التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما أخرجه الإمام أحمد عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خولة بنت ثعلبة قالت : فىَّ والله وفي - زوجي - أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة.
قالت : " كنت عنده، وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، قالت : فدخل علي يوما فراجعته بشىء فغضب، فقال : أنت علي كظهر أمي.
قالت : ثم خرج فجلس فى نادي قومه ساعة، ثم رجع، فإذا هو يريدنى عن نفسي، فقالت له : كلا والذى نفس خوله بيده لا تخلص إلىَّ، وقلت ما قلت، حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه.
قالت : فواثبنى، فامتنعت عنه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عني.
ثم خرجت إلى بعض جاراتى، فاستعرت منها ثيابا، ثم خرجت حتى جئت رسول الله - ﷺ - فجلست بين يديه، فذكرت له - ﷺ - ما لقيت من زوجي، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه.
قالت : فجعل رسول الله - ﷺ - يقول : " يا خويلة، ابن عمك شيخ كبير فاتى الله فيه ".
قالت : فوالله ما برحت حتى نزل فىَّ قرآن، فتغشى رسول الله - ﷺ - ما كان يتغشاه، ثم سرى عنه، فقال لي : " يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك قرآنا ". ثم قرأ علي هذه الآيات ".
وفى رواية : " أنها أتت النبى - ﷺ - فقالت له : يا رسول الله، إن أوساً تزوجني وأنا شابة مرغوب في، فلما خلا سني، ونثرت بطنى، جعلنى عليه كأمه، وتركنى إلى غير أحد، فإن كنت تجد لى رخصة يا رسول الله فحدثنى بها.
فقال - ﷺ - : " ما أمرت بشىء فى شأنك حتى الآن " وفى رواية أنه قال لها : " ما أراك إلا قد حرمت عليه ".
فقالت : يا رسول الله، إنه ما ذكر طلاقا، وأخذت تجادل النبي - ﷺ - ثم قالت : اللهم إني أشكو إليك فافتي، وشدة حالي، وإن لي من زوجي أولاداً صغاراً، إن ضمَّهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا.
قالت : وما برحت حتى نزل القرآن، فقال - ﷺ - : " يا خولة أبشري " ثم قرأ على هذه الآيات ".
و " قد " فى قوله - تعالى - :﴿قَدْ سَمِعَ...﴾ ؟ .
قلت : " معناه التوقع، لأن رسول الله - ﷺ - والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله - تعالى - مجادلتها وشكواها، وينزل فى ذلك ما يفرج كربها ".
والسماع فى قوله - تعالى - :﴿سَمِعَ﴾ بمعنى علم الله - تعالى - التام بما دار بين تلك المرأة، وبين الرسول - ﷺ - سبحانه - لشكواها، وحكمه فى تلك المسألة، بما يبطل ما كان شائعاً بشأنها قبل نزول هذه الآية.
وقوله :﴿تُجَادِلُكَ﴾ من المجادلة، وهى المفاوضة على سبيل المغالبة والمنازعة، وأصلها من جدلت الحبل : إذا أحكمت فتله.
وقوله :﴿تشتكي﴾ من الشكو، وأصله فتح الشَّكوة - وهى سقاء صغير يجعل فيه الماء - وإظهار ما فيها، ثم شاع هذا الاستعمال فى إظهار الإنسان لما يؤلمه ويؤذيه، وطلب إزالته.
والمعنى : قد سمع الله - تعالى - سماعا تاما، قول هذه المرأة التى تجادلك - أيها الرسول الكريم - فى شأن ما دار بينها وبين زوجها، وفيما صدر عنه فى حقها من الظهار، وسمع - سبحانه - شكواها إليه، والتماسها منه - عز وجل - حل قضيتها، وتفريج كربتها، وإزالة ما نزل بها من مكروه.
وقال - سبحانه - ﴿التي تُجَادِلُكَ﴾ بأسلوب الاسم الموصول للإشعار بأنها كانت فى نهاية الجدال والشكوى، وفى أقصى درجات التوكل على ربها، والأمل فى تفريج كربتها، رحمة بها وبزوجها وبأبنائها.
وقوله - سبحانه - :﴿اللَّهِ والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ﴾ جملة حالية، والتحاور : مراجعة الكلام من الجانبين. يقال : حاور فلان فلانا فى الكلام إذا راجعه فيما يقوله.
أى : والحال أن الله - تعالى - يسمع ما يدور بينك - أيها الرسول الكريم - وبين تلك المرأة، من مراجعة فى الكلام، ومن أخذ ورد فى شأن قضيتها.
والمقصود بذلك، بيان الاعتناء بشأن هذا التحاور، والتنويه بأهميته، وأنه - تعالى - قد تكرم وتفضل بإيجاد التشريع الحكيم لحل هذه القضية.
وعبر - سبحانه - بصيغة المضارع، لزيادة التنويه بشأن ذلك التحاور، واستحضار صورته فى ذهن السامع، ليزداد عظة واعتبارا.
وجملة :﴿تَحَاوُرَكُمآ إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ تذييل قصد به التعليل لما قبله بطريق التحقيق.
أى : أنه - سبحانه - يسمع كل المسموعات، ويبصر كل المبصرات، على أتم وجه وأكمله، ومن مقتضيات ذلك، أن يسمع تحاوركما، ويبصر ما دار بينكما.
قال القرطبي : " أخرج ابن ماجة أن عائشة - رضى الله عنها - قالت : " تبارك الذى وسع سمعه كل شىء إنى لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى على بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله - ﷺ - وهي تقول : يا رسول الله ! ! أكل شبابى، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني... ظاهر مني ! ! اللهم إني أشكو إليك.
وفى البخاري عن عائشة قالت : الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله - ﷺ - وأنا فى ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله - تعالى - :﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى