فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾ أي ليختبرنكم، واللام جواب قسم محذوف، كان الصيد أحد معايش العرب فابتلاهم الله بتحريمه مع الإحرام وفي الحرم، كما ابتلى بني إسرائيل أن لا يعتدوا في السبت، وكان نزول الآية في عام الحديبية، أحرم بعضهم وبعضهم لم يحرم، فكان إذا عرض صيدهم اختلفت فيه أحوالهم.
وقد اختلف العلماء في المخاطبين بهذه الآية، هل هم المحلون أو المحرمون ؟ فذهب إلى الأوّل : مالك وإلى الثاني : ابن عباس، والراجح أن الخطاب للجميع، ولا وجه لقصره على البعض دون البعض، و«من » في ﴿مّنَ الصيد﴾ للتبعيض وهو صيد البر، قاله ابن جرير الطبري وغيره ؛ وقيل : إن «من » بيانية أي شيء حقير من الصيد، وتنكير شيء للتحقير. قوله :﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ورماحكم﴾ قرأ ابن وثاب :﴿يناله﴾ بالياء التحتية، هذه الجملة تقتضي تعميم الصيد، وأنه لا فرق بين ما يؤخذ باليد، وهو ما لا يطيق الفرار كالصغار والبيض، وبين ما تناله الرماح : وهو ما يطيق الفرار، وخصّ الأيدي بالذكر لأنها أكثر ما يتصرّف به الصائد في أخذ الصيد، وخص الرماح بالذكر ؛ لأنها أعظم الآلات للصيد عند العرب. قوله :﴿لِيَعْلَمَ الله مَن يَخَافُهُ بالغيب﴾ أي : ليتميز عند الله من يخافه منكم بسبب عقابه الأخروي فإنه غائب عنكم غير حاضر، ﴿فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك فَلَهُ عَذَاب أَلِيم﴾ أي بعد هذا البيان الذي امتحنكم الله به، لأن الاعتداء بعد العلم بالتحريم معاندة لله سبحانه وتجرئة عليه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن الحكم، أن عمر كتب أن يحكم عليه في الخطأ والعمد. وأخرجا نحوه عن عطاء. وقد روي نحو هذا عن جماعات من السلف، من غير فرق بين العامد والخاطىء والناسي، وروي عن آخرين اختصاص ذلك بالعامد.
وللسلف في تقدير الجزاء المماثل، وتقدير القيمة أقوال مبسوطة في مواطنها. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال في بيضة النعام :" صيام يوم أو إطعام مسكين " وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن ذكوان، عن النبيّ ﷺ مثله. وأخرج أيضاً عن عائشة، عنه ﷺ نحوه. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، من طريق أبي المهزّم عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال :" في بيض النعام ثمنه " وقد استثنى النبي ﷺ من حيوانات الحرم الخمس الفواسق، كما ورد ذلك في الأحاديث فإنه يجوز للمحرم أن يقتلها ولا شيء عليه.
وأخرج ابن جرير، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى :﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ متاعا لَّكُمْ﴾ " ما لفظ ميتاً فهو طعامه " وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة موقوفاً مثله. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي بكر الصدّيق نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة أن أبا بكر الصدّيق قال في قوله :﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ﴾ قال : صيد البحر ما تصطاده أيدينا، وطعامه ما لاثه البحر، وفي لفظ :" كل ما فيه ". وفي لفظ «طعامه ميتته». ويؤيد هذا ما في الصحيحين من حديث العنبرة التي ألقاها البحر فأكل الصحابة منها، وقرّرهم رسول الله ﷺ على ذلك، وحديث هو :﴿الطهور ماؤه والحل ميتته﴾ وحديث :" أحلّ لكم ميتتان ودمان " وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام قِيَاماً للنَّاسِ﴾ قال : قياماً لدينهم ومعالم حجهم. وأخرج ابن جرير، عنه قال : قيامها أن يأمن من توجه إليها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن شهاب قال : جعل الله الكعبة البيت الحرام والشهر الحرام قياماً للناس يأمنون به في الجاهلية الأولى، لا يخاف بعضهم من بعض حين يلقونهم عند البيت، أو في الحرم، أو في الشهر الحرام. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله :﴿جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام قِيَاماً لّلنَّاسِ والشهر الحرام والهدى والقلائد﴾ قال : حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية، فكان الرجل لو جرّ كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يقرب، وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام، لم يعرض له ولم يقربه، وكان الرجل لو لقي الهدي مقلداً وهو يأكل العصب من الجوع لم يعرض له ولم يقربه، وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادة من شعر، فحمته ومنعته من الناس، وكان إذا نفر تقلد قلادة من الإذخر أو من السمر، فتمنعه من الناس حتى يأتي أهله حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية.
وأخرج أبو الشيخ، عن زيد بن أسلم ﴿قِيَاماً للنَّاسِ﴾ قال أمنا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى