، يكفّر عن يمينه ويأتي الذي هو خير، ولَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بما عَقّدْتُمُ الأَيْمَانَ، الرجل يحلف على المعصية ثم يقيم عليها، فكفارته إطعام عشرة مساكين.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن عُلَية، قال : أخبرنا داود، عن سعيد بن جبير، قال في لغو اليمين : هي اليمين في المعصية، فقال : أو لا تقرأ فتفهم ؟ قال :" لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ باللّغْوِ فِي أيمانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقّدْتُمُ الأَيمَانَ " قال : فلا يؤاخذه بالإلغاء، ولكن يؤاخذه بالمقام عليها. قال : وقال : وَلا تَجْعَلُوا اللّهَ عُرْضَةً لأَيمَانِكُمْ.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله :" لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ باللّغْوِ فِي أيمَانِكُمْ " قال : هو الرجل يحلف على المعصية فلا يؤاخذه الله بتركها إن تركها. قلت : وكيف يصنع ؟ قال : يكفّر يمينه، ويترك المعصية.
حدثني يحيى بن جعفر، قال : حدثنا يزيد بن هارون، قال : أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله : " لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ باللّغْوِ فِي أيمانِكُمْ " قال : اليمين المكفرة.
حدثنا هناد، قال : حدثنا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال : اللغو : يمين لا يؤاخذ بها صاحبها، وفيها كفارة.
والذي هو أولى عندي بالصواب في ذلك، أن تكون الهاء في قوله : فَكَفّارَتُهُ عائدة على «ما » التي في قوله : " بِمَا عَقّدْتُمُ الأَيمَانَ " لما قدّمنا فيما مضى قبل، أن من لزمته في يمينه كفارة وأوخذ بها غير جائز أن يقال لمن قد أوخذ : لا يؤاخذه الله باللغو، وفي قوله تعالى : " لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ باللّغْوِ فِي أيمانِكُمْ " دليل واضح أنه لا يكون مؤاخذ بوجه من الوجوه من أخبرنا تعالى ذكره أنه غير مؤاخذ.
فإن ظنّ ظانّ أنه إنما عنى تعالى ذكره بقوله : " لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ باللّغْوِ فِي أيمانِكُمْ بالعقوبة عليها في الآخرة إذا حنثتم وكفّرتم، لا أنه لا يؤاخذهم بها في الدنيا بتكفير، فإن إخبار الله تعالى ذكره وأمره ونهيه في كتابه على الظاهر العامّ عندنا بما قد دللنا على صحة القول به في غير هذا الموضع فأغنى عن إعادته، دون الباطن العامّ الذي لا دلالة على خصوصه في عقل ولا خبر ولا دلالة من عقل ولا خبر، أنه عنى تعالى ذكره بقوله : " لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ باللّغْوِ فِي أيمانِكُمْ " بعض معاني المؤاخذة دون جميعها. وإذ كان ذلك كذلك، وكان من لزمته كفارة في يمين حنث فيها مؤاخذا بها بعقوبة في ماله عاجلة، كان معلوما أنه غير الذي أخبرنا تعالى ذكره أنه لا يؤاخذه بها. وإذا كان الصحيح من التأويل في ذلك ما قلنا بالذي عليه دللنا، فمعنى الكلام إذن : لا يؤاخذكم الله أيها الناس بلغو من القول والأيمان إذا لم تتعمدوا بها معصية الله تعالى ولا خلاف أمره ولم تقصدوا بها إثما، ولكن يؤاخذكم بما تعمدتم به ا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى