تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ١ قوله تعالى :﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله﴾ قال جماعة من أهل التفسير : إنها نزلت في أوس بن الصامت أخي عبادة بن الصامت وامرأته، غير أنهم اختلفوا في اسم امرأته. وقال ابن عباس رضي الله عنه : كان اسمها خولة، وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت خويلة.
وقال بعضهم : إنها كانت تسمى خويلة على تصغير خولة. وروي في بعض الروايات أنه كان سبب هذا القول من أوس لزوجته لما دعاها ليلة إلى فراشه، وكانت امرأته بحيث لا يحل له التمتع بها، فأبت عليه، وأرادت أن تخرج من البيت [ فقال لها : إن خرجت من البيت ](٢) فأنت علي كظهر أمي فخرجت، فلما أصبحت قال لها زوجها : ما أراك إلا حرمت علي قالت : والله ما ذكرت لي إلا طلاقا، قال فأتي رسول الله ﷺ واسأليه، فإني أستحيي أن أسأله عن هذا، فأتت رسول الله ﷺ وأخبرته، فنزلت فيها هذه الآية.
وروي في بعض الأخبار أن أول من ظاهر امرأته أوس، وكان به لمم، فقال في بعض هجرانه ذلك القول. وهذا يرويه محمد بن كعب القرظي، لكنه لا يحتمل أن يكون أراد باللمم الجنون، لأن المجنون لو طلق امرأته لا يقع الطلاق فضلا عن أن يكون ظهاره ظهارا. وتأويل قوله : كان به لمم، أي فضل غضب وشدة، فكأنه لم يكن به حلم.
ثم اختلفت الروايات في شأنها وشأن زوجها، منهم من روى، وهو محمد بن كعب [ القرظي ](٣) أنها أتت رسول الله ﷺ وقالت إن أوسا أبا ولدي وابن عمي وأحب الناس إلي قد قال كلمة والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا، وقال : أنت علي كظهر أمي، فقال لها رسول الله ﷺ : " ما أراك إلا وقد حرمت عليه، قالت : يا رسول الله لا تقل ذلك، ما ذكر طلاقا، فقال رسول الله ﷺ " ما أراك إلا وقد حرمت عليه " وكررت المرأة ذلك، ورادّت (٤)رسول الله ﷺ ثم قالت : اللهم إني أشكو إليك شدة وجدي به وما يشق علي من فراقه، اللهم أنزل على نبيك، فأنزل الله تعالى :﴿قد سمع الله﴾ إلى قوله تعالى :﴿فإطعام ستين مسكينا﴾ " الآية : ٤ ]، [ أبو داوود : ٢٢١٤ وابن جرير الطبري في تفسيره : ٢٨/٤ والسيوطي في الدر المنثور ٨/٧٢ ].
وفي بعض الأخبار [ التي ] (٥)رواها الكلبي " أنها أتت رسول الله ﷺ فقالت :" يا رسول الله إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني يوم تزوجني، وأنا شابة ذات أهل كثير، ومال كثير، فأكل شبابي حتى إذا كبرت عنده سني، وذهب أهلي، وتفرق مالي، وضعفت، جعلني عليه كظهر أمه، ثم تركني إلى غير شيء، وقد ندم، وندمت، فهل من شيء، يجمعني وإياه يا رسول الله ؟ فقال عليه السلام أطلقك ؟ قالت : لا قال ما أمرت في شأنك بشيء، أبينه لك، فرفعت يديها إلى السماء تدعوه، وتتضرع إليه أن ينزل إليه بيان أمرها، ثم خرجت من عنده، وأتت زوجها فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية [ السيوطي في الدر المنثور : ٨/٧٢و ٧٣.
وروي في بعض الأخبار أنها أتت رسول الله ﷺ فقالت : إن زوجي أوس بن الصامت، تزوجني، وإني شابة ذات مال وأهل حتى إذا أكل مالي، وأفنى شبابي، وكبرت سني، ورق عظمي، وباء أهلي، جعلني عليه كظهر أمه، ولي منه صبيان، إن أنا وكلتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلى نفسي جاعوا. فقال النبي ﷺ أغربي، فلعلك الظالمة لزوجك فقالت : يا أمين الله في أرضه إنه لظالم لي، فقال : اذهبي فإن فيكن الضعف والعجز، قيل (٦) : فجعلت تجادله، فلما رأت أنه لا يرفع بها رأسا ولا تجد عنده مخرجا خرجت، ورفعت طرفها إلى السماء، تشكو إلى الله صنع زوجها بها، وقالت : اللهم إني أتيت أمينك في أرضك، فلم يرفع بي رأسا، فتول اليوم حاجتي، وارحم ضعفي وقلة حيلتي، فلم تصل إلى منزلها حتى هبط جبريل، صلوات الله عليه بالوحي :﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله﴾ فدعا أوسا زوجها، فقال : ما الذي حملك على [ ما ](٧) صنعت بخولة، وقد أنزل الله فيها ما أنزل ؟ وبعث إليها، ورحب بها فقال : يا رسول الله عمل الشيطان، فهل من أمر يجمعني الله وإياها ؟ قال : نعم، ثم تلا عليهم آية الظهار (٨) إلى آخرها.
ثم بين هذه الروايات اختلاف : ذكر في رواية القرظي : أنه قال عليه السلام " ما أراك إلا وقد حرمت عليه " وفي رواية قال لها : " ما أمرت في شأنك من شيء ". لكن يمكن التوفيق بين الخبرين [ بوجهين : أحدهما : هو ](٩) أن قوله : ما أراك إلا وقد حرمت عليه " على ما كان أهل الجاهلية يرونه محرما، وقال : " ما أراك إلا وقد حرمت عليه من ذا الوجه. لكنه لم ينزل علي شيء في بيان هذا، فإن ينزل في بيان هذا أبينه لك ".
والثاني : أن ليس في قوله : " ما أراك " إثبات حرمة، بل هو قول على الظن بما قد كان الناس يعرفونه بينهم لذلك حرمه.
فيجوز أن يرد التقرير على ذلك أو ترد لهذه الحادثة الحرمة بالوحي، فتوقف في الجواب مع الإشارة لها بالامتناع عن الزوج احتياطا لباب الحرمة، والله اعلم.
ثم إن بعض الفقهاء ذكر الاختلاف بين السلف في حكم الظهار قبل نزول الآية :
عن عكرمة أنه قال : كانت النساء تحرم بالظهار حتى أنزل الله تعالى هذه الآية، وكان طلاقا قبل نزول الآية، فجعله الله تعالى بهذه الآية ظهارا.
وعن أبي قلابة وغيره [ أنهما قالا :](١٠) كان طلاقهم في الجاهلية الإيلاء والظهار.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : كان طلاق أهل الجاهلية الظهار.
ثم جعل [ هذه الحرمة ](١١) ترتفع، وتزول، بالكفارة التي أوجب.
وعن الحسن أنه قال : كان الظهار أشد الطلاق وأحرم الحرام، إذا ظاهر من امرأته لم ترجع إليه أبدا. والأشبه أنه لا يكون طلاقا في الإسلام، لو كان يكون في الجاهلية، وأنه يكون موجبا حرمة، لا ترتفع أبدا، كما قال الحسن فإنه ذكر في حديث خولة أن زوجها لما قال لها : ما أراك إلا وقد حرمت علي، قالت : والله ما ذكر لي طلاقا، ولو كان الظهار طلاقا لعرفته، وكذلك لما أخبرت رسول الله ﷺ أنه قال : أنت علي كظهر أمي، فقال عليه السلام : " ما أراك / ٥٥٣- ب / إلا وقد حرمت عليه " قالت : يا رسول الله : لا تقل ذلك ما ذكر طلاقا، ولم يرد عليها اعتقادها في أن الظهار طلاق.
وكذلك ما روي في رواية أخرى في حديث طويل : جعلني عليه كظهر أمه، ثم تركني إلى غير شيء، فهل من شيء يجمعني وإياه يا رسول الله ؟ فقال ﷺ : " أطلقك " ؟ قالت لا، قال : " ما أمرت في شأنك من شيء " . ولو كان الظهار طلاقا بعد الإسلام قبل نزول هذه الآية لما قال لها : " أطلقك " ؟ بعد ما قالت : جعلني عليه كظهر أمه. ولما قال : " ما أمرت في شأنك من شيء " وحكم شريعته أنه طلاق مزيل للملك، دل [ أنه الأشبه، وهو ](١٢) يقرر ما قلنا : إنه ذكر في حديث خولة وأوس أنه أول من ظاهر في الإسلام، فكيف يكون طلاقا ؟ ، فإن قيل :[ أليس ] (١٣)النبي ﷺ قال : " ما أراك إلا وقد حرمت عليه " والحرمة التي لا ترفع النكاح بالظهار إنما تثبت بعد نزول الآية، والآية نزلت بعد هذا القول في أوس بن الصامت، فدل أن مراده تحريم الطلاق. فهذا يدل على أن هذا الحكم كان ثابتا في شريعته قبل نزول آية الظهار بوحي غير متلو [ وأنه ] (١٤)كان قبل ذلك في حكم الجاهلية.
فكذلك ذلك الزوج لما قال للمرأة أيضا : ما أراك إلا وقد حرمت علي، دل على أنه كان طلاقا قبل نزول الآية.
هذا حجة عليكم، فإنه لو كان المراد بقوله عليه السلام : " ما أراك إلا وقد حرمت عليه " إثبات الحرمة فيه بالظهار بكونه طلاقا، فكيف يحكم عليها بالحرمة بالظهار بعد حكمه بالطلاق بذلك القول بعينه في شخص بعينه ؟ وقد صح في الحديث أن النبي ﷺ دعا أوسا وامرأته للكفارة، وأبقى النكاح بينهما.
لو كان ذلك طلاقا، وأثبت حكمه [ لما نسخ ] (١٥)بالآية حكمه إلى حكم آخر، فظهر ذلك في المستقبل لا في الماضي، دل أن هذا حجة عليهم (١٦)، ولكن إنما قال : " ما أراك إلا وقد حرمت عليه " للوجهين اللذين ذكرناهما، والله أعلم.
فإن قيل : إن النبي ﷺ لم يحكم بالطلاق في حقها مع أن الظهار كان طلاقا بطريق القطع، بل قال : " ما أراك إلا وقد حرمت عليه " على طريق الظن، لأنه جائز أن يكون الله تعالى قد أعلمه سينسخ (١٧) حكم هذا القول، وينقله من الطلاق إلى تحريم المتعة، فلم يقطع القول فيه حتى نزلت الآية.
قيل : لو كان ذلك حكما ثابتا مقررا في حكم شريعته لم يمتنع النبي ﷺ عن العمل والحكم بذلك ما لم ينزل عليه الناسخ، وإن أعلم أنه سينسخ لأنه يجب عليه العمل بما أنزل عليه لقوله تعالى :﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾[ المائدة ٤٩ ] وقوله ﴿بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ [ المائدة ٦٧ ] وإذا ورد الناسخ بخلافه يكون عمله في المستقبل لا في ما مضى، وإنما يستقيم هذا على ما قلنا : إن الظهار قبل الآية لا حكم له في الإسلام، وكان محرما في الجاهلية. فمتى وجد هذا السبب، ووقعت هذه الحادثة، أمرها بالاجتناب عن الزوج احتياطا حتى تنزل الآية، فيظهر أن حكمه ما هو من حين وجوده، إذ يجوز أن يريد الله تعالى بهذا الحكم، وإن كان لا علم للمظاهر به، إذا كان بحيث يمكنه الوصول إلى العلم به عند الحاجة إلى العمل به. والحكم كالنص الذي ورد مجملا في إيجاب [ حكم ] (١٨)
ثم ورد البيان متأخرا، والنص العام الذي يتأخر بيانه على خلاف ظاهره. فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
ثم قوله تعالى :﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ أي سمع قولها ومجادلتها في زوجها مع رسول الله في سؤالها إياه عما ابتليت بقول زوجها لها : أنت علي كظهر أمي. المجادلة هي المخاصمة، وهي المحاورة، وكانت مجادلتها في زوجها أن قالت : والله ما ذكرت طلاقا حين قال لها بعد ما قال لها إن خرجت من الدار فأنت علي كظهر أمي، وخرجت : ما أراك إلا وقد حرمت علي.
وأما مجادلتها مع النبي ﷺ ومحاورتها، فهي (١٩) قولها : لا تقل ذلك، وقول رسول الله ﷺ : " ما أراك إلا وقد حرمت عليه " فهذه محاورتهما.
ومن الناس من يقول : المحاورة هي المراجعة في الكلام وهما يرادان(٢٠) الكلام، ويرجعانه، ويكررانه، وهو ما ذكر أن النبي ﷺ يكرر قوله : " ما أراك إلا وقد حرمت عليه " وهي تردد، وتكرر قولها : لا تقل ذلك يا رسول الله فإنه ما ذكر طلاقا، ولكن هذا قريب من الأول.
وقال بعض أهل اللغة :﴿تحاوركما﴾ أي كلامكما، والتحاور الكلام بين اثنين.
وقوله تعالى ﴿وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما﴾ قيل فيه بوجهين : أحدهما : أن تشتكي على رسول الله عليه السلام لكن الله تعالى أضاف [ الشكوى ](٢١) إلى نفسه، لأن مرادها أن تنزل آية من الله تعالى على رسوله عليه السلام بالفرج عنها.
والثاني : أن شكواها إلى الله تعالى وتضرعها، وقد كان حين (٢٢) لم تجد الفرج والمخرج في ما قال لها رسول الله : " ما أراك إلا وقد حرمت عليه " فاشتكت إلى الله[ ودعت، وتضرعت، حتى أنزل الله تعالى ](٢٣) على رسوله الآية فيها، وجاءت

تفسير هذه الآية من كتب أخرى