مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وربك فكبر﴾ فيه مسألتان :
المسألة الأولى : ذكروا في تفسير التكبير وجوها ( أحدها ) قال الكلبي : عظم ربك مما يقوله عبدة الأوثان و( ثانيها ) قال مقاتل : هو أن يقول : الله أكبر، روى أنه " لما نزلت هذه الآية قام النبي ﷺ وقال : الله أكبر كبيرا، فكبرت خديجة وفرحت، وعلمت أنه أوحى إليه " ( وثالثها ) المراد منه التكبير في الصلوات، فإن قيل : هذه السورة نزلت في أول البعث وما كانت الصلاة واجبة في ذلك الوقت ؟ قلنا : لا يبعد أنه كانت له عليه السلام صلوات تطوعية، فأمر أن يكبر ربه فيها ( ورابعها ) يحتمل عندي أن يكون المراد أنه لما قيل له :﴿قم فأنذر﴾ قيل بعد ذلك :﴿وربك فكبر﴾ عن اللغو والعبث.
واعلم أنه ما أمرك بهذا الإنذار إلا لحكمة بالغة، ومهمات عظيمة، لا يجوز لك الإخلال بها، فقوله :﴿وربك﴾ كالتأكيد في تقرير قوله :﴿قم فأنذر﴾ ( وخامسها ) عندي فيه وجه آخر وهو أنه لما أمره بالإنذار، فكأن سائلا سأل وقال : بماذا ينذر ؟ فقال : أن يكبر ربه عن الشركاء والأضداد والأنداد ومشابهة الممكنات والمحدثات، ونظير قوله في سورة النحل :﴿أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون﴾ وهذا تنبيه على أن الدعوة إلى معرفة الله ومعرفة تنزيهه مقدمة على سائر أنواع الدعوات.
المسألة الثانية : الفاء في قوله :﴿فكبر﴾ ذكروا فيه وجوها ( أحدها ) قال أبو الفتح الموصلي : يقال : زيدا فاضرب، وعمرا فاشكر، وتقديره زيدا اضرب وعمرا اشكر، فعنده أن الفاء زائدة و( ثانيها ) قال الزجاج : دخلت الفاء لإفادة معنى الجزائية، والمعنى : قم فكبر ربك وكذلك ما بعده على هذا التأويل ( وثالثها ) قال صاحب الكشاف : الفاء لإفادة معنى الشرط، والتقدير : وأي شيء كان فلا تدع تكبيره.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى