الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾ : قد تقدَّم الخلافُ في " يُظاهِرون " في سورةِ الأحزاب وكذا في " اللائي " فأَغْنَى عن إعادتِه هنا وأُبي هنا " يَتَظاهَرُون " وعنه أيضاً " يَتَظَهَّرُوْن ". وفي " الذين " وجهان، أحدهما : أنه مبتدأٌ، وخبرُه قولُه :﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾. والثاني : أنَّه منصوبٌ ب " بصير " على مذهبِ سيبويهِ في جوازِ إعمالِ فَعيل، قاله مكي، يعني أنَّ سيبويه يُعْمل فعيلاً من أمثلةِ المبالغةِ، وهو مذهبٌ مَطْعونٌ فيه على سيبويِهِ ؛ لأنه استدلَّ على إعمالِه بقولِ الشاعر :
حتى شآها كَليلٌ مَوْهِناً عَمِلٌباتَتْ طِراباً وبات الليلَ لم يَنَمِ
ورُدَّ عليه : بأنَّ " مَوْهِناً " ظرفُ زمانٍ، والظروفُ تعملُ فيها روائحُ الأفعالِ. وللكلامِ في المسألةِ موضعٌ هو أليقُ به مِنْ هنا ولكنَّ المعنى يَأْبى ما قاله مكيٌّ.
وقرأ العامَّةُ " أمَّهاتِهم " بالنصب على اللغة الحجازية الفصحى كقولِه :
﴿مَا هَذَا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] وعاصم في روايةٍ بالرفعِ على اللغةِ التميميةِ، وإنْ كانَتْ هي القياسَ لعدمِ اختصاصِ الحرفِ. وقرأ عبدُ الله " بأمَّهاتهم " بزيادة الباءِ، وهي تحتمل اللغتين. وقال الزمخشري :" وزيادةُ الباء في لغة مَنْ ينصِبُ ". قلت : هذا هو مذهبُ أبي علي، يرى أنَّ الباءَ لا تُزاد إلاَّ إذا كانَتْ " ما " عاملةً فلا تُزاد في التميمية ولا في الحجازيةِ إذا مَنَعَ مِنْ عملها مانعٌ نحو :" ما إنْ زيدٌ بقائمٍ ". وهذا مردودٌ بقولِ الفرزدق وهو تميمي :
لَعَمْرُك ما مَعْنٌ بتارِكِ حقِّهولا مُنْسِىءٌ مَعْنٌ ولا مُتَيَسِّرُ
وبقول الآخر :
لَعَمْرُك ما إنْ أبو مالكٍبواهٍ ولا بضعيفٍ قِواهْ
فزادها مع " ما " الواقع بعدها " إنْ ".
قوله :﴿مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ نعتان لمصدر محذوف أي : قولاً منكراً، وزوراً أي : كذباً وبُهْتاناً قاله مكي وفيه نظرٌ ؛ إذ يصيرُ التقدير : ليقولون قولاً منكراً من القول، فيصير قولُه " من القول " لا فائدةً فيه. والأَوْلَى أَنْ يُقال : نعتان لمعفولٍ محذوفٍ لفهم المعنى أي : ليقولونَ شيئاً مُنْكراً من القولِ لتفيدَ الصفة غيرَ ما أفاده الموصوفُ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى