مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي

عن الكتاب
ثم وصل به قوله ﴿فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ الذين هُمْ عَن صلاتهم سَاهُونَ الذين هُمْ يُرَاءونَ وَيَمْنَعُونَ الماعون﴾ يعني بهذا المنافقين لا يصلونها سراً ؛ لأنهم لا يعتقدون وجوبها، ويصلونها علانية رياء. وقيل : فويل للمنافقين الذين يدخلون أنفسهم في جملة المصلين صورة وهم غافلون عن صلاتهم، وأنهم لا يريدون بها قربة إلى ربهم، ولا تأدية للفرض، فهم ينخفضون ويرتفعون، ولا يدرون ماذا يفعلون، ويظهرون للناس أنهم يؤدون الفرائض، ويمنعون الزكاة وما فيه منفعة. وعن أنس والحسن قالا : الحمد لله الذي قال ﴿عَن صلاتهم﴾ ولم يقل «في صلاتهم » ؛ لأن معنى «عن » أنهم ساهون عنها سهو ترك لها، وقلة التفات إليها، ذلك فعل المنافقين. ومعنى «في » أن السهو يعتريهم فيها بوسوسة شيطان أو حديث نفس، وذلك لا يخلو عنه مسلم. وكان رسول الله ﷺ يقع له السهو في صلاته فضلاً عن غيره. والمراءاة مفاعلة من الإراءة ؛ لأن المرائي يرائي الناس عمله، وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب به، ولا يكون الرجل مرائياً بإظهار الفرائض، فمن حقها الإعلان بها لقوله ﷺ :" ولا غمة في فرائض الله "، والإخفاء في التطوع أولى، فإن أظهره قاصداً للاقتداء به كان جميلاً. والماعون : الزكاة. وعن ابن مسعود رضي الله عنه : ما يتعاور في العادة من الفأس والقدر والدلو والمقدحة ونحوها، وعن عائشة رضي الله عنها : الماء والنار والملح والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى