الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
ثم قال :﴿والذين يظاهرون مِن نّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ يعني : والذين كانت عادتهم أن يقولوا هذا القول المنكر فقطعوه بالإسلام، ثم يعودون لمثله، فكفارة من عاد أن يحرّر رقبة ثم يماس المظاهر منها لا تحل له مماستها إلا بعد تقديم الكفارة. ووجه آخر : ثم يعودون لما قالوا : ثم يتداركون ما قالوا ؛ لأن المتدارك للأمر عائد إليه. ومنه المثل : عاد غيث على ما أفسد، أي : تداركه بالإصلاح. والمعنى : أن تدارك هذا القول وتلافيه بأن يكفر حتى ترجع حالهما كما كانت قبل الظهار. ووجه ثالث : وهو أن يراد بما قالوا : ما حرّموه على أنفسهم بلفظ الظهار، تنزيلاً للقول منزلة المقول فيه نحو ما ذكرنا في قوله تعالى :﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠] ويكون المعنى : ثم يريدون العود للتماس. والمماسة : الاستمتاع بها من جماع، أو لمس بشهوة، أو نظر إلى فرجها لشهوة ﴿ذَلِكُمْ﴾ الحكم ﴿تُوعَظُونَ بِهِ﴾ لأن الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية، فيجب أن تتعظوا بهذا الحكم حتى لا تعودوا إلى الظهار وتخافوا عقاب الله عليه.
فإن قلت : هل يصح الظهار بغير هذا اللفظ ؟ قلت : نعم إذا وضع مكان أنت عضواً منها يعبر به عن الجملة كالرأس والوجه والرقبة والفرج، أو مكان الظهر عضواً آخر يحرم النظر إليه من الأم كالبطن والفخذ. ومكان الأمّ ذات رحم محرم منه من نسب أو رضاع أو صهر أو جماع، نحو أن يقول : أنت علي كظهر أختي من الرضاع أو عمتي من النسب أو امرأة ابني أو أبي أو أمّ امرأتي أو بنتها، فهو مظاهر. وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. وعن الحسن والنخعي والزهري والأوزاعي والثوري وغيرهم نحوه. وقال الشافعي : لا يكون الظهار إلا بالأمّ وحدها وهو قول قتادة والشعبي. وعن الشعبي : لم ينس الله أن يذكر البنات والأخوات والعمات والخالات ؛ إذ أخبر أن الظهار إنما يكون بالأمّهات الوالدات دون المرضعات. وعن بعضهم : لا بد من ذكر الظهر حتى يكون ظهاراً.
فإن قلت : فإذا امتنع المظاهر من الكفارة، هل للمرأة أن ترافعه ؟ قلت : لها ذلك. وعلى القاضي أن يجبره على أن يكفر، وأن يحبسه ؛ ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار وحدها، لأنه يضرّ بها في ترك التكفير والامتناع من الاستمتاع، فيلزم إيفاء حقها.
فإن قلت : فإن مسّ قبل أن يكفر ؟ قلت : عليه أن يستغفر ولا يعود حتى يكفر، لما روى : أن سلمة بن صخر البياض قال لرسول الله ﷺ : ظاهرت من امرأتي ثم أبصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعتها، فقال عليه الصلاة والسلام :« استغفر ربك ولا تعد حتى تكفر ».
فإن قلت : أي رقبة تجزىء في كفارة الظهار ؟ قلت : المسلمة والكافرة جميعاً، لأنها في الآية مطلقة. وعند الشافعي لا تجزي إلا المؤمنة. لقوله تعالى في كفارة القتل :﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ولا تجزى أمّ الولد والمدبر والمكاتب الذي أدّى شيئاً، فإن لم يؤدّ شيئاً جاز. وعند الشافعي : لا يجوز.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى