مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ قال الزجاج : الذين رفع بالابتداء وخبره فعليهم تحرير رقبة، ولم يذكر عليهم لأن في الكلام دليلا عليه، وإن شئت أضمرت فكفارتهم تحرير رقبة. أما قوله تعالى :﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ فاعلم أنه كثر اختلاف الناس في تفسير هذه الكلمة، ولا بد أولا من بيان أقوال أهل العربية في هذه الكلمة، وثانيا من بيان أقوال أهل الشريعة، وفيها مسائل :
المسألة الأولى : قال الفراء : لا فرق في اللغة بين أن يقال : يعودون لما قالوا، وإلى ما قالوا وفيما قالوا، أبو علي الفارسي : كلمة إلى واللام يتعاقبان، كقوله :﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا﴾ وقال :﴿فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ وقال تعالى :﴿وأوحى إلى نوح﴾ وقال :﴿بأن ربك أوحى لها﴾.
المسألة الثانية : لفظ ﴿ما قالوا﴾ في قوله :﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ فيه وجهان ( أحدهما ) أنه لفظ الظهار، والمعنى أنهم يعودون إلى ذلك اللفظ ( والثاني ) أن يكون المراد بقوله :﴿لما قالوا﴾ المقول فيه، وهو الذي حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار، تنزيلا للقول منزلة المقول فيه، ونظيره قوله تعالى :﴿ونرثه ما يقول﴾ أي ونرثه المقول، وقال عليه السلام :" العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه " وإنما هو عائد في الموهوب، ويقول الرجل : اللهم أنت رجاؤنا، أي مرجونا، وقال تعالى :﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ أي الموقن به، وعلى هذا معنى قوله :﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ أي يعودون إلى الشيء الذي قالوا فيه ذلك القول، ثم إذا فسرنا هذا اللفظ بالوجه الأول فنقول : قال أهل اللغة، يجوز أن يقال : عاد لما فعل، أي فعله مرة أخرى، ويجوز أن يقال : عاد لما فعل، أي نقض ما فعل، وهذا كلام معقول، لأن من فعل شيئا ثم أراد أن يقال مثله، فقد عاد إلى تلك الماهية لا محالة أيضا، وأيضا من فعل شيئا ثم أراد إبطاله فقد عاد إليه، لأن التصرف في الشيء بالإعدام لا يمكن إلا بالعود إليه.
المسألة الثالثة : ظهر مما قدمنا أن قوله :﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ يحتمل أن يكون المراد ثم يعودون إليه بالنقض والرفع والإزالة، ويحتمل أن يكون المراد منه، ثم يعودون إلى تكوين مثله مرة أخرى، أما الاحتمال الأول فهو الذي ذهب إليه أكثر المجتهدين واختلفوا فيه على وجوه :( الأول ) وهو قول الشافعي أن معنى العود لما قالوا السكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانا يمكنه أن يطلقها فيه، وذلك لأنه لما ظاهر فقد قصد التحريم، فإن وصل ذلك بالطلاق فقد تمم ما شرع منه من إيقاع التحريم، ولا كفارة عليه، فإذا سكت عن الطلاق، فذاك يدل على أنه ندم على ما ابتدأ به من التحريم، فحينئذ تجب عليه الكفارة، واحتج أبو بكر الرازي في «أحكام القرآن » على فساد هذا القول من وجهين :( الأول ) أنه تعالى قال :﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ وثم تقتضي التراخي، وعلى هذا القول يكون المظاهر عائدا عقيب القول بلا تراخ، وذلك خلاف مقتضى الآية ( الثاني ) أنه شبهها بالأم والأم لا يحرم إمساكها، فتشبيه الزوجة بالأم لا يقتضي حرمة إمساك الزوجة، فلا يكون إمساك الزوجة نقضا لقوله : أنت علي كظهر أمي، فوجب أن لا يفسر العود بهذا الإمساك ( والجواب عن الأول ) أن هذا أيضا وارد على قول أبي حنيفة فإنه جعل تفسير العود استباحة الوطء، فوجب أن لا يتمكن المظاهر من العود إليها بهذا التفسير عقيب فراغه من التلفظ بلفظ الظهار حتى يحصل التراخي، مع أن الأمة مجمعة على أن له ذلك، فثبت أن هذا الإشكال وارد عليه أيضا، ثم نقول : إنه ما لم ينقض زمان يمكنه أن يطلقها فيه، لا يحكم عليه بكونه عائدا، فقد تأخر كونه عائدا عن كونه مظاهرا بذلك القدر من الزمان، وذلك يكفي في العمل بمقتضى كلمة : ثم ( والجواب عن الثاني ) أن الأم يحرم إمساكها على سبيل الزوجية ويحرم الاستمتاع بها، فقوله : أنت علي كظهر أمي، ليس فيه بيان أن التشبيه وقع في إمساكها على سبيل الزوجية، أو في الاستمتاع بها، فوجب حمله على الكل، فقوله : أنت علي كظهر أمي، يقتضي تشبيهها بالأم في حرمة إمساكها على سبيل الزوجية، فإذا لم يطلقها فقد أمسكها على سبيل الزوجية، فكان هذا الإمساك مناقضا لمقتضى قوله : أنت علي كظهر أمي، فوجب الحكم عليه بكونه عائدا، وهذا كلام ملخص في تقرير مذهب الشافعي ( الوجه الثاني ) في تفسير العود، وهو قول أبي حنيفة : أنه عبارة عن استباحة الوطء والملامسة والنظر إليها بالشهوة، قالوا : وذلك لأنه لما شبهها بالأم في حرمة هذه الأشياء، ثم قصد استباحة هذه الأشياء كان ذلك مناقضا لقوله : أنت علي كظهر أمي، واعلم أن هذا الكلام ضعيف، لأنه لما شبهها بالأم، لم يبين أنه في أي الأشياء شبهها بها، فليس صرف هذا التشبيه إلى حرمة الاستمتاع، وحرمة النظر أولى من صرفه إلى حرمة إمساكها على سبيل الزوجية، فوجب أن يحمل هذا التشبيه على الكل، وإذا كان كذلك، فإذا أمسكها على سبيل الزوجية لحظة، فقد نقض حكم قوله : أنت علي كظهر أمي، فوجب أن يتحقق العود ( الوجه الثالث ) في تفسير العود وهو قول مالك : أن العود إليها عبارة عن العزم على جماعها وهذا ضعيف، لأن القصة إلى جماعها لا يناقض كونها محرمة إنما المناقض لكونها محرمة القصد إلى استحلال جماعها، وحينئذ نرجع إلى قول أبي حنيفة رحمه الله ( الوجه الرابع ) في تفسير العود وهو قول طاوس والحسن البصري : أن العود إليها عبارة عن جماعها، وهذا خطأ لأن قوله تعالى :﴿ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ بفاء التعقيب في قوله :﴿فتحرير رقبة﴾ يقتضي كون التكفير بعد العود، ويقتضي قوله :﴿من قبل أن يتماسا﴾ أن يكون التكفير قبل الجماع، وإذا ثبت أنه لا بد وأن يكون التكفير بعد العود، وقبل الجماع، جب أن يكون العود غير الجماع، واعلم أن أصحابنا قالوا : العود المذكور هاهنا، هب أنه صالح للجماع، أو للعزم على الجماع، أو لاستباحة الجماع، إلا أن الذي قاله الشافعي رحمه الله، هو أقل ما ينطلق عليه الاسم فيجب تعليق الحكم عليه لأنه هو الذي به يتحقق مسمى العود، وأما الباقي فزيادة لا دليل عليها البتة.
الاحتمال الثاني : في قوله :﴿ثم يعودون﴾ أي يفعلون مثل ما فعلوه، وعلى هذا الاحتمال في الآية أيضا وجوه ( الأول ) قال الثوري : العود هو الإتيان بالظهار في الإسلام، وتقريره أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بالظهار، فجعل الله تعالى حكم الظهار في الإسلام خلاف حكمه عندهم في الجاهلية، فقال :﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾ يريد في الجاهلية :﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ أي في الإسلام والمعنى أنهم يقولون في الإسلام مثل ما كانوا يقولونه في الجاهلية، فكفارته كذا وكذا، قال أصحابنا هذا القول ضعيف لأنه تعالى ذكر الظهار وذكر العود بعده بكلمة : ثم وهذا يقتضي أن يكون المراد من العود شيئا غير الظهار، فإن قالوا : المراد والذين كانوا يظاهرون من نسائهم قبل الإسلام، والعرب تضمر لفظ كان، كما في قوله :﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾ أي ما كانت تتلو الشياطين، قلنا : الإضمار خلاف الأصل ( القول الثاني ) قال أبو العالية : إذا كرر لفظ الظهار فقد عاد، فإن لم يكن يكرر لم يكن عودا، وهذا قول أهل الظاهر، واحتجوا عليه بأن ظاهر قوله :﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ يدل على إعادة ما فعلوه، وهذا لا يكون إلا بالتكرير، وهذا أيضا ضعيف من وجهين :( الأول ) أنه لو كان المراد هذا لكان يقول، ثم يعيدون ما قالوا ( الثاني ) حديث أوس فإنه لم يكرر الظهار إنما عزم على الجماع وقد ألزمه رسول الله الكفارة، وكذلك حديث سلمة بن صخرة البياضي فإنه قال : كنت لا أصبر عن الجماع فلما دخل شهر رمضان ظاهرت من امرأتي مخافة أن لا أصبر عنها بعد طلوع الفجر فظاهرت منها شهر رمضان كله ثم لم أصبر فواقعتها فأتيت رسول الله فأخبرته بذلك وقلت : أمض في حكم الله، فقال :« أعتق رقبة » فأوجب الرسول عليه السلام عليه الكفارة مع أنه لم يذكر تكرار الظهار القول الثالث : قال أبو مسلم الأصفهاني : معنى العود، هو أن يحلف على ما قال أولا من لفظ الظهار، فإنه إذا لم يحلف لم تلزمه الكفارة قياسا على ما لو قال في بعض الأطعمة، إنه حرام علي كلحم الآدمي، فإنه لا تلزمه الكفارة، فأما إذا حلف عليه لزمه كفارة اليمين، وهذا أيضا ضعيف لأن الكفارة قد تجب بالإجماع في المناسك ولا يمين هناك وفي قتل الخطأ ولا يمين هناك.
قوله تعالى :﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا فيما يحرمه الظهار، فللشافعي قولان :( أحدهما ) أنه يحرم الجماع فقط ( القول الثاني ) وهو الأظهر أنه يحرم جميع جهات الاستمتاعات وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ودليله وجوه ( الأول ) قوله تعالى :﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ فكان ذلك عاما في جميع ضروب المسيس، من لمس بيد أو غيرها ( والثاني ) قوله تعالى :﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾ ألزمه حكم التحريم بسبب أنه شبهها بظهر الأم، فكما أن مباشرة ظهر الأم ومسه يحرم عليه، فوجب أن يكون الحال في المرأة كذلك ( الثالث ) روى عكرمة :« أن رجلا ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر فأتى النبي ﷺ فأخبره بذلك فقال اعتزلها حتى تكفر »
المسألة الثانية : اختلفوا فيمن ظاهر مرارا، فقال الشافعي وأبو حنيفة : لكل ظهار كفارة إلا أن يكون في مجلس واحد، وأراد بالتكرار التأكيد، فإنه يكون عليه كفارة واحدة، وقال مالك : من ظاهر من امرأته في مجالس متفرقة مائة فليس عليه إلا كفارة واحدة، دليلنا أن قوله تعالى :﴿والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة﴾ يقتضي كون الظهار علة لإيجاب الكفارة، فإذا وجد الظهار الثاني فقد وجدت علة وجوب الكفارة، والظهار الثاني إما أن يكون علة للكفارة الأولى، أو لكفارة ثانية والأول باطل لأن الكفارة وجبت بالظهار الأول وتكوين الكائن محال، ولأن تأخر العلة عن الحكم محال، فعلمنا أن الظهار الثاني يوجب كفارة ثانية، واحتج مالك بأن قوله :﴿والذين يظاهرون﴾ يتناول من ظاهر مرة واحدة، ومن ظاهر مرارا كثيرة، ثم إنه تعالى أوجب عليه تحرير رقبة، فعلمنا أن التكفير الواحد كاف في الظهار، سواء كان مرة واحدة أو مرارا كثيرة ( والجواب ) أنه تعالى قال :﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ فهذا يقتضي أن لا يجب في الإيمان الكثيرة إلا كفارة واحدة، ولما كان باطلا، فكذا ما قلتموه.
المسألة الثالثة : رجل تحته أربعة نسوة فظاهر منهن بكلمة واحدة وقال : أنتن علي كظهر أمي، للشافعي قولان : أظهرهما أنه يلزمه أربع كفارات، نظرا إلى عدد اللواتي ظاهر منهن، ودليله ما ذكرنا، أنه ظاهر عن هذه، فلزمه كفارة بسبب هذا الظهار، وظاهر أيضا عن تلك، فالظهار الثاني لا بد وأن يوجب كفارة أخرى.
المسألة الرابعة : الآية تدل على إيجاب الكفارة قبل المماسة، فإن جامع قبل أن يكفر لم يجب عليه إلا كفارة واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، كمالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان وأحمد وإسحاق رحمهم الله، وقال بعضهم : إذا وا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى