المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد﴾ أي ليختبركم ليرى طاعتكم من معصيتكم وصبركم من عجزكم عن الصيد، وكان الصيد أحد معايش العرب العاربة، وشائعاً عند الجميع منهم مستعملا جداً، فابتلاهم الله فيه مع الإحرام أو الحرم كما ابتلى بني إسرائيل في أن لا يعتدوا في السبت(٦).
و﴿من﴾ تحتمل أن تكون للتبعيض، فالمعنى من صيد البر دون البحر، ذهب إليه الطبري وغيره، ويحتمل أن يكون التبعيض في حالة الحرمة إذ قد يزول الإحرام ويفارق الحرم، فصيد بعض هذه الأحوال بعض الصيد على العموم، ويجوز أن تكون لبيان الجنس، قال الزجّاج وهذا كما تقول لأمتحننك بشيء من الرزق، وكما قال تعالى :﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾(٧) وقوله ﴿بشيء﴾ يقتضي تبعيضاً ما وقد قال كثير من الفقهاء إن الباء في قوله تعالى :﴿وامسحوا برؤوسكم﴾(٨) أعطت تبعيضاً ما، وقرأ ابن وثاب والنخعي «يناله » بالياء منقوطة من تحت، وقال مجاهد الأيدي تنال الفراخ والبيض وما لا يستطيع أن يفر، والرماح تنال كبار الصيد.
قال القاضي أبو محمد : والظاهر أن الله تعالى خص الأيدي بالذكر لأنها عظم(٩) المتصرف في الاصطياد، وهي آلة الآلات وفيها تدخل الجوارح والحبالات، وما عمل باليد من فخاخ وشباك، وخص الرماح بالذكر لأنها ُعْظم ما يجرح به الصيد، وفيها يدخل السهم ونحوه، واحتج بعض الناس على أن الصيد(١٠) للآخذ لا للمثير بهذه الآية، لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه بعد شيئاً، وقوله تعالى ﴿ليعلم﴾ معناه ليستمر علمه عليه وهو موجود إذ علم تعالى ذلك في الأزل. وقرأ الزهري «ليُعلِم الله » بضم الياء وكسر اللام أي ليعلم عباده، و ﴿بالغيب﴾ قال الطبري معناه في الدنيا حيث لا يرى العبد ربه فهو غائب عنه، والظاهر أن المعنى بالغيب من الناس أي في الخلوة فمن خاف الله انتهى عن الصيد من ذات نفسه، وقد خفي له لو صاد، ثم توعد تعالى من اعتدى بعد هذا النهي الذي يأتي وهو الذي أراد بقوله ﴿ليبلونكم﴾ وأشار إليه قوله ﴿ذلك﴾ والعذاب الأليم هو عذاب الآخرة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى