تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد )
وليس فيه بيان أنه ابتلى بالأمر فيه أو بالنهي، لكن بيانه في آية أخرى ؛ إنما كان الابتلاء بالنهي عن الاصطياد بقوله تعالى :( وإذا حللتم فاصطادوا )[ الآية : ٢ ]. ودل هذا على أن المحرم كان منهيا عن الاصطياد بقوله :( وإذا حللتم )، وأن الابتلاء الذي ذكر في الآية كان بالنهي عن الاصطياد، والله أعلم.
ثم اختلف في الآية : قال بعضهم : النهي ( بشيء من الصيد ) لأهل الحرم. ألا ترى أنه روي في الخبر [ أنه قال رسول الله ﷺ ][ في الأصل وم : قال ] :«لا ينفر صيدها ». وأما المحرم فإنما نهي عن الاصطياد بقوله تعالى :( وإذا حللتم فاصطادوا )[ الآية : ٢ ]، وبقوله تعالى :( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم )[ الآية : ٩٥ ].
وقال آخرون : الابتلاء بالنهي عن الاصطياد للمحرمين، وفي قوله تعالى :( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم )[ الآية : ٩٥ ] نهى عن قتله. وهناك نهي عن أخذه بقوله تعالى :( تناله أيديكم )[ الآية : ٩٤ ] وقوله تعالى :( بشيء من الصيد ) أي في بعض الصيد دون بعض، لأن المحرم لم ينه عن أخذ صيد البحر بقوله تعالى :( أحل لكم صيد البحر ) وقوله[ في الأصل وم : وقال ] تعالى :( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما )[ الآية : ٩٦ ]. فذلك معنى قوله تعالى :( بشيء من الصيد )، والله أعلم.
ويحتمل على التقديم والتأخير، كأنه قال : ليبلونكم الله بشيء تناله أيديكم ورماحكم من الصيد، والله أعلم.
ثم اختلف في قوله تعالى :( تناله أيديكم ) قال بعضهم : ما تناله الأيدي هو البيض، وعلى هذا يخرج قولنا : إن المحرم منهي عن أخذ البيض. فإن أخذ بيضا فإن عليه الجزاء.
والذي يدل على ذلك ما روى أبو هريرة رضي الله عنه ؛ قال : قال/١٣٩-أ/ رسول الله ﷺ «في بيض النعام صيام يوم أو إطعام مسكين »[ البيهقي في الكبرى٥/٢٠٧ ] وعن كعب بن عجوة أن رسول الله ﷺ قضى في بيض نعام أصابه محرم بيمينه، وعن ابن عباس رضي الله عنه بثمنه[ في الأصل وم : ثمنه ] أو قيمته. وعن ابن مسعود رضي الله عنه مثله.
وقال بعضهم :( تناله أيديكم ) هو صيد الصغار، وهي الفراخ التي لا تطير، فيؤخذ بالأيدي.
وقوله تعالى :( ورماحكم ) قال بعضهم : ما رميت، وطعنت. وقيل في قوله تعالى :( تناله أيديكم ) ما يؤخذ بغير سلاح ( ورماحكم ) ما يؤخذ بالسلاح من نحو النبل والرماح وغيرهما من السلاح.
ثم في الآية دلالة أن المحرم قد نهي عن أخذ الصيد، وكذلك في قوله تعالى :( فاصطادوا )[ الآية : ٢ ] والاصطياد هو الأخذ لا القتل. وإنما النهي عن القتل في قوله تعالى :( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم )[ الآية : ٩٥ ].
وقوله تعالى :( ليعلم الله من يخافه بالغيب ) ليعلم ما قد علم أنه يكون كائنا، أو يقال : ليعلم ما قد علم غائبا عن الخلق شاهدا كقوله تعالى :( عالم الغيب والشهادة ) الآية[ الأنعام : ٧٣و. . . ].
وقوله تعالى :( من يخافه بالغيب ) اختلف فيه : قال بعضهم :( يخافه بالغيب ) بغيب الناس أي يخافه وإن لم يكن بحضرته أحد. وقال آخرون : يخاف العذاب بالإخبار، وإن لم يشهد، ويصدّق. والله أعلم.
وقوله تعالى :( فمن اعتدى بعد ذلك ) أي من استحلّ قتل الصيد بعد ما ورد النهي والتحريم ( فله عذاب أليم ) إن شاء عذّب، وإن شاء عفا. وإذا عذب كان عذابه أليما.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى