الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿لِّلْمُصَلِّينَ﴾ خبرٌ لقولِه :" فوَيْلٌ " والفاءُ للتسَبُّبِ، أي : تَسَبَّبَ عن هذه الصِّفاتِ الذَّميمةِ الدعاءُ عليهم بالوَيْلِ لهم. قال الزمخشري بعد قولِه :" كأنَّه قيل : أخْبِرْني، وما تقول فيمَنْ يُكذِّبُ بالدين إلى قوله : أنِعْمَ ما يصنعُ "، ثم قال الله تعالى :﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾، أي : إذا عُلِمَ أنَّه مُسِيْءٌ فوَيْلٌ للمُصَلِّيْنَ على معنى فوَيْلٌ لهم، إلاَّ أنَّه وَضَعَ صفتَهم موضعَ ضميرِهم ؛ لأنهم كانوا مع التكذيب وما أُضيفَ إليه ساهين عن الصلاة مُرائين غيرَ مُزكِّيْنَ أموالَهم. فإنْ قلتَ : كيف جَعَلْتَ المُصَلِّين قائماً مَقامَ ضميرِ الذي يُكَذِّبُ وهو واحدٌ ؟ قلت : لأنَّ معناه الجمعُ، لأنَّ المرادَ به الجنسُ ".
قال الشيخ :" وأمَّا وَضْعُه المُصَلِّين موضعَ الضميرِ، وأنَّ المُصَلِّيْنَ جمعٌ ؛ لأنَّ ضميرَ الذي يُكذِّبُ معناه الجمعُ فتكلُّفٌ واضحٌ. ولا يَنْبغي أَنْ يُحْمَلَ القرآنُ إلاَّ على ما عليه الظاهرُ، وعادةُ هذا الرجلِ تكلُّفُ أشياءَ في فَهْمِ القرآنِ ليسَتْ بواضحةٍ " انتهى. قلت : وعادةُ شيخِنا - رحمه الله - التَّحامُل على الزمخشري حتى يَجْعلَ حسَنَه قبيحاً. وكيف يُرَدُّ ما قاله وفيه ارتباطُ الكلامِ بعضِه ببعضٍ، وجَعْلُه شيئاً واحداً، وما تضمَّنه من المبالغةِ في الوعيدِ في إبرازِ وَصْفِهم الشَّنيعِ ؟ ولا يُشَكُّ أنَّ الظاهرَ من الكلامِ أن السورةَ كلَّها في وصفِ قومٍ جَمَعوا بين هذه الأوصافِ كلِّها : من التكذيبِ بالدِّين، ودَفْعِ اليتيمِ، وعَدَمِ الحَضِّ على طعامِه، والسَّهْوِ في الصلاة، والمُراءاةِ، ومَنْعِ الخيرِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى