المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
﴿سمع الله﴾ عبارة عن إدراكه المسموعات على ما هي عليه بأكمل وجوه ذلك دون جارحة ولا محاداة ولا تكييف ولا تحديد تعالى الله عن ذلك.
وقرأ الجمهور :﴿قد سمع﴾ بالبيان : وقرأ ابن محيصن :﴿قد سمع﴾ بالإدغام، وفي قراءة ابن مسعود :«قد يسمع الله قول التي »، وفيها :«والله قد يسمع تحاوركما ».
واختلف الناس في اسم التي تجادل، فقال قتادة هي خويلة بنت ثعلبة، وقيل عن عمر بن الخطاب أنه قال : هي خولة بنت حكيم. وقال بعض الرواة وأبو العالية هي خويلة بنت دليج، وقال المهدوي، وقيل : خولة بنت دليج، وقالت عائشة : هي خميلة. وقال ابن إسحاق : هي خولة بنت الصامت. وقال ابن عباس فيها : خولة بنت خويلد، وقال محمد بن كعب القرظي ومنذر بن سعيد : هي خولة بنت ثعلبة، قال ابن سلام :«تجادل » معناه تقاتل في القول، وأصل الجدل القتل، وأكثر الرواة على أن الزوج في هذه النازلة : أوس بن الصامت الأنصاري(١) أخو عبادة بن الصامت. وحكى النقاش وهو في المصنفات حديثاً عن سلمة بن صخر البياضي(٢) أنه ظاهر من امرأته أن واقعها مدة شهر رمضان فواقعها ليلة فسأل قومه أن يسألوا له رسول الله ﷺ فأبوا وهابوا ذلك وعظموا عليه، فذهب هو إلى رسول الله ﷺ بنفسه وسأله واسترشدوه فنزلت الآية. وقال له رسول الله ﷺ :«أتعتق رقبة ؟ فقال له والله ما أملك رقبة غير رقبتي، فقال : أتصوم شهرين متتابعين ؟ فقال يا رسول الله وهل أتيت إلا في الصوم، فقال : تطعم ستين مسكيناً ؟ » فقال : لا أجد، فأعطاه رسول الله ﷺ صدقات قومه فكفر بها فرجع سلمة إلى قومه فقال : إني وجدت عندكم الشدة والغلظة، ووجدت عند رسول الله ﷺ الرخصة والرفق وقد أعطاني صدقاتكم(٣).
وأما ما رواه الجمهور في شأن أوس بن الصامت، فاختصاره : أن أوساً ظاهر من امرأته خولة بنت خويلد، وكان الظهار في الجاهلية يوجب عندهم فرقة مؤبدة، قاله أبو قلابة وغيره، فلما فعل ذلك أوس، جاءت زوجته رسول الله ﷺ فقالت : يا رسول الله، إن أوساً أكل شبابي، ونثرت له بطني فلما كبرت ومات أهلي، ظاهر مني، فقال رسول الله ﷺ :«ما أراك إلا قد حرمت عليه »، فقالت يا رسول الله : لا تفعل فإني وحيدة ليس لي أهل سواه، فراجعها رسول الله ﷺ بمثل مقالته، فراجعته، فهذا هو جدالها، وكانت في خلال جدالها تقول : اللهم إليك أشكو حالي وفقري وانفرادي إليه، وروي أنها كانت تقول : اللهم إن لي منه صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، فهذا هو اشتكاؤها إلى الله، فنزل الوحي عند جدالها على رسول الله ﷺ بهذه الآيات.
وكانت عائشة حاضرة لهذه القصة كلها فكانت تقول : سبحان من وسع سمعه الأصوات، لقد كنت حاضرة وكان بعض كلام خولة يخفى علي، وسمع الله جدالها، فبعث رسول الله ﷺ في أوس فقال له :«أتعتق رقبة ؟ فقال والله ما أملكها، فقال أتصوم شهرين متتابعين ؟ فقال : والله ما أقدر أن أصبر إلا على أكلات ثلاث في اليوم، ومتى لم أفعل ذلك غشي بصري فقال له : أتطعم ؟ » فقال له لا أجد إلا أن تعينني يا رسول الله بمعونة وصلاة يريد الدعاء، فأعانه رسول الله بخمسة عشر صاعاً ودعا له، وقيل بثلاثين صاعاً، فكفر بالإطعام وأمسك أهله.
وفي مصحف عبد الله بن مسعود :«تحاورك في زوجها »، والمحاورة مراجعة القول ومعاطاته.
١ هو أوس بن الصامت بن قيس، الخزرجي، الأنصاري، أخو عبادة بن الصامت، ذكروه فيمن شهد بدرا، قال ابن حبان: مات في أيام عثمان وله خمس وثمانون سنة، وقيل: مات سنة أربع وثلاثين بالرملة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.(الإصابة). وقد ذكرت أكثر المصادر والروايات أنه هو الذي ظاهر من زوجته..
٢ هو سلمة بن صخر بن سليمان بن الصمة-بكسر الصاد وشد الميم منا في المغني- الأنصاري، الخزرجي، ويقال: سلمان، ويقال له: البياضي، صحابي، قال البغوي: لا أعلم له حديثا مسندا إلا حديث الظهار.(الإصابة)..
٣ أخرجه عبد الرزاق في المصنف من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، وذكر البغوي أن الذين رووا عنه حديث الظهار هم: سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وأبو سلمة، وسماك بن عبد الرحمن، ومحمد بن عبد الرحمن.(راجع الإصابة والدر المنثور)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى