اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قال سعد بن أبي وقَّاص - رضي الله عنه - : قال النبي ﷺ في قوله تعالى ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الذين هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ :«الَّذينَ يُؤخِّرُون الصَّلاة عَنْ وقْتِهَا تهَاوُناً بِهَا »(١).
وقيل : لا يتمُّون ركوعها، ولا سجودها.
وقال إبراهيم : هو الذي يلتفت في سجوده. وقال قطربٌ : هو الذي لا يقرأ ولا يذكر الله، وفي قراءة عبد الله :«الذين هم عن صلاتهم لاهون »(٢).
[ وعن ابن عباس أيضاً : هم المنافقون يتركون الصلاة سراً، ويصلونها علانية﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾ الآية، وهذا يدل على أنها في المنافقين قوله :﴿الذين هُمْ يُرَآءُونَ﴾، ورواه ابن وهب عن مالك رضي الله عنه ](٣).

فصل


قال ابن عبَّاس : ولو قال :«في صلاتهم ساهون » لكانت في المؤمنين(٤)، وقال عطاء : الحمد لله الذي قال :﴿عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ولم يقل : في صلاتهم، فدل على أن الآية في المنافقين(٥).
قال الزمخشريُّ(٦) : فإن قلت : أي فرق بين قوله تعالى :﴿عَن صَلاَتِهِمْ﴾ وبين قوله :«في صلاتهم » ؟
قلت : معنى «عَنْ » أنهم ساهون عنها سهو ترك لها، وقلة التفات إليها، وذلك فعل المنافقين، أو الفسقة الشطار من المسلمين، ومعنى «فِي » أن السَّهو يعتريهم فيها بوسوسة شيطان، أو حديث نفس، وذلك لا يكاد يخلو منه إنسان، وكان النبي ﷺ يقع له السَّهْوُ في صلاته فضلاً عن غيره.
قال ابن الخطيب(٧) : قال كثير من العلماء : إنه ﷺ ما سها في صلاته، لكن أذن الله له في ذلك الفعل بياناً للتشريع في فعل السَّاهي، ثم بتقدير وقوع السهو منه، فالسهو على أقسام :
أحدها : سهو الرسول - عليه الصلاة والسلام - وأصحابه، وذلك يجبر بالسنن تارة، وبالسُّنن والنوافل تارة.
والثاني : ما يكثر في الصلاة من الغفلة، وعدم استحضار النِّيَّة، وهذا يقع كثيراًَ.
والثالث : ترك الصَّلاة، لا إلى قضاء الإخراج من الوقت، ومن ذلك صلاة المُنافق ؛ لأنه يستهزئ بالدين، والفرق بين المُنافق والمُرائي : أنَّ المنافق يبطن الكفر ويظهر الإيمان، والمرائي : إنما يظهرُ زيادة الخُشُوع ليعتقد من يراه دينه، أو يقال : إن المنافق لا يصلي سراً، والمرائي تكون صلاته عند النَّاس.
قال ابن العربي : السَّلامة عند السَّهو محال.
قوله :﴿الذين هُمْ يُرَآءُونَ﴾، أي : يُري الناس أنه يصلي طاعة، وهو يصلي تقيَّة كالفاسق، يري أنه يصلي عبادة، وهو يصلي ليقال : إنه يصلي، وحقيقة الرِّياء : طلب ما في الدنيا بالعبادة، وأصله : طلب المنزلةِ في قُلوب الناس، وهو من وجوه :
أولها : تحسين السَّمت، يريد بذلك الجاه، والثناء.
وثانيها : الرياء بالثياب القصار والخشنة ليتشبه بالزهادِ.
وثالثها : إظهار السخط على الدنيا، وإظهار الوعظ، والتأسّف على فوات الخير والطاعة.
ورابعها : إظهار الصلاة، والصدقة، وتحسين الصلاة ؛ لأجل رؤية الناس، وغير ذلك مما يطول ذكره.

فصل في الرياء


لا يكون الرجل مُرائياً بإظهار العمل المفروض ؛ لأن حق الفرائض الإعلان وإشهارها لقوله ﷺ :«ولا غمةُ فِي فَرائضِ اللهِ »، ولأنها أعلام الإسلام وشرائع الدين، ويستحق تاركها الذم، والمَقْت، فوجب إماطة التُّهمة بإظهارها، وأما التطوع فحقه أن يخفى ؛ لأنه مما لا يلام بتركه، ولا تهمة فيه، فإن أظهره قاصداً للاقتداء كان جميلاً، وإن قصد بإظهاره أن الأعين تنظر إليه، ويثنى عليه بالصَّلاح فهو الرياء.
١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٧٠٦)، والبزار (٣٩٢ – كشف)، والبيهقي (٢/٢١٤)، مرفوعا.
قال البيهقي : وهذا الحديث إنما يصح مرقوفا. والموقوف أخرجه الطبري (١٢/٦ -٧)، والبيهقي (٢/٢١٤)، وأبو يعلى (٢/٦٤)، عن سعد. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد)، وقال: رواه أبو يعلى وإسناده حسن. وذكره مرفوعا (٧/١٤٣)، وقال: رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه عكرمة بن إبراهيم وهو ضعيف جدا.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٨٣)، مرفوعا وموقوفا. وزاد نسبته المرفوع إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. أما الموقوف فزاد نسبته إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه..

٢ ينظر المحرر الوجيز ٥/٥٢٧..
٣ سقط من: ب..
٤ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٠/١٤٤)..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٧٠٨)، عن عطاء بن يسار وذكره السيوطي في "الدرالمنثور" (٦/٦٨٣)، وعزاه إلى الطبري..
٦ الكشاف ٤/٨٠٥..
٧ الفخر الرازي ٣٢/١٠٧..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى